في أحد مقاهي العاصمة
المغربية، الرباط، يجلس ياسين، ذو الثالثة
والثلاثين ربيعا. يعمل منذ سنوات، يتقاضى "راتبا مقبولا" كما يقول، لكنه
لا يكفي لتأمين ما يعتبره "الحد الأدنى للزواج"، مردفا: "قبل خمس
سنوات، كان الحديث عن الارتباط مسألة بديهية، مرتبطة فقط بإيجاد الشريكة المناسبة؛
اليوم، تغير السؤال: هل أستطيع فعلا أن أتزوج؟".
ياسين ليس حالة استثنائية، إذ تتكرّر قصّته بصيغ مختلفة لدى الآلاف
من الشباب المغاربة، حيث لم يعد
الزواج مجرد قرار شخصي أو عاطفي، بل بات معادلة
مركّبة، تتداخل فيها القدرة الاقتصادية مع التحولات الاجتماعية، لتنتج واقعا جديدا
تعكسه الأرقام الرسمية بوضوح.
أرقام صادمة
وكشفت نتائج "البحث الوطني حول العائلة 2025"، الذي
أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، في نسخته الثانية
بعد دراسة سنة 1995، عن تحوّل عميق في أبحاث الزواج داخل المجتمع المغربي.
فـ51,7 في المئة من العزاب لا يرغبون في الزواج، مقابل 40,6 في المئة فقط يبدون
استعدادهم للإقدام عليه، في مؤشر غير مسبوق يعكس تراجعا واضحا في الإقبال على هذه
المؤسسة.
اظهار أخبار متعلقة
الأرقام التي اطّلعت عليها "عربي21" تصبح أكثر دلالة عند
تفكيكها حسب الجنس؛ إذ تعبّر النساء عن رغبة أكبر في الزواج بنسبة 53,6 في المئة،
فيما يسود لدى الرجال موقف رافض يصل إلى 59,8 في المئة. هذا التفاوت لا يمكن فصله
عن الأدوار الاقتصادية التقليدية، إذ لا يزال الرجل مطالبا، بحسب المجتمع، بتأمين
كافة شروط الاستقرار المادي، وهو ما يتحول إلى ما يصفونها بـ"عبء ثقيل في ظل
واقع اقتصادي متقلب".
في المقابل، وفقا للتقرير نفسه، يؤكد ما يناهز 78 في المئة من
العزّاب أن دافعهم الأساسي نحو الزواج هو الإنجاب وبناء عائلة، مع تسجيل نسب أعلى
في الوسط القروي (81,8 في المئة) مقارنة بالوسط الحضري (75,4 في المئة)، وكذلك لدى
العائلات الممتدة (80,2 في المئة) مقارنة بالنووية (76,8 في المئة)؛ ما يكشف عن
مفارقة لافتة: الرغبة قائمة، لكن القدرة على تحقيقها تتآكل.
الزواج.. مشروع مؤجل
وخلف الأرقام التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط، وهي مؤسسة
رسمية، تبرز جملة من الإكراهات المادية كعامل حاسم. فالصعوبات الاقتصادية تمثّل
وفقا لعدد من الشباب المغاربة، العائق الرئيسي أمام الزواج، خاصة لدى الفئة
العمرية بين 25 و39 سنة، وهي الفئة التي يُفترض أن تكون في ذروة الاستعداد
للاستقرار الأسري.
في هذا السياق، لم يعد الزواج وفقا لعدد من الشباب، ممّن تحدّثوا
لـ"عربي21" قرارا عفويا، بل: "أصبح مشروعا يتطلب حسابات دقيقة:
كلفة السكن، تجهيز البيت، مصاريف العيش، والالتزامات الاجتماعية. ومع ارتفاع أسعار
العقار وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل المستقر، يصبح هذا المشروع عبارة عن عبء مؤجل،
أو خيار مرحّل إلى أجل غير محدد".
إلى ذلك، أبرزت الأرقام الرسمية أنّ: الضغط
الاقتصادي ينعكس بشكل مباشر على سن الزواج، الذي ارتفع إلى 33,3 سنة لدى الرجال
و26,3 سنة لدى النساء. هذا التأخر لا يعكس فقط
صعوبات مادية، بل يشير أيضا إلى
تحوّل في مسار الحياة، حيث تمتد مرحلة الدراسة، وتتأخر فرص الشغل، ويصبح الاستقرار
كأنّه هدفا بعيد المنال.
