أصبح ثابتاً أن
العدوان الإسرائيلي الشامل، على الضفة والقدس وغزة، يواجَه
بفشل عربي رسمي وفلسطيني وتواطؤ دولي، معادلته واضحة في التأكيد على التفاصيل
الإسرائيلية، المرتكزة على أساس رؤية أمنية بفرض الاستسلام على العرب
والفلسطينيين، وفرض السلام بمعناه الراهن والبعيد، بأن كل شيء واقع تحت قبضة
إسرائيلية قاهرة لا يمكن استرداده لا بمفاوضات ولا بمقاومة ولا باستسلام، وأن كل
الخيارات تمزقت بفرض الإحباط والانكسار وتكريس وقائع لا تترك مجالاً لضحايا
الهمجية الصهيونية التقاط أنفاسهم.
فطريقة الأداء
الفلسطيني والعربي تثير الفزع، ليس في أوساط السياسة
الإسرائيلية والغربية، بل في العقل العربي المترنح تحت بؤس وخيبة في مراقبة تخلي
النظام العربي عن قدراته الكلية، وعن مصالح وحقوق عربية فلسطينية دون أدنى شعور
بالمسؤولية الوطنية، وبالمخاطر التي تفرضها رؤية إسرائيلية أمريكية بمفهوم الأمن
المستند إلى القوة وسياسة الترغيب والتهديد والابتزاز، وكواجهة لشعار الاستقرار في
المنطقة.
إرضاخ الطرف الفلسطيني الضعيف لمنطق السحق والغطرسة والإبادة الجماعية وخطط
التهجير، حمل بذور عدم الاستقرار التاريخي في المنطقة العربية، وحمل معه إرادة تمسك
شعب بحقوقه التاريخية في أرضه وبمقاومة محتله بكل الأشكال والوسائل، والتمسك
بعدالة وقوة حقه، بما جعله يفلت كل مرة من حالة الرضوخ والاستسلام. لكن مرارة واقع
العدوان مع الاستيطان والمستوطنين، وفرض سياسات وخطط عنصرية فاشية بموازاة إخفاق
فلسطيني وعربي موغل في خيارات بائسة، وفي دوامة أوهام
هناك ما يشير دوماً لاهتزاز الرهانات الفلسطينية والعربية، وضياعها في مساحة زمان ومكان المنطق الصهيوني، والتهاون معه، بتأملات عبثية وانتظارية وبكلام سطحي وفارغ، بدون إرادة وقناعة وقدرة على الإمساك بحقيقة مسؤولياتها بروح نقدية
منكسرة ونهج مقيت ساوم على
مبادئ وحقوق أساسية، تجعل من الصهيوني بلوغ "أحلامه" بالضغط والحشد أكثر
لإمكاناته، والاستفادة من تشرذم فلسطيني وعربي، فما الذي يمنع على الأرض خطط
التهجير من غزة؟ ومن الذي سيمنع خطط التهجير من الضفة وخطط الاستيطان وموت الدولة
الفلسطينية؟
بالمعطيات الراهنة، لا وجود لأي مؤشر سياسي له دلالة البدء في نقطة الإمساك
بناصية تغيير الواقع الفلسطيني وتبديل نزعة المناكفة والانقسام وتصفية الحسابات،
مع إقرار الجميع هنا بخطورة وحجم التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني وقضيته.
والسؤال الآخر الذي يمكن طرحه: هل يمكن الانتظار لما بعد الانتخابات
الإسرائيلية؟ أو لما بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في تشرين الثاني/نوفمبر
2026؟ والجواب هو الحاجة الملحة للعمل في مختلف الأحول إذا أُريدَ فعلاً وقولاً
تأسيس وبناء استراتيجية وطنية فلسطينية على أسس منهجية علمية سليمة؛ بمقدورها
الوصول لأهداف وطموحات الشعب الفلسطيني في التحرر وإقامة دولة فلسطينية. والنجاح
في هذا التحدي يتطلب تجديد بنى وأساليب وتكتيكات شرذمت الفلسطينيين، واستخدمت حالة
ضعفهم وانقسامهم ذريعة وفزاعة عربية للتخلي عنهم، والذهاب بعيداً للتطبيع مع
مستعمرهم والتحالف معه
سقوط مهزلة السلام والتطبيع، تحت وطأة جرائم الإبادة والتطهير العرقي،
والحصار والاستيطان وخطط ضم الأرض وطرد سكانها وعمليات نسف البيوت، وإعادة الحديث
عن خطة تهجير سكان غزة؛ كل ذلك يخفف أعباء فلسطينية وعربية في عدم اللجوء لجرأة في
الموقف وللبرهان بصورة حاسمة عن جدارة في مراجعة مواقف وسياسات أضفت شراسة غير منتهية
على عقلية وسلوك إرهاب المؤسسة الصهيونية، وتهديد بن غفير سكان غزة بالتهجير،
وتصعيد نتنياهو وسموتريتش اللهجة والمواقف والممارسات بكل اتجاه، ليست لدواع
انتخابية كما يسوق البعض، فوفقاً للمنطق الإسرائيلي المعهود والمتأصل، فإن ثمن
الوجود الصهيوني فوق الأرض هو إنهاء الوجود الفلسطيني، وإخضاع العرب لمنطق القوة
والهيمنة والإذلال الأمني والاقتصادي
وفي خضم كل ذلك، هناك ما يشير دوماً لاهتزاز الرهانات الفلسطينية والعربية،
وضياعها في مساحة زمان ومكان المنطق الصهيوني، والتهاون معه، بتأملات عبثية وانتظارية
وبكلام سطحي وفارغ، بدون إرادة وقناعة وقدرة على الإمساك بحقيقة مسؤولياتها بروح
نقدية. فاستمرار المراوغة وتبرير العجز والدخول المستمر في دهاليز نقاشات عقيمة وتبادل
الاتهامات بمسؤولية تردي الأوضاع والواقع الفلسطيني؛ يستفاد منها إسرائيليا
بممارسة أقصى أنواع الإرهاب الجماعي، وفرض حالة من الرعب تفضي لطرد الفلسطينيين من
أرضهم، واستنساخ حالة الرعب على جوار فلسطين في سوريا ولبنان. والنتيجة هي ما نراه
ونعيشه الآن من إحباط وهزيمة وتمزق، في ذروة العدوان والهجمة بالجرائم وبإرهاب
المستوطنين، ونتائجه القاسية المريرة على الشارع الفلسطيني والعربي وعلى مصير
القضية برمتها.
إذا كانت هناك قناعة راهنة باستحالة هزيمة المشروع الصهيوني عسكرياً، فليس هناك ما ينفي استراتيجيات أخرى لا تقف عند هذه الحدود، وتشمل أساليب ووسائل العمل في كل ميدان، والقدرة على التصحيح والتجديد والتقاط كل ما يحصن ويحفظ نضال الشعب الفلسطيني
أي متابعة بسيطة لما يجري على صعيد توسيع العدوان الإسرائيلي على الضفة
وغزة، وتسابق قادة الحكومة الإسرائيلية للتأكيد على منع إقامة دولة فلسطينية
واستحالة انسحاب قوات
الاحتلال من غزة والضفة وجنوبي لبنان وسوريا، ستوضح الحقائق
الصهيونية الاستعمارية في المنطقة. وعليه ليس مسموحا فلسطينياً وعربياً تسطيح هذه
الحقيقة بشعارات، بدل استنفار طاقات المواجهة كشرط ضروري لإعادة الاعتبار لقضية
تحرر وطني، فإذا كانت هناك قناعة راهنة باستحالة هزيمة المشروع الصهيوني عسكرياً،
فليس هناك ما ينفي استراتيجيات أخرى لا تقف عند هذه الحدود، وتشمل أساليب ووسائل
العمل في كل ميدان، والقدرة على التصحيح والتجديد والتقاط كل ما يحصن ويحفظ نضال
الشعب الفلسطيني. فلن تقوم الدولة الفلسطينية غداً، ولا بعد عام، ولن يكنس
الاحتلال من الأرض، بدون تحقيق شروط الإمساك بضرورات فلسطينية تتكرر منذ عقود
وتهمل.
في مثل هذه الظروف، حيث العدوان وجرائم الإبادة وسياسة التطهير العرقي،
والكذب وتزوير الحقائق والنفاق وازدواجية المعايير، تتجلى قيمة الضروريات
الفلسطينية في الوحدة الوطنية واستعادة منظمة التحرير لدورها وفاعلية مؤسساتها،
لصد الانهيار المستمر، فمن الخطأ الفادح عدم الالتفات ملياً إلى الوراء وإعادة
قراءة ما حدث، لا بشكل اعتباطي وافتعالي، بل بهدوء وعلم وعمق وتفاؤل لا محدود
بإرادة شعب، لن تنضب منه عقول تصوغ رؤيتها على أساس أنها الرد العملي والمباشر على
إرهاب وجرائم الاحتلال بطاقات وقدرات وصلابة، فإن لم تستنفر هذه القيم في هذا
الواقع فمتى أوانها؟ وإذا لم يكن للضرورات الفلسطينية شكل اليقظة الطارئة التي
تمثل أعلى درجات الوعي، فإن الاحتمالات الصهيونية وإيقاعاتها ستكون مدوية أكثر.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.