قبل أيام قليلة من
موعد زفافها، كانت سلمى قد أنهت كل الترتيبات، ولم يتبقّ سوى توثيق عقد
الزواج،
وبينما كانت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، صادفت خبرا عن دخول العدول، وهم كتّاب العدل المسؤولون عن توثيق عقود الزواج والطلاق والتركات في
المغرب في
إضراب مفتوح.
ولإزالة الشك الذي
ساورها، توجّهت إلى مكتبين للعدول في مدينتها، لتجدهما مغلقين. وفي لحظة، تحوّل موعد
محسوم إلى انتظار مفتوح، وبداية كانت قريبة جدا، إلى احتمال مؤجل.
هذه القصة، التي قد
تبدو في ظاهرها حالة فردية، تختزل في الواقع وضعا جماعيا تعيشه آلاف الأسر
المغربية منذ دخول الإضراب الوطني المفتوح للعدول حيز التنفيذ في 13 نيسان/ أبريل
2026. فوفق المعطيات المتداولة، تسبّب هذا الإضراب في تعطيل أكثر من 2640 عقد
زواج، ما يعني عمليا وضع ما يناهز 5280 شابا وشابة في حالة انتظار قسري، لم
يتحدد بعد أفق انتهائه.
اظهار أخبار متعلقة
هذه الأرقام، التي كشف
عنها عدد من المحامين عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، باتت تعكس واقعا
إنسانيا مركّبا، إذ لا يتعلق الأمر فقط بعقود قانونية، بل بمسارات حياة تم
تعليقها فجأة. فكل عقد زواج مؤجل هو قصة شخصية متوقفة، وعائلة في حالة ترقب،
وقرارات مرتبطة به -من السكن إلى العمل- أُعيد وضعها قيد الانتظار.
وفي المدن الكبرى،
يظهر هذا الأثر بشكل أكثر وضوحا. ففي دائرة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء،
يُسجل في الظروف العادية حوالي 120 طلب زواج يوميا؛ غير أن هذا الرقم تحوّل خلال
أيام الإضراب إلى مؤشر على حجم التعطيل، إذ توقفت جميع هذه الطلبات بشكل كامل، ما
يعني أن مئات الحالات يوميا تُضاف إلى قائمة الانتظار.
ورغم اعتذار الهيئة
الوطنية للعدول للمواطنين عن هذا التوقف، فإنها أكدت عبر بلاغ لها، وصل
"عربي21" نسخة منه، أنّ: خيار التصعيد يهدف إلى دفع الجهات الوصية لفتح
حوار جاد ومسؤول، يفضي إلى إدماج مطالب المهنيين ضمن الصيغة النهائية لمشروع
القانون".
الهيئة، خلال البلاغ
نفسه، أعلنت عن استمرار التوقف الشامل عن تقديم خدمات التوثيق عبر مختلف ربوع
المملكة، مع تنظيم وقفة احتجاجية وطنية يوم الإثنين 20 نيسان/ أبريل 2026 أمام
البرلمان، في خطوة تصعيدية جديدة ضد مشروع القانون رقم 16.22.
ما الذي يحصل؟
من خلال مكتبها
التنفيذي، أعلنت الهيئة الوطنية للعدول بالمغرب، عن دخول مهنيي القطاع في إضراب
وطني مفتوح، انطلاقا من اليوم الاثنين 13 نيسان/ أبريل 2026، وذلك في خطوة
تصعيدية تعكس تنامي حالة الاحتقان داخل المهنة، على خلفية مشروع القانون رقم
16.22 المتعلق بإعادة تنظيمها.
وفي مؤشر على جدية
التصعيد واتساع رقعته، أوردت الهيئة، في بلاغ لها، وصل "عربي21" نسخة
منه، أنّ هذا الإضراب سيكون غير محدد زمنيا، وسيشمل توقفا كاملا عن مزاولة المهام
المهنية، إلى جانب تعليق مختلف الخدمات العدلية وإغلاق المكاتب عبر التراب الوطني
طيلة فترة الاحتجاج.
أيضا، دعت الهيئة،
عموم المرتفقين إلى تفهم دوافع هذه الخطوة، مبرزة أنها تندرج في إطار الدفاع عن
المطالب المهنية للعدول، في ظل ما وصفته بـ"عدم استجابة المشروع القانوني
المطروح لتطلعات الفاعلين في القطاع".
وفي السياق نفسه،
يطالب المهنيون، بإدخال تعديلات شاملة على مضامين النص، تتعلّق بإعادة النظر في
نظام "التلقي الفردي"، وإلغاء حق الإيداع، وكذا العمل على إدماج النساء
في المهنة، ناهيك عن تعزيز الضمانات المرتبطة بحماية الوثيقة العدلية.
وفي هذا الصدد، دعا
العدول، رئيس الحكومة المغربي، عزيز أخنوش، إلى التدخل من أجل فتح قنوات حوار
حقيقية مع الهيئة، مطالبين رؤساء المجالس الجهوية بعقد لقاءات صحفية لتسليط الضوء
على خلفيات هذه الخطوات الاحتجاجية وأسبابها.
وكانت الهيئة الوطنية
للعدول بالمغرب، قد أوضحت أنّ: خطوة التوقف عن تقديم خدمات مهنية، تأتي عقب سلسلة
احتجاجات سابقة، آخرها توقف عن تقديم الخدمات المهنية خلال الفترة الممتدة من 18
شباط/ فبراير المنصرم إلى 5 نيسان/ أبريل الجاري تم خلاله تنظيم وقفة احتجاجية
الخميس المنصرم أمام مقر البرلمان.
سبق لوزير العدل، عبد
اللطيف وهبي، أن أكد، خلال جلسة بمجلس النواب، أن إعداد مشروع القانون المتعلق
بمهنة العدول تم وفق مقاربة تشاركية موسعة، تقول الوزارة إنها شملت إشراك الهيئة
الوطنية للعدول والتفاعل مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين المعنيين، مشددا على أنّ:
"مهنة العدول تُعد ركيزة أساسية في ضمان الأمن التعاقدي وصون الحقوق داخل
المجتمع".
وأوضح وهبي أنّ مشروع
القانون رقم 16.22 يتضمن حزمة من الإصلاحات الجوهرية، من أبرزها مراجعة شروط
الولوج إلى المهنة، وتعزيز مسارات التكوين والتأهيل عبر إحداث معاهد متخصصة،
إضافة إلى إقرار إلزامية التكوين المستمر. وتهدف هذه التعديلات، بحسبه، إلى مواكبة
التحولات القانونية والرقمية، ورفع جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
وقفات سابقة.. هل من
نتيجة؟
"لا
للإقصاء المهني" و"العدول يرفضون مشروع قانون المهنة"، بهذه
الشعارات، عبّر مئات العدول عن رفضهم لمشروع القانون المنظم للمهنة، الذي صادق
عليه مجلس النواب قبل أسابيع، والذي يوجد حاليا في طور المصادقة لدى مجلس
المستشارين. وجاء هذا الموقف خلال وقفة احتجاجية نظموها أمام مقر البرلمان
المغربي في العاصمة الرباط، خلال الأسبوع الماضي.
رئيس الهيئة الوطنية
للعدول، سليمان ادخول، في كلمة له خلال الوقفة، أورد: "تأتي هذه الوقفة
احتجاجا على مشروع قانون إذا تمّت المصادقة عليه من قبل مجلس المستشارين دون
الاستجابة لمطالبنا سنرفع تظلما إلى جلالة الملك لحمايتنا".
بدوره، رئيس المجلس
الجهوي لعدول استئنافية الرباط، يوسف آيت الحو، انتقد ما وصفه بـ"التراجع عن
المكتسبات التاريخية لمهنة التوثيق العدلي"، فيما أكد عدد آخرين من العدول،
أنّ: "عدم التجاوب مع مطالب المهنيين من شأنه أن يضعف مصداقية المؤسسة
التشريعية" مشيرين إلى: "وجود تضارب في المصالح أثّر على استقلالية
القرار التشريعي خلال مناقشة النص".
تداعيات الإضراب..
قرار العدول تعليق
خدماتهم، من المرجّح أن ينعكس بشكل مباشر على شريحة واسعة من المواطنين، بالنظر
لكون المهنة لا تقتصر على توثيق عقود الزواج والطلاق فقط، بل تمتد لمجالات أوسع
تشمل المعاملات التجارية، وتقسيم التركات، وتوثيق مختلف التصرفات القانونية، ما
يجعل أي توقف عنها عاملا مُربكا لسير المعاملات اليومية داخل المنظومة
القانونية.
كذلك، تشمل التداعيات
تأجيل معاملات مدنية متعددة، من قبيل عقود البيع والشراء والإيجار، بما قد ينعكس
على مصالح المواطنين ويؤدي إلى خسائر محتملة أو ضياع فرص قائمة.
ويُتوقّع أن يفضي
استمرار هذا الوضع إلى تراكم الملفات غير المنجزة، ما من شأنه أن يضاعف الضغط على
العدول والمؤسسات القضائية عند استئناف العمل، ويزيد من طول آجال معالجة القضايا.
لجنة لتعديل قانون
العدول.. هل تنجح؟
يتجه مجلس المستشارين
إلى إحداث لجنة فرعية تتولى تعميق دراسة التعديلات المقدمة بخصوص مشروع القانون
المتعلق بتنظيم مهنة العدول، في سياق يتسم بجدل واسع حول عدد من مقتضياته، والتي
أعلن العدول رفضها بشكل صريح عبر وقفات احتجاجية متتالية، إلى جانب قرار توقيف الخدمات
التوثيقية دون تحديد موعد لاستئنافها.
وأُسندت رئاسة هذه
اللجنة إلى عبيد أبو بكر، عن فريق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو من
مكونات المعارضة داخل الغرفة الثانية، حيث يُنتظر أن تضطلع اللجنة بمهمة فحص
التعديلات المطروحة، والعمل على سنّ مقترحات توافقية تمهيدا لاستكمال المسار
التشريعي للمشروع.
كذلك، يستند إحداث هذه
اللجنة إلى مقتضيات النظام الداخلي لمجلس المستشارين، الذي يتيح للجان الدائمة
إمكانية تشكيل لجان فرعية متخصصة من أجل تعميق دراسة مشاريع ومقترحات القوانين
والتعديلات المرتبطة بها، بما يسمح بتوسيع النقاش التقني حول مضامين النصوص
المعروضة.
اظهار أخبار متعلقة
ومن المرتقب أن تشكل
مخرجات هذه اللجنة محطة حاسمة في تحديد مستقبل مشروع قانون العدول، الذي يثير
نقاشا متسارعا داخل الأوساط المهنية والسياسية، إلى جانب مشروع قانون المحاماة،
والذي وضع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أمام ضغوط متزامنة بين مطلب تحديث
المنظومة القانونية للمهن القضائية، واعتراضات المهنيين على عدد من مضامين هذه
الإصلاحات.
في نهاية هذا المشهد
المعلّق بين القانون والحياة اليومية، لا يبدو أن الأمر يتعلق فقط بإضراب مهني أو
خلاف حول مشروع قانون، بل بسؤال أعمق حول كلفة التعطيل حين يمتد إلى تفاصيل الناس
الأكثر حميمية. فبين مكاتب العدول الموصدة، تتراكم حكايات مؤجلة لا تُقاس بالأرقام
وحدها، بل بانتظار ممتد لقرارات كان يُفترض أن تكون عادية في مسار حياة طبيعية.
وبينما يواصل الفاعلون
التشبث بمواقفهم، تظل الأسر والأفراد في موقع المتلقي المباشر لنتائج هذا
التعثّر، في لحظة تكشف هشاشة التوازن بين إصلاح المنظومة القانونية وضمان استمرارية
الخدمات الأساسية. ومع غياب أفق واضح للحل، يبقى السؤال: إلى أي حد يمكن أن يتحمل
المجتمع كلفة نزاع مهني، حين يتحول إلى تعليق فعلي لجزء من الحياة اليومية
للمواطنين؟.