أيضا، تُظهر المعطيات التي اطّلعت عليها "عربي21" أنّ:
"نيّة الزواج ترتفع تدريجيا مع التقدم في السن، لتبلغ ذروتها بين 40 و54 سنة،
قبل أن تتراجع بشكل حاد بعد سن 55، إذ تتحول العزوبة إلى نمط حياة مستقر. هذا
التحول يعكس أن التأجيل، في كثير من الحالات، لا يكون مؤقتا، بل قد يتحول إلى خيار
دائم".
ماذا عن اختيار الشريك؟
رغم التحولات البارزة، إلاّ أنّ القيم الأخلاقية والشعور بالمسؤولية
لا تزال وفقا للأرقام الرسمية، في صدارة معايير اختيار الشريك بنسبة 44,7 في
المئة، تليها العاطفة بنسبة 21,2 في المئة. غير أن هذه المعايير تتقاطع مع
اعتبارات اجتماعية تعكس استمرار ما يوصف بـ"منطق التكافؤ".
ووفقا للأرقام نفسها،
يبدي الرجال عموما عدم اكتراث بالمستوى التعليمي بنسة 56,3 في المئة أو الأصل
الجغرافي بنسبة 81,3 في المئة، لكنهم يفضلون نساء أصغر سنا بنسبة 45,7 في المئة،
ومن الفئة الاجتماعية نفسها بنسبة 43,2 في المئة، مع رفض واضح للزواج من غير
العازبات بنسبة 84,8 في المئة.
أما النساء، فيفضلن أزواجا
أكبر سنا بنسبة 38,8 في المئة، أو من السن نفسه بنسبة 29,6 في المئة، كما يعبّرن
بدورهن عن رفض الزواج من غير العزاب بنسبة 84 في المئة، مع تفضيل واضح لشريك ينتمي
إلى طبقة اجتماعية أعلى بنسبة 44,9 في المئة.
هذه التفضيلات بحسب الأرقام التي أوردت المندوبية السامية للتخطيط
تكشف أنّ: الزواج، على الرغم من تحوّله، لا يزال يلعب دورا أساسيا في إعادة إنتاج
التراتبية الاجتماعية، حتى في ظل اتساع دائرة الاختيار وتراجع الزواج بين الأقارب،
الذي انخفض من 29,3 في المئة سنة 1995 إلى 20,9 في المئة سنة 2025.
ووفقا للتقرير، فإنّ
الزواج المتكافئ يظل هو الرّائج، حيث أنّ 83 في المئة من النساء يتزوجن من شريك من
الفئة الاجتماعية نفسها، و62,5 في المئة منهن يتزوّجن من الأصل الجغرافي نفسه، وهو
ما يبرز استمرار منطق التقارب الاجتماعي والمجالي في تكوين الروابط الزوجية.
وتابعت المعطيات بكون التغيير لم يقتصر على الزواج فقط، بل طال
بنية الأسرة نفسها. أصبحت الأسر النووية تمثل 73 في المئة من مجموع الأسر، مقابل
تراجع واضح للأسرة الممتدة. هذا التحول يعكس انتقالا من نموذج قائم على التضامن
العائلي الواسع، إلى نموذج أكثر استقلالية، لكنه أيضا أكثر هشاشة.
كذلك، تقلّص حجم الأسرة، وتزايدت نسبة الأزواج بدون أطفال، أو
بأطفال أقل، ما يعكس تغيرا في تصور الإنجاب، المرتبط بشكل مباشر بالإكراهات
الاقتصادية.
الطلاق.. هشاشة مبكرة
رصد البحث نفسه الذي أُنجز على عيّنة شملت 14 ألف أسرة عبر
الوسطين الحضري والقروي، تصاعدا ملحوظا في معدلات الطلاق على الصعيد
الوطني، حيث استقر المعدل السنوي عند 3,6 في المئة، مع تسجيل فوارق واضحة حسب
الجنس والمجال؛ إذ يرتفع لدى النساء إلى 4,9 في المئة مقابل 2,4 في المئة لدى
الرجال، كما يسجل مستوى أعلى في الوسط الحضري (4,3 في المئة) مقارنة بالوسط القروي
(2,5 في المئة).
