في مقال له في مجلة الفورين بولسي، يجادل روبرت كاغان وهو أحد أشهر منظري المحافظين الجدد الذين أيدوا
الحرب على العراق العام 2003، بأن
الولايات المتحدة قد خسرت الحرب على
إيران على المستوى الإستراتيجي والجيوسياسي.
يقول كاغان إن إدارة
ترامب دخلت الحرب وهي تتوقع انهياراً سريعاً للنظام الإيراني، على غرار الافتراضات الأميركية السابقة في العراق أو ليبيا.
لكن، وعلى الرغم من أسابيع من القصف المكثف، واغتيال قيادات عسكرية، والتدمير الواسع للبنية التحتية الإيرانية، فإن إيران صمدت ورفضت الاستسلام.
وهو يقول إن سيطرة إيران على مضيق هرمز أصبحت العامل الاستراتيجي الحاسم في هذه الحرب، وأنها وحدها تمنع واشنطن من تحقيق وإعلان النصر، لأن الولايات المتحدة لم تتمكن إلى الآن من فرض نظام مستقر لما بعد الحرب أو لإعادة الملاحة الحرة دون تصعيد إضافي أو تقديم تنازلات لإيران.
يقول كاغان أيضاً، إن ترامب تراجع عن التصعيد لأن الكلفة أصبحت مرتفعة للغاية. فالحرب تسببت في صدمات في أسواق النفط العالمية، اضطرابات في الأسواق المالية، استنزاف الموارد العسكرية الأميركية، خلافات مع الحلفاء، ومخاوف من حرب إقليمية طويلة.
وهو يقول أيضاً إنه بدلاً من فرض استسلام إيراني، وجدت الولايات المتحدة نفسها تبحث عن «مخرج» أو «مسار للانسحاب» من الأزمة، وأن كل ذلك أدى إلى تآكل مصداقية الردع الأميركي لدى حلفائها من دول الخليج إلى أوروبا وآسيا، وأن الصين وروسيا تستفيدان كثيراً من ذلك، فيما تخرج إيران من هذه الحرب أقوى سياسياً ليس لأنها انتصرت عسكرياً، ولكن لأنها تمكنت من الصمود دون أن تتراجع.
يُنهي كاغان مقالته بالقول إن الطريقة الوحيدة لتجنب «الانسحاب» أو «المغادرة» من الحرب دون تحقيق الأهداف الأميركية، هي أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لخوض حرب برية وبحرية شاملة لإسقاط النظام، ثم احتلال إيران إلى أن يتمكن نظام جديد من ترسيخ نفسه.
كاغان لا يناقش هذا الخيار، لكن يمكن الاستنتاج بأن مثل هذا الخيار يتعارض مع كل دعاية ترامب ضد الحروب الأبدية التي خاضتها الإدارات الأميركية السابقة، ومع قناعات الشعب الأميركي المعارض للحرب، ومع استعداد أميركا لتكريس مئات المليارات من الدولارات، ومئات الآلاف من الجنود لحرب من هذا النوع، ثم إن نتائجها أخيراً غير مضمونة، وبالتالي فهذا الخيار شبه مُستحيل.
غير أن حصر المسألة بهدفَي إسقاط النظام أو الاستسلام لا يكفي لفهم أبعاد الفشل الأميركي في إيران.
ما لم يستطرد فيه كاغان في مقاله هو تلك المؤشرات المتعلقة بخسارة أميركا لهذه الحرب وهي أكثر بكثير من هذين الهدفين، ويمكن إيجاز هذه المؤشرات في خمس نقاط:
أولا، التغير المُستمر لأهداف الحرب: كل حرب لها أهداف وهي قد تتوسع وقد تتضاءل بحسب مجريات الحرب نفسها.
التوسع يعني أن الحرب قد خلقت فرصاً لم يكن بالإمكان رؤيتها قبل بدأ الحرب أو أن المصادر الأولية التي تم تكريسها لتحقيق أهداف الحرب قد تبين أنها قادرة على تحقيق ما هو أبعد من الأهداف التي وُضعت في بدايتها.
والتضاؤل يعني أن الأهداف التي وضعت لم تستطع الحرب تحقيقها وبالتالي يجب تقليص هذه الأهداف أو تسخير مصادر أكبر لتحقيقها.
في الحرب على إيران كان الفشل مزدوجاً: الأهداف نفسها تضاءلت رغم تسخير مصادر أكبر بكثير مما تم اعتماده لها بداية.
الحرب بدأت بشعار إسقاط النظام، وبعد الفشل انتقلت إلى شعار إجبار إيران على الاستسلام، ثم إلى تدمير قدراتها النووية والصاروخية وحلفائها الإقليميين، ثم إلى الامتناع عن تخصيب اليورانيوم وتسليم المخصب منه إلى الولايات المتحدة، وأخيراً إلى فتح مضيق هرمز.
هذا التراجع كان مصحوباً دائماً بزيادة المصادر التي تم تكريسها منذ البداية لتحقيق هدف إسقاط النظام.
الحرب بدأت بحاملتي طائرات، و12 سفينة حربية بينها عدد من المدمرات، وانتهت الحرب بوجود ثلاث حاملات طائرات و20 سفينة حربية عندما تم تطبيق الحصار على إيران.
بمعنى أن المصادر التي تم تسخيرها للحرب زادت، في حين أن الأهداف تضاءلت كثيراً.
ثانياً، الحرب كان مقرراً لها أن تكون سريعة وخاطفة في تحقيق أهدافها.
