إيران بين النموذجين الروسي والصيني

جلبير الأشقر
جيتي
جيتي
شارك الخبر
لقد ادّعى دونالد ترامب «تغيير النظام الإيراني» على طريقته الخاصة، التي تختلف عن استخدام هذا المفهوم للتدليل على احتلال العراق من قِبل إدارة جورج دبليو بوش في عام 2003 بزعم إشاعة الديمقراطية في البلاد إثر إسقاط نظام صدّام حسين. وكما شرحنا مراراً على هذه الصفحات منذ ما قبل شنّ أمريكا وحليفتها الصهيونية عدوانهما الثنائي على إيران (أنظر على سبيل المثال «لن تأتي واشنطن بالديمقراطية إلى إيران»، 10/02/2026)، فإن غاية ترامب كانت ولا تزال تكرار ما أنجزه في فنزويلا بخطفه رئيسها وإتاحة المجال أمام تعاون خليفته مع واشنطن وشركاتها النفطية، أي «تغيير نهج النظام» عوضاً عن «تغيير النظام».

بيد أن التغيير الذي حققه ترامب في إيران إلى الآن إنما هو في الحقيقة عكس ما كان يتوخاه، إذ إنه لم يصلّب عود الإصلاحيين «البراغماتيين» في النظام الإيراني. وهم أولئك الذين يرون أن مصلحة إيران تقوم على وقف تخصيبه لليورانيوم الذي لا يجدي نفعاً، والذي يقع بصورة محرِجة بين مرتبتين: عتبة التخصيب الملائم لصناعة السلاح النووي وعتبة التخصيب الكافي للاستخدام السلمي للطاقة الذرّية.

والحال أن إيران لا تحتاج البتة إلى طاقة ذرّية، حيث تتمتّع بوفرة من الوقود الأحفوري، وكذلك بوفرة أكبر ولا تنضب من الطاقة المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية التي باتت الصين، شريكة إيران في المجال الاقتصادي، أعظم منتجيها. كما يرى الإصلاحيون أن سياسة توسيع نفوذ طهران في محيطها العربي لم تجلب لها المفعول الرادع الذي توخّته منها، بل كانت سبباً لحروب تدميرية شُنّت على إيران وعلى شريكها اللبناني «حزب الله». ويرى الإصلاحيون أخيراً، وليس آخراً، أن تغيير نهج الحكم الإيراني وانفتاحه الاقتصادي على الغرب من شأنهما إنعاش اقتصاد البلاد وتوظيف طاقاتها البشرية والتكنولوجية الكبيرة في تنميتها، بما من شأنه أن يُصلح العلاقة بين الحكم والشعب الذي باتت غالبيته تكره النظام القائم.

أما العدوان الثنائي على إيران بقيادة واشنطن، فقد صلّب في الواقع عود الجناح العسكري في النظام الإيراني، الذي يشكل «فيلق حرس الثورة الإسلامية» عموده الفقري، وهو مستند إلى إمبراطورية اقتصادية قائمة على الاقتصاد الريعي، تجد تمويلها في عائدات النفط والغاز الإيراني ولا تهتم بتطوير اقتصاد منتج يتطلّب انفتاحاً اقتصادياً على العالم على طريقة انفتاح الصين، الذي سمح بإنجازها أكبر معجزة اقتصادية في التاريخ المعاصر. بكلام آخر، فقد تعززت لدى النظام الإيراني نزعة مماثلة لنظام فلاديمير بوتين الروسي القائم على الحرب والاقتصاد الريعي، بعيداً عن النموذج الصيني الذي يصبو إليه الإصلاحيون.

ولا بدّ هنا من التأكيد على أن الأيديولوجيا الدينية لم تعد مسيّرة للجمهورية الإيرانية منذ زمن طويل، وعلى الأخص منذ وفاة مؤسسها «آية الله العظمى روح الله الخميني» في عام 1989 وحلول «حجة الإسلام علي خامنئي» محلّه، إثر مناورة سياسية لعب دوراً رئيسياً فيها علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي حلّ في منصب رئيس الجمهورية خلفاً لخامنئي بعد تعيين هذا الأخير خلفاً للخميني. ومع تلك المناورة انطفأ تدريجياً البُعد الروحاني الديني الذي ميّز سنوات الخميني لتتحوّل إيران، بخلاف ما كان رفسنجاني «البراغماتي» يصبو إليه، إلى جمهورية عسكرية يحكمها «حراس الثورة» بتحالف وثيق مع خامنئي وبابتعاد متزايد عن الادّعاء الديني الإسلامي الشامل. وقد حلّ محلّ هذا الادّعاء الأخير اللعب الانتهازي على الوتر الطائفي الشيعي، بوصفه سياسة أساسية لتوسيع نفوذ طهران الإقليمي بالترافق مع تدخّلها العسكري المتزايد في الساحات العربية.
العدوان الثنائي على إيران بقيادة واشنطن، فقد صلّب في الواقع عود الجناح العسكري في النظام الإيراني