ويكشف توزيع الحالات أن خطر الطلاق يبلغ أقصاه خلال السنتين
الأوليين من الزواج، بمعدل يصل إلى 26,8 في المئة، قبل أن ينخفض تدريجيا مع امتداد
سنوات الحياة الزوجية. وفي ما يخص مدة الزواج قبل الانفصال، فتبلغ في المتوسط نحو
9 سنوات، مع تباين بين القرى (6,8 سنوات) والمدن (9,7 سنوات). كما تُظهر المعطيات
أن النساء يتصدرن المبادرة بطلب الطلاق بنسبة 58 في المئة، في حين يرى 41,5 في
المئة من الرجال أن قرار الانفصال يتم غالبا بتوافق بين الطرفين.
تتصدر الخلافات المنزلية، أيضا، أسباب الطلاق بنسبة 30,9 في المئة،
تليها الصعوبات الاقتصادية، ثم النزاعات العائلية. اللافت أن النساء يبادرن بطلب
الطلاق في 58 في المئة من الحالات، وهو ما يعكس تحوّلا بارزا في موازين القوة داخل
العلاقة، لكنه يكشف أيضا عن حجم الضغوط التي تدفع إلى هذا القرار.
ماذا بعد الطلاق؟
إذا كان الطلاق يمثل نهاية لعلاقة، فإنه غالبا ما يكون بداية
لهشاشة اقتصادية واجتماعية، خاصة بالنسبة للنساء، وهو ما كشف عنه التقرير الرسمي،
موردا أنّ 73,9 في المئة من المطلقات تعيش مع أقاربهن، في ظل محدودية القدرة على
الاستقلال.
كذلك، تبرز الأرقام إشكالية النفقة، حيث تعتبر 67,3 في المئة من
النساء أنها غير كافية، وترتفع هذه النسبة إلى 94,4 في المئة لدى الأسر أحادية
الوالد. هذا الواقع يجعل الطلاق، على الرغم من كونه حقّا قانونيا، محفوفا بتحديات
اجتماعية واقتصادية كبيرة.
تراجع الخصوبة
في سياق هذه التحولات، تابع التقرير الذي اطّلعت عليه
"عربي21" أنّ معدل الخصوبة قد انخفض إلى 1,98 طفل لكل امرأة. هذا
التراجع يعكس تغيرا عميقا في سلوك الإنجاب، إذ لم يعد الأطفال يشكلون امتدادا
بديهيا للأسرة.
تشير المعطيات في الوقت نفسه إلى أنّ 66,8 في المئة من النساء لا
يرغبن في إنجاب طفل إضافي، وذلك بسبب الإكراهات الاقتصادية أساسا. كما يتراجع
الإنجاب بشكل واضح لدى النساء المتعلمات والنشيطات اقتصاديا، ما يعكس ارتباطا
وثيقا بين الاستقلال الاقتصادي للمرأة وتغير الخيارات الإنجابية.
اظهار أخبار متعلقة
بعيدا عن الأرقام، تكشف المعطيات أنّ التحوّل في المجتمع المغربي
يبرز واقعا أكثر تعقيدا. فالأسر أحادية الوالد، التي تقودها النساء بنسبة 90,7 في
المئة، تعاني من صعوبات مالية حادة. كما أن جزءا كبيرا من النساء يشتغلن في القطاع
غير المهيكل، دون حماية اجتماعية، ما يزيد من هشاشتهن.
وفي المقابل، يواجه كبار السن تحديات متزايدة، حيث لا يملك جزء مهم
منهم أي مصدر دخل، في ظل تراجع دور الأسرة الممتدة في الرعاية.
هل تغيرت القيم؟
ما تكشفه المعطيات الرسمية، ليس مجرد تراجع في الزواج أو ارتفاع في
الطلاق، بل وُصف من طرف عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، عبر
تدوينات متسارعة، بـ"تحوّل بنيوي يعيد تشكيل المجتمع المغربي". فيما قال
آخرين إنّ: "القيم المرتبطة بالأسرة لا تزال حاضرة، لكن الاقتصاد بات عاملا
مهمّا في ترجمتها إلى واقع".
إلى ذلك، بين رغبة ياسين في الزواج وعجزه عن ذلك، تتجسد مفارقة جيل
كامل يعيش بين حلم الاستقرار وضغط الواقع. لم يعد السؤال ما إذا كان الشباب يريدون
الزواج، بل ما إذا كانوا قادرين عليه.
وفي هذا التحول، يظل السؤال: هل ستنجح السياسات العمومية في مواكبة
هذا التغير، أم أن الأسرة المغربية ستواصل إعادة تشكيل نفسها بعيدا عن أي تأطير
مؤسساتي؟.