الحرب على إيران: ما الذي تريده واشنطن؟

عصام نعمان
البيت الأبيض
البيت الأبيض
شارك الخبر
معظم القادة وأهل الرأي والناس من ذوي النيات الطيبة في العالم أجمع، دعوا ويدعون بحرارة إلى وقف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ولبنان. لعل معظمهم يفضّل ايضاً تحقيق ذلك بأسرع ما يمكن. لكن قلّة من هؤلاء تحيط بالدافع الرئيس الذي حمل أمريكا على شنّ هذه الحرب الفظيعة المدمرة، التي يصعب على ما يبدو وقفها.

لا غلوّ في التأكيد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأركان شبكته الحاكمة ينزعون إلى التسليم بأن الصين أضحت باقتصادها الكبير المتعاظم الخصمَ المهدِّد للوحدانية القطبية الأمريكية وقدرتها ونفوذها الواسعين على امتلاك النفط أو السيطرة على مصادره وأسواقه في شتى انحاء العالم. ولا شك في أن ترامب يعلم أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتي اط للنفط بين الدول المنتجة له (منظمة أوبك) وأنها المورد النفطي الرئيس للصين ولمثيلاتها من كبرى الدول الآسيوية الصناعية، كاليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا. لكن أشد ما يغيظ ترامب وزمرته هو أن إيران باتت الحليف الأقوى لتنظيمات المقاومة الفلسطينية والعربية ضد إسرائيل، الأمر الذي حمله على الإصغاء مليّاً لتحريضات حليفه رئيس حكومة كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو وإلى مشاركته تالياً الحرب ضد الخصم المشترك (إيران).

قد تطول حرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران بضعة أسابيع او أشهر، لكنها سوف تتوقف عاجلاً أو آجلاً. من هنا ينتصب سؤال ملحاح: هل تراها تتوقف الحرب فعلاً وطويلاً، أم تندلع مجدداً في المستقبل القريب؟ بات واضحاً أن إيران أغلقت، بعدما شنّت أمريكا وإسرائيل الحرب عليها، مضيقَ هرمز، حيث يعبر أكثر من 20% من صادرات النفط إلى كل أنحاء العالم. فهل يُقدم ترامب على محاولة فتح المضيق الاستراتيجي بالقوة؟ لا أظنه يُقدم على ارتكاب هذه الحماقة بدليل دعوته دول أوروبا الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي إلى أن تتولى بنفسها عملية فتح المضيق، لأن لا حاجة لبلاده أصلاً لنفط دول الخليج، لكن الرئيس الأمريكي قد يُقدم على تسديد ضرباتٍ قوية ومدمّرة لإيران ظناًّ منه أنها كفيلة بحمل الجمهورية الإسلامية على قبول شروطه لوقف الحرب، فهل ترضخ إيران؟
بسقوط ترامب ونتنياهو وزمرتهما يولد النظام العالمي الجديد ويرى النور، كما يتسارع أفول النظام العالمي الشائخ وانحسار الوحدانية القطبية الأمريكية المستكبرة

كل هذه الأسئلة تجدُ أجوبة لها من خلال الإحاطة بالإهداف والأغراض التي تتوخاها الولايات المتحدة وإسرائيل من وراء حربهما الضارية على إيران ولبنان وحلفائهما في فلسطين المحتلة ولبنان والعراق واليمن. في هذا السياق يتضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى حماية وترسيخ وجودها ومصالحها في منطقة غرب آسيا الممتدة بين بحارٍ خمسة: المتوسط في جنوبيّ غرب آسيا، وقزوين في قلب آسيا الوسطى، والأسوَد في غرب آسيا، وبحر العرب في غرب المحيط الهندي، والبحر الأحمر في شرق افريقيا. سبيلُها إلى ذلك ترسيخُ سيطرة استراتيجية على طرق تدفق النفط من مصاره في دول المنطقة من خلال آليّة البترودولار. في غرب آسيا تتقاطع مصالح كل من أمريكا واسرائيل وتلتقي على:

(1) إسقاط النظام السياسي الإسلامي في إيران، وتقسيم البلاد وتدمير قدراتها العسكرية، بعدما أضحت نصيراً لتنظيمات المقاومة في فلسطين المحتلة ولبنان والعراق واليمن، وتتعاون سياسياً واقتصادياً مع الصين وروسيا.

(2) التشارك معا في محاربة حلفاء إيران من تنظيمات المقاومة العربية وتقويضها.
(3) تعطيل برنامج إيران النووي ومنعها من تخصيب اليورانيوم، ووضع اليد على كمية اليورانيوم المخصّب لديها المقدّرة بنحو 450 كيلوغراما، أو دفنها تحت رُكام منشآتها النووية المدمّرة اذا تعذّر نقلها إلى الخارج.

(4) تفكيك منظومة إيران من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى ووقف إنتاجها.
(5) دمج إيران المنزوعة السلاح في النظام الاقتصادي الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، بغية السيطرة على سوق المعادن النادرة التي تمتلك إيران الكثير منها.

إضافة لذلك تبتغي الولايات المتحدة تفكيك ما تسميه المحور الشيعي، أي دول إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن، التي للشيعة فيها وجود حاكم أو أقلية وازنة مسيطرة او نفوذ واسع ومؤثر ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، والعمل على إنشاء ممر للتجارة والطاقة IMEC يرمي إلى ربط الهند ودول الخليج والسعودية وإسرائيل بأوروبا (مقال أمير أفيفي رئيس «حركة الأمنيين» في إسرائيل، صحيفة «يديعوت أحرونوت» 2026/4/1).

هكذا يستنتج أمير أفيفي أن المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وايران وحلفائها من جهة أخرى «ليست مجرد صراع لحماية المصالح والنفوذ، بل هي هجوم استراتيجي يهدف إلى تفكيك جبهة المقاومة العربية والإسلامية المحيطة بإسرائيل في إطار جهود واسعة لبناء نظام إقليمي جديد ترتبط فيه طرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا بين الشرق والغرب، تحت هيمنة أمريكية أوسع».

في وجه كل هذه التحديات والمخاطر تقف إيران صامدة ومقتدرة. تلك هي حقيقة ساطعة، باعتراف القادة السياسيين والعسكريين الأمريكيين والإسرائيليين . ذلك أن إيران مثّلت بقدراتها العسكرية والتكنولوجية والسيبرانية مفاجأة الإيرانيين لأنفسهم وللعالم، ولاسيما للولايات المتحدة وإسرائيل، لدرجة أن بعض الخبراء والمعلّقين السياسيين والعسكريين تساءل عمّا إذا كانت إيران قد نصبت لأعدائها، عشيةَ الحرب، فخاً سرعان ما وقعوا فيه نتيجةَ جهلهم بما تمتلكه من قدرات وإمكانات في مختلف الميادين. إذ يجد ترامب نفسه أمام كل هذه التحديات والخيبات، يتساءل قادةُ دول العالم: ماذا تراه يفعل اليوم مع انتهاء مدة إنذاره الأخير لإيران التي رفضت شروطه بكبرياء وبإصرار على متابعة مواجهتها المحتدمة لأمريكا وإسرائيل وفي جعبتها المزيد من المفاجآت؟ هناك من بين المراقبين المتابعين لمجريات الصراع من يعتقد أن أمام ترامب خيارين كلاهما بالغ الخطورة وغير مضمون النتائج:

*الأول: إعطاء حليفه نتنياهو ضوءاً أخضر لاستخدام سلاحٍ نووي تكتيكيٍ ضد إيران بغية التعجيل في إلحاق تدميرٍ شديد مريع وواسع بها، دولةً وشعباً، ما يحمل قيادتها السياسية والعسكرية على الرضوخ لشروطه بلا إبطاء.

*الثاني: إعطاء أمر لجيوش والقواعد الأمريكية الجوية والبحرية باستخدام أسلحة تدميرٍ شامل وشديد بغية إلحاق أوسع وأقسى الخسائر الاقتصادية والعمرانية والبشرية بإيران، بحيث يحول ذلك دون نهوضها مجدداً