هل انتهت الحرب؟

جمال زحالقة
البيت الأبيض
البيت الأبيض
شارك الخبر
بعد أيام قليلة من إعلان الشروع في تنفيذ «مشروع الحرية»، الذي تباهى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي هدف إلى كسر إغلاق مضيق هرمز، الذي تفرضه قوات حرس الثورة الإيرانية، عبر فتح الطريق لمرور السفن التجارية بحماية أمريكية، تراجعت الولايات المتحدة وكتب رئيسها على منصة «تروث سوشيا» بأنّه أمر بتجميد المشروع «إلى حين يتضح ما إذا بالإمكان التوصل إلى اتفاق».

ويعبّر هذا القرار عن رغبة أمريكية بمنع تدهور وقف إطلاق النار، ويبدو أنّه مرتبط بما نشرته وسائل الإعلام، وبالأخص موقع «أكسيوس، عن اتصالات مكثّفة بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين لتجديد المفاوضات للتوصل إلى «اتفاق مبادئ»، ينهي الحرب ويتعامل مع مسبباتها وتداعياتها. وأثّرت هذه الأنباء على سوق النفط وهبط سعره بما يزيد عن 10% خلال ساعات قليلة، كما أعلنت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أنه، «مع زوال تهديد المعتدين وفي ضوء الإجراءات الجديدة سيصبح العبور الآمن والمستقر من مضيق هرمز ممكناً».

لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية في الأيام الأخيرة، وبدل التلويح بالتهديد باستئناف الحرب وقصف منشآت الطاقة والبنى التحتية في إيران، صرح وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي ماركو روبيو، بأنّ حرب «الغضب الملحمي» انتهت وأنّها حققت أهدافها، والولايات المتحدة موجودة الآن في «حالة دفاعية» في الخليج.

وتغيّرت كذلك لغة ترامب، الذي هدد سابقا بتجديد الحرب إذا لم تتخلّ إيران عن سلاحها النووي وعن إغلاق مضيق هرمز، صار مؤخّرا يتجنّب استعمال كلمة حرب، وحتى حين ذكرها استعمل تعبير «حرب صغيرة»، وكرر التعبير عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران. أمّا وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، الذي طالما لوّح وتغنّى بالقوة العسكرية الفتّاكة والضاربة، فقد صرّح هذا الأسبوع ببساطة «نحن لا نسعى إلى القتال» وردد بأن الحرب انتهت.

هل يندرج هذا التغيير في التصريحات الأمريكية، ضمن الحركة الدورية لأرجوحة ترامب بين حدّي حرب المحو الشاملة المدمرة، والاتفاق على سلام تاريخي؟ لقد ذهبت بعض الجهات الإسرائيلية إلى القول إنه «تكتيك للتمويه والتخدير.. وإمكانية تجديد الحرب والهجمات تفوق فرص النجاح في المفاوضات».

هذا «التقييم» الإسرائيلي يعكس رغبات غير دفينة أكثر من كونه قراءة واقعية وموضوعية. لقد وصل التباين في المواقف بين تل أبيب وواشنطن إلى نقطة تناقض: الولايات المتحدة تفتّش عن مخرج وإسرائيل تبحث عن مدخل، الأولى تسعى إلى طي صفحة الحرب والثانية تريد استئنافها. ولكن على عكس ما كان عشية بدء الحرب، فإن إدارة ترامب اليوم هي التي تقرر، وإسرائيل مضطرة أن تتبعها.
وصل التباين في المواقف بين تل أبيب وواشنطن إلى نقطة تناقض: الولايات المتحدة تفتّش عن مخرج وإسرائيل تبحث عن مدخل، الأولى تسعى إلى طي صفحة الحرب والثانية تريد استئنافها

الموقف الأمريكي
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليس معنيّا باستئناف الحرب، ويبدو أيضا أن التصريحات «السلمية» لكبار موظفي إدارته، تعكس موقفا فعليا وليس فقط طفرة لغوية. لهذا التوجه عوامل من الوزن الثقيل لا يستطيع ترامب تجاهلها ويتراءى أنّها تتفوّق على أسباب استئناف الحرب. ويبقى احتمال العودة إلى الحرب حاضرا، إن لم يحصل ترامب على اتفاق يحفظ له ماء الوجه، ويمنح بعض الصدقية لادعائه بتحقيق النصر والوصول إلى الأهداف، بالأخص في ما يتعلّق بالملف النووي الإيراني، الذي بقي وحيدا من الأهداف الأصلية، كذلك فتح مضيق هرمز، الذي أضيف لاحقا إلى قائمة الأهداف المقلّصة.

لقد تغيّرت المعادلة من، هي الحرب حتى ترضخ إيران للشروط الأمريكية كاملة، إلى هي المفاوضات حتى يتم اتفاق يحفظ ماء الوجه للطرفين واحتمال الحرب، يطرح كتكتيك تفاوضي وكمقدمة للادعاء لاحقا بأن إيران خضعت لتهديدات ترامب.