عندما خاض ترامب الحرب، كان في ذهنه النموذج الفنزويلي حيث يتم القضاء على رأس النظام وقادته العسكريين، ويتبع ذلك إما حراك شعبي لإسقاط النظام أو استسلام قيادة إيران الجديدة لأميركا وهذا لا يتطلب حرباً طويلة بل يوماً أو عدة أيام على الأكثر.
وقناعتي أن نتنياهو لعب على «إيغو» ترامب — الذي كان يتفاخر بإنجازه العظيم في فنزويلا قائلا إنه اختار من يحكمها وإنه الآن يسيطر على نفطها — موهماً إياه بأن الحرب ستعطيه الفرصة لاختيار مُرشد إيران الجديد وبأنها ستسمح له بالاستيلاء على نفطها أيضاً.
وهنا يجب التذكير بأن ترامب حاول ذلك بعد اغتيال القيادات الإيرانية طالباً منهم عدم اختيار مُجتبى خامنئي مُرشداً وأن عليهم اختيار شخص يُمكن لأميركا أن تقبل به وهو بالطبع ما لم تفعله إيران.
ما يهمنا هنا أن الحرب التي كان مقرراً لها بضعة أيام على الأكثر، استمرت 39 يوماً دون أن تحقق أي شيء تقريباً، وهي فعليا لم تنتهِ بعد أكثر من شهرين على حدوثها باعتبار استمرار إيران إغلاق مضيق هرمز والحصار البحري الأميركي المفروض عليها والمناوشات التي تحدث بين الطرفين جزءًا من الحرب.
والأهم، أن ترامب نفسه لا يعرف متى ستنتهي هذه الحرب لأن إيران لا ترغب بإعطائه «نصراً» يحفظ به ماء وجهه.
ثالثاً، الدمار الكبير الذي لحق بالقواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج وكردستان العراق. حيث أفادت صحيفة الواشنطن بوست استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية بأن 15 قاعدة عسكرية أميركية لحقت بها أضرار كبيرة وأن بعضها لم يعد صالحاً للاستخدام.
يذكر التقرير مثلاً أن هنالك 228 مبنى أو منشأة عسكرية قد تعرضت للأضرار أو دُمرت بالكامل.
في الكويت مثلاً الأضرار اشتملت على رادارات، منشآت قيادة، مخازن أسلحة، مدرجات طيران، منظومات اتصال فضائية ودفاع جوي.
أما في البحرين حيث مقر الأسطول الخامس الأميركي، فإن الأضرار اشتملت على مستودعات أسلحة، أنظمة اتصالات فضائية، ثكنات عسكرية ومرافق معيشة.
ويفيد التقرير بأن القيادة العسكرية قد تم نقلها من البحرين إلى قاعدة ماكديل في فلوريدا.
وفي الإمارات يذكر التقرير تعرض منظومات ثاد ورادارات وأنظمة دفاع جوي للتدمير.
هذه القواعد كانت موجودة لحماية هذه الدول من أي هجوم عليها، لكنها تفاجأت أن عليها هي حمايتها، وأن الجنود الأميركيين يغادرونها إلى الفنادق لحماية أنفسهم أو إلى الولايات المتحدة بناء على طلب قيادتهم.
رابعاً، الفشل الكبير لما سماه ترامب «مشروع الحرية» الذي يهدف إلى فتح مضيق هرمز بالقوة.
بعد أسابيع من التحضير له، وبعد يومين من الإعلان عن بدئه، قرر ترامب تجميده مُدعياً أن الباكستان ودول عربية طلبت ذلك لإعطاء الدبلوماسية فرصه.
لكن التقارير الإعلامية تؤكد أن الفشل سببه المواجهة العسكرية التي حدثت مع إيران في المضيق حيث انسحبت المدمرات الأميركية إلى بحر عُمان. مضافاً لذلك خوف سفن الشحن المُكدسة في الخليج من المغادرة دون موافقة إيرانية مُسبقة حتى لا تتعرض للاستهداف.
تقول بعض التقارير الإعلامية إن ثمن بعض هذه البواخر يصل إلى 100 مليون دولار وبالتالي فإن الشركات التي تمتلكها لا تريد المغامرة باحتراقها بِمسيَرة إيرانية لا يصل ثمنها 1500 دولار.
المؤشر الأخير هو الرفض الإيراني للمفاوضات بالطريقة التي يريدها ترامب والإصرار على وقف الحرب أولاً في جميع الجبهات، ومن ثم إنهاء الحصار الأميركي البحري على إيران وفتح الأخيرة للمضيق مع اعتماد آليه جديدة لتشغيله، ولاحقاً لكل ذلك، يجري التفاوض على الملف النووي.
في حين أن ترامب يريد اتفاق «رُزمة» يتضمن وقف الحرب وفتح المضيق والملف النووي.
هو يريد أن يرى مُسبقاً ماذا تعرض إيران في الملف النووي فإذا كان العرض يُمكنه من ادعاء النصر – صفر تخصيب يورانيوم مثلاً – فهو سيكون مستعداً لوقف الحرب والتنازل لإيران بطريقة ما لإدارة المضيق وتحصيل بعض الرسوم منه.
لكن إيران لا ترغب في إعطائه صورة نصر، وهي تُصِر على إنهاء الحرب أولاً وضمانات بعدم العودة لها قبل القبول بمناقشة الملف النووي.
الحرب لم تنتهِ بعد، لكن مؤشراتها حتى الآن توحي بأن الولايات المتحدة انتقلت من محاولة فرض الاستسلام على إيران إلى محاولة إيجاد مخرج من حرب لم تعد هي تملك القدرة على حسمها دون كلفة استراتيجية واقتصادية وسياسية كبيرة.
الأيام الفلسطينية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.