بدأ ذلك من لبنان في المرحلة الخمينية حيث كان سبب التدخّل الإيراني لا يزال يمكن اعتباره شريفاً، يشرّعه التصدّي للاحتلال الصهيوني لجنوب البلاد. ثم انتقل التمدّد إلى العراق حيث لم تعد الغاية نبيلة بأي شكل، إذ لم تتردّد طهران في تشجيع جماعاتها العراقية الطائفية على التعاون مع الغزو الأمريكي وإدارته، بغية استغلال الوضع لبسط نفوذها على البلاد.

أما تدخل إيران في سوريا إلى جانب نظام الأسد «البعثي العربي الاشتراكي» هو أيضاً، على غرار نظام صدّام حسين المكروه إيرانياً، فلم يعد يمتّ إلى الرسالة الخمينية الأصلية بصلة، بل اندرج في سياسة بناء محور طائفي خاضع لطهران، يمتد من إيران إلى ساحلي البحر المتوسط اللبناني والسوري، مروراً بالأراضي العراقية.

وقد انضاف لاحقاً الحوثيون اليمنيون إلى الحلف بقيادة طهران، بعد ارتدادهم على الحكومة اليمنية المنتخبة التي نجمت عن انتفاضة عام 2011 والإطاحة بعلي عبد الله صالح. والحال أن الحوثيين تحالفوا مع الرئيس المخلوع في انقلابهم على الحكم الجديد من أجل إحكام سيطرتهم على شطر البلاد الشمالي، ثم ما لبثوا أن اغتالوا حليفهم الذي لم يربطهم به سوى الانتماء الطائفي.

وقد عزّز كثيراً العدوان الثنائي على إيران المنحى الموصوف أعلاه، وهو سبب تعثّر المفاوضات بين طهران وواشنطن، بما يسرّ الحكم الصهيوني الذي تختلف تطلّعاته عن تطلّعات ترامب في أنه لا يريد «تغيير نهج النظام»، بل يتمنّى إسقاط النظام برمّته، ولو أدى الأمر إلى انهيار الدولة الإيرانية وتفتتها على أساس قومي، وهي دولة ينتمي نصف سكانها إلى أقليات. لذا يتمنّى نتنياهو اليوم أن تستمر المفاوضات بين واشنطن وطهران في تعثّرها، وأن تفشل مساعي الإصلاحيين الإيرانيين (أنظر «معالم تسوية بين أمريكا وإيران»، 07/04/2026) الرامية إلى إيجاد تسوية تتماشى مع حلمهم في تغيير وجه بلادهم ومسارها.

أما ترامب، فبات يواجه النتيجة الحتمية لقصر نظره السياسي واعتماده الخيالي على تكرار السيناريو الفنزويلي بقطع رأس النظام الإيراني، بلا أدنى فهم للاختلاف العميق بين ظروف البلدين. وقد باتت المعضلة: هل يعود ترامب إلى مواصلة العدوان الثنائي كما يحثّه عليه نتنياهو، مع كلفة ذلك على الصعيدين الاقتصادي والسياسي الداخلي في الولايات المتحدة على مقربة من انتخابات الكونغرس في الخريف القادم؛ أو يلجأ إلى حجة ما لتبرير انسحابه من الحلبة بصورة لن تنطلي على أحد وسوف يكون من شأنها أن تسيء إساءة عظمى إلى ثقة حلفائه الإقليميين العرب والإسرائيليين في حماية واشنطن لهم، مثلما خسر ثقة حلفائه الغربيين، بدءاً بالأوروبيين. أما حالة «لا حرب ولا سلم» الراهنة، فمن الواضح أنها لا تستطيع أن تدوم طويلاً.

القدس العربي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)