لا يستطيع ترامب تجاهل التصدع الحاصل في قاعدته ومعسكره السياسي، بعد التعهد بأن تعتمد السياسية الخارجية الأمريكية على مبدأ «أمريكا أوّلا»، والالتزام بالامتناع عن الانجرار إلى حروب طويلة لا تنتهي. وتدل استطلاعات الرأي أن الغالبية الساحقة في الشارع الأمريكي تعارض العودة إلى الحرب، كذلك أكثر من نصف الجمهوريين. ولا يستطيع الرئيس الأمريكي أيضا أن يغض الطرف عن هبوط شعبيته الشخصية إلى الحضيض حيث ثلث الأمريكيين فقط راضون عن أدائه. والأدهى من ذلك انتشار التذمّر من ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة نفسها وليس فقط في الأسواق العالمية. كل هذا عشية الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر المقبل، التي من الممكن جدا ان تؤدّي إلى خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية التي يتمتع بها حاليا في مجلسي الشيوخ والنواب.

ما من شك في أن تأثير الحرب الانتخابي يدفع باتجاه خسارة للجمهوريين، واستئنافها سيؤدي إلى المزيد من الخسارة. إن العودة إلى القتال المكثف ضد إيران هي بمثابة «انتحار انتخابي» لترامب وحزبه.

تبعا لمنطق السياسة الأمريكية، فإن هذا العامل وحده كفيل بردع ترامب عن المغامرة ثانية، ولكن هناك عوامل أخرى وازنة منها القلق والتوتّر في الكونغرس، بشأن لزوم التصويت على الحرب وفق القانون الذي يلزم إقرارها برلمانيا بعد انخراط جنود أمريكيين في معارك قتالية لأكثر من 60 يوما، وهناك نقاش متواصل حول هذه المسألة في أوساط المحافل الحاكمة في واشنطن.

كما أن ضغط الوقت هو عامل مهم بسبب الزيارة التي سيجريها ترامب في بكين الأربعاء المقبل، وهو يريد التوصل إلى مسار تفاوضي يحفظ هيبة واشنطن، قبل لقاء الرئيس الصيني، ولا يريد ترامب أن يلقاه والولايات المتحدة في حالة مأزومة وضعيفة نسبيا.

لقد برهن الجيش الأمريكي على أنّه قادر على إلحاق الدمار الفظيع بإيران وبمنشآتها العسكرية والمدنية، لكنّه كشف عن عدم قدرته على فرض تغيير القيادة الإيرانية، وعلى كسر إرادتها السياسية. ويذهب معظم المحللين الأمريكيين إلى أن المزيد من الحرب والدمار لن تجبر إيران على إجراء تغيير جذري في مواقفها، وأن تأثير العقوبات والإغراءات الاقتصادية أكبر من القصف الجوّي.

صحيح أن العقوبات بحاجة إلى وقت طويلة حتى تؤثّر بشكل جدّي، لكن يبدو أن الحرب بحاجة لوقت أطول. وهناك مؤشّرات متكررة بأن البديل الأوّل لفشل المفاوضات، إذا فشلت، ليس العودة للقتال، بل فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية. الحرب بالمنظور الأمريكي هي البديل الثالث بعد الاتفاق عبر المفاوضات وتشديد الحصار الاقتصادي.

عبّر مسؤولون أمريكيون في الأيام الأخيرة عن رأيهم بأن إيران والولايات المتحدة وصلتا إلى أقرب نقطة من التوصل إلى اتفاق منذ بداية الحرب. وتنص وثيقة «اتفاق المبادئ»، التي تدور حولها الاتصالات بين واشنطن وطهران والتي تناقلتها وسائل الإعلام، على وقف الحرب نهائيا ونقاط يمكن الاتفاق عليها إذا أخذنا بعين الاعتبار المواقف المعروفة للطرفين: أولا، ألا تمتلك إيران سلاحا نوويا، وألا تسعى إلى إنتاجه؛ وثانيا، فتح مضيق هرمز؛ وثالثا، رفع العقوبات وفك الحصار وتحرير مليارات الدولارات الإيرانية المجمّدة في بنوك العالم.

إسرائيل من جهتها تراقب بحسرة أي تقدم باتجاه التفاوض والاتفاق، وتبتهج بفشل الجهود السلمية وبروز «بشائر الحرب». ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يدفع باتجاه تجديد القتال وتوجيه ضربات مؤلمة لإيران لإجبارها على تقديم التنازلات، وجاء في النشر على لسان مسؤول عسكري كبير، أن «الحصار مؤثّر لكنه غير كاف، وإذا كانت الحرب ستتجدد فمن المفضل أن يتم ذلك بسرعة».

لقد بدأت الحرب بأن جرّت إسرائيل الولايات المتحدة إليها، وأديرت بشراكة إسرائيلية، ويبدو أنها في طريقها إلى الانتهاء رسميا بقرار أمريكي وخضوع إسرائيلي لهذا القرار. ولو لخصنا الأمر بسؤال للإدارة الأمريكية وللحكومة الإسرائيلية، فإن الأولى ستجيب بنعم، والثانية بلا «ما زال هناك أمل بالمزيد من الحرب والقتال».

القدس العربي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)