إيران بين هويتين

أحمد الزعفراني
"من لوازم المشروع الأممي العابر للحدود الذي يعتمد على خطاب ديني وأيدلوجيا مذهبية"- جيتي
"من لوازم المشروع الأممي العابر للحدود الذي يعتمد على خطاب ديني وأيدلوجيا مذهبية"- جيتي
شارك الخبر
يظن كثيرون وخصوصا في عالمنا العربي والإسلامي أن إيران دولة شيعية دينية بحلة مذهبية تعتمد على طبقة رجال الدين والفقهاء والمعممين في دوائر الحكم والإدارة، وأنه لا مكان لغير هؤلاء في دوائر التأثير وصنع القرار، غير أن الحق يضاد هذا ويعارضه؛ لأن إيران دولة تشكلت عبر التاريخ وامتزجت فيها الكثير من الأعراق والهويات التي عرفها تاريخ الشرق القديم عبر عصور مختلفة تمتد لآلاف السنين. هذه الدولة هي وريثة الإمبراطوريات القديمة التي حكمت بلاد فارس وغيرها كالإمبراطورية الأخمينية والفرثية والساسانية، وفيها كذلك خليط من الأعراق التي شكلت الهوية السكانية لحضارة الشرق وتراثه العتيق من الفرس والعرب والكرد والأذر الترك والبلوش وغيرهم يعيشون ضمن إطار قومي متعدد في سياق دولة مركزية واحدة.

‏كذلك هذه الدولة لها ماض كبير بعد الفتح زمن الخلافة الراشدة ودولة الأمويين والعباسيين بعدها، غير أن الفتح الإسلامي لم يقم بمحو الهوية الفارسية، بل امتزجت هوية الإسلام بالتراث الفارسي، وأنتج طبقات من الهوية بعضها فوق بعض تتفاعل باستمرار، ولا تجد تناقضا في ذلك بما يمكن أن نطلق عليه نسخة من الإسلام الفارسي أو الإيراني.

‏وأيضا فقد واجهت البلاد تاريخا من الحداثة والعصرنة تأثرت به البلاد، وصار جزءا منها بفعل الاستعمار الغربي وحكم القاجاريين ودولة آل بهلوي التي عملت على التحديث القسري، وفرض الإجراءات التحديثية بما للدولة من قوة وسلطان، حتى كانت الدولة -أعني الدولة البهلوية- في شطرها الأخير قبل انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م جزءا من معسكر الغرب وركنا من أركان المواجهة بين المعسكرين وقطبي الحرب الباردة

‏التفاعل والامتزاج بين الهوية القومية الفارسية والهوية الدينية المتمثلة في الإسلام تثير قدرا كبيرا من الارتباك والتعقيد، فهي نتاج الحضارة الفارسية ومحصلة تفاعل طويل ومستمر بين الحضارات القديمة والانتماء الديني المذهبي والحداثة

‏هذا التفاعل والامتزاج بين الهوية القومية الفارسية والهوية الدينية المتمثلة في الإسلام تثير قدرا كبيرا من الارتباك والتعقيد، فهي نتاج الحضارة الفارسية ومحصلة تفاعل طويل ومستمر بين الحضارات القديمة والانتماء الديني المذهبي والحداثة.

‏لكل هذا فليس غريبا أن تجد فيها انتماء قوميا يبلغ حد التطرف والعنصرية ضد الأعراق الأخرى، وخصوصا العرب باعتبارهم من قاموا بتغيير هوية البلاد وتحويلها كليا، حتى اعتبر بعض من يتبنون هذا التوجه الفكري الحكم الإسلامي لبلاد فارس ظلاما ومحوا تاما حسب زعمهم. وللمفارقة، فذلك ما يعتنقه المعارضون الإيرانيون لدولة الولي الفقيه وزعيمهم في المنفي ابن شاه إيران السابق، وغدت سياسة التفريس نهجا متبعا بعد الانقلاب الذي نفذه الشاه الأب رضا خان ضد آخر حكام دولة القاجار عام 1925م، حتى أراد أن يتحول باللغة الفارسية عن الأبجدية العربية، ولكن لم يقدر لهذا أن يكتمل لدواع أخرى.

‏تلك الدولة بما لها من ماض فارسي قد تزعمت أتباع المذهب الشيعى بعد أن تحولت البلاد عن المذهب السني إلى المذهب الشيعي بفعل سياسات الشاه إسماعيل الصفوي (1487-1524م)، وتبنت نظرية أم القرى وولاية الفقيه، ومفادها أن تكون مدينة قم مهوى أفئدة أتباع المذهب وقبلتهم التي يتجهون إليها، والولي الفقيه هو ولي أمر المسلمين الشيعة الذين تجب عليهم طاعته واتباعه باعتباره النائب عن إمام آخر الزمان.

‏ لكن يلاحظ أن هناك نوعا من الامتزاج بين التقاليد الدينية والتراث القومي من خلال تأويل الحوادث والتاريخ القومي وربطه بالإسلام الشيعي، فمن ذلك الأسطورة التي تقول إن شهربانو، ابنة آخر الملوك الساسانيين يزدجرد، قد وقعت في الأسر فتزوجها الحسين رضي الله عنه، وبذلك جمعت بين الدماء الملكية الفارسية والصلة بآل البيت.

‏بعد انتصار الثورة وانتشار المظاهر الإسلامية وحكم رجال الدين في إيران رفع التضييق عن المظاهر الثقافية للأقليات ومنها العرب، وعادت الأسماء العربية والألقاب الإسلامية للانتشار، وتَسمّى بها قادة الدولة بعد أن كانت ممنوعة أيام الشاه المخلوع.

يلاحظ أن هناك نوعا من الامتزاج بين التقاليد الدينية والتراث القومي من خلال تأويل الحوادث والتاريخ القومي وربطه بالإسلام الشيعي

‏صحيح أن الأمر ليس على الصورة المطلوبة من الاعتراف بحقوق الأقليات وهويتهم الثقافية، لكنهم على كل حال مندمجون في الدولة، وتحرص القيادة الإيرانية على عدم الصدام الثقافي والهوياتي في إطار تصدير مبادئ الثورة الإيرانية، وبناء نفوذ عابر للحدود، وعليه فليس من التدبير اتخاذ إجراءات قمعية بحق الأقليات خصوصا أنها تروج لمبدأ ولاية الفقيه، وتريد انضواء الشيعة جميعهم في مشروعها، ويعتمد ذلك أول ما يعتمد على مخاطبة جوارها العربي القريب، فليس معقولا قمع الحريات الثقافية خصوصا أن مشروعها الديني لا يناقض ذلك التنوع، والاعتراف بتعدد المكونات لا يتعارض مع مشروعها، وذلك من لوازم المشروع الأممي العابر للحدود ذلك الذي يعتمد على خطاب ديني وأيدلوجيا مذهبية

‏ومن خلال تلك الوصفة التي تجمع الشيعة تحت ولاية قم، استطاعت إيران مزج تلك الهويات المتنافرة نظريا لتجعل منهم جنودا في مشروعها الطموح في مواجهة ما تسميه إيران قوى الاستكبار الغربي والمحيط السني في الجوار؛ لتنافس الغرب في الهيمنة على منطقة الشرق الاوسط الغني بثرواته وتاريخه، تعتمد في ذلك كله على جناحين أحدهما ديني مذهبي يجند الشيعة ويدفعهم لخدمة مشروعها، والآخر قومي فارسي يستدعي تاريخ الإمبراطورية وإرث الدولة التي سيطرت يوما ما على ‫نصف العالم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)