على غرار سوريا.. هل يلغي باراك قوات البيشمركة بالعراق؟

باراك دعا إلى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة العراقية- جيتي
باراك دعا إلى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة العراقية- جيتي
شارك الخبر
تصاعدت تحذيرات القوى السياسية الكردية في العراق من المساس بقوات البيشمركة في إقليم كردستان، وذلك بالتزامن مع تعيين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السفير توم براك مبعوثاً خاصاً إلى العراق، والذي عُرف بدعمه لنظام المركزية في سوريا.

أولى تلك الأصوات، كان زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، الذي حذر من أن علم البيشمركة ليس مجرد قطعة قماش أو وحدة عسكرية، وإنما هي تاريخ وتضحية وكرامة.

وقال البارزاني في تدوينة على "أكس" الأربعاء الماضي، إنه "نظراً للظروف السياسية الراهنة، تتناول بعض الأطراف علم البيشمركة وتوجه إليه اتهامات باطلة ولوماً غير عادل".

وتابع: "تتذكر جميع الأطراف أن البيشمركة قد ضحت بالدماء والمعاناة وقُهِرت على يد أعداء الشعب الكردي. إن علم البيشمركة ليس مجرد قطعة قماش، أو وحدة عسكرية، أو أداة حرب. إنه تاريخ وتضحية وكرامة وولاء. إنه ذلك الشغف والالتزام الدائمان تجاه الشعب والوطن والأمة".

جاء ذلك على خلفية ما يُتداول في العراق من أن براك يدعو إلى حلّ البيشمركة ودمجها ضمن القوات الأمنية الحكومية، أسوةً بالفصائل المسلحة، وهي خطوة قد تُفهم بوصفها تمهيداً لإنهاء خصوصية إقليم كردستان والعودة إلى نموذج الدولة المركزية، على غرار ما تشهده بعض دول المنطقة.

اظهار أخبار متعلقة


تهويل إعلامي

تعليقاً على ذلك، قال المحلل السياسي من إقليم كردستان العراق، ياسين عزيز، إن "توم باراك شخصية جدلية تثير المخاوف لدى الكثير من الطيف السياسي العراقي ومنهم الكرد، وذلك لارتباط اسمه بالكثير من الملفات التي تتعامل معها الولايات المتحدة في العراق والمنطقة".

وأضاف عزيز لـ"عربي21" أن "ما يتعلق بالحديث عن تعامل باراك مع الملف الكردي في العراق، يعد تهويلاً إعلامياً، لا سيما الضجة المثارة حول مصير قوات البيشمركة الكردية، حيث لا تصريح أو حتى تلميح رسمي من باراك والإدارة الأمريكية عن هذا الموضوع".

ورجح الخبير الكردي وجود "جهات تحاول إثارة هذا الأمر لإعطاء عملية حصر السلاح بيد الدولة تعميماً غير منطقي بخلط سلاح الفصائل المسلحة التي تصفها الحكومة العراقية بأنها خارجة عن القانون بسلاح رسمي قانوني دستوري مثل قوات البيشمركة".

وأوضح عزيز أن "البيشمركة وجدت أولاً كجزء من تاريخ نضال الكرد لعشرات السنين، ومن ثم وضعت في الدستور العراقي لعام 2005، عرفاناً بتاريخ هذه القوة التي كانت ولا تزال وستبقى داعمة للأمن والاستقرار، ولم تتسبب في أي خروقات أو إحراجات للدولة العراقية".

ولفت إلى أن "قوات البيشمركة دستورياً وقانونياً تابعة لرئاسة إقليم كردستان وحكومة الإقليم عن طريق وزارة البيشمركة، وهي الآن تقترب من عملية دمجها (واحدة تتبع أربيل وأخرى السليمانية) وتغيير عنوانها الوظيفي داخل الإقليم وعبر تنسيق كامل مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة".

ولفت إلى أن "الظروف في العراق وتحديداً ما يتعلق بالبيشمركة وطرح المقارنة بينها وبين قوات سوريا الديمقراطية، والظروف التي حدثت في سوريا غير واقعية، لسبب بسيط هو أن البيشمركة والإقليم تم تقنين وجودهما في الدستور ككيان سياسي وإداري، وبالتالي فهما ليسا نتاج ظروف معينة".

وتابع: "صحيح أن واشنطن غير راضية عن الأداء الكردي، ولا سيما المتعلق بالوضع السياسي في الإقليم، لعدم تفعيل برلمانه وتشكيل حكومته بعد أكثر من عام ونصف على إجراء الانتخابات النيابية في كردستان، لكن ذلك لا يعني أن موقفها الاستراتيجي تغير تجاه الكرد، خصوصاً في خضم تطورات المنطقة".

وبحسب عزيز فإن "للولايات المتحدة ملاحظات ومطالبات كثيرة، وهي تعيش حالة عدم الثقة فيما يجري مع الفاعل السياسي في العراق، وليس من السهل أن تبني واشنطن مواقف ثابتة تجاه بغداد بهذه السهولة، وفي وقت قصير حتى تتبنى فكرة الدولة المركزية وتغيير دستور البلاد".

اظهار أخبار متعلقة


"جس نبض"

وفي السياق، قال أحمد العلواني المحلل السياسي العراقي، المقيم في برلين، لـ"عربي21" إن "باراك تحدث عن ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسة الأمنية العراقية، ولم يتطرق بشكل مباشر إلى البيشمركة، إلا أن تصريحاته فُهمت على نطاق واسع بأنها تشمل الأخيرة أيضاً".

ورأى العلواني أن "باراك ألقى حجراً في المياه الراكدة لاختبار ردود الأفعال، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى جاء الرد من الزعيم الكردي مسعود البارزاني، الذي اختار بدوره أسلوباً غير مباشر، مؤكداً أن سلاح البيشمركة عقيدة وكرامة، وليس مجرد قطعة قماش".

وشدد على أنه "لا يمكن إسقاط النموذج السوري على العراق بصورة كاملة، وذلك بسبب الاختلافات الجغرافية والديموغرافية والسياسية بين البلدين، فالبيشمركة تشكلت ضمن ظروف مختلفة، وتتمتع بمستوى عالٍ من التنظيم والعلاقات الدولية والإقليمية، وحظيت على مدى عقود بدعم غربي وعربي".

أما في سوريا، يضيف العلواني، "فإن معظم الفصائل المسلحة نشأت في سياق الحرب الأهلية، بينما تشكلت الفصائل الكردية السورية في إطار الحرب ضد تنظيم الدولة وبدعم أمريكي مباشر في شمال شرقي سوريا".

وفي المقابل، فإن المشهد العراقي بعد عام 2003 شهد ظهور قوى وأحزاب سياسية تمتلك أجنحة مسلحة، بعضها يرتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، وهو ما يضيف تعقيدات سياسية وأمنية تختلف عن الحالة السورية، وفقاً للعلواني.

وأكد العلواني أن "الكرد يرون أن للبيشمركة وضعاً دستورياً وقانونياً مختلفاً عن بقية الفصائل المسلحة العراقية، كما يعتبر العديد من الساسة الكرد أن أي مساس بوجود البيشمركة يمثل تهديداً حقيقياً للإقليم، خصوصاً أن هذه القوات تشكلت قبل قيام إقليم كردستان نفسه، وإقرارها بالدستور".

ولفت إلى أن "العلاقة بين بغداد وأربيل، لا تزال تشهد مستويات متفاوتة من التوتر، كما أن جزءاً مهماً من النخبة السياسية الكردية لا يمتلك ثقة كاملة بالحكومة المركزية. ولذلك فإن القضية لا تقتصر على الجوانب القانونية والدستورية فحسب، بل ترتبط بأزمة ثقة متراكمة بين الإقليم والمركز".

وبيّن العلواني أن "واشنطن في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، تتجه نحو تعزيز دور الحكومات المركزية وإعادة تنظيم العلاقة بينها وبين القوى المسلحة المحلية، بما يحد من تعدد مراكز القوة العسكرية. ويُنظر إلى توم باراك باعتباره أحد أبرز المسؤولين المكلفين بمتابعة هذا التوجه في المنطقة".

وتوصل إلى أنه "رغم وجود مؤشرات على اهتمام أمريكي بإعادة ترتيب المشهد الأمني في دول مثل سوريا ولبنان والعراق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تطبيق نموذج موحد أو مستنسخ في جميع الحالات، لأن لكل دولة خصوصيتها السياسية والاجتماعية والدستورية".

وخلص العلواني إلى أن "غالبية القوى السياسية الكردية ما زالت متمسكة ببقاء قوات البيشمركة بصيغتها الحالية، ولا يوجد حتى الآن توافق كردي داخلي على نزع سلاحها أو حلها أو دمجها الكامل ضمن المؤسسات العسكرية الاتحادية للدولة العراقية".

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نهاية الشهر المنصرم، تعيين سفير واشنطن لدى أنقرة، توم باراك، مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا، مشيداً بالدور الذي يؤديه، وأنه يحظى بدعم كامل من وزارة الخارجية الأمريكية، ومستمر في خدمة الولايات المتحدة من خلال موقعه الجديد.
التعليقات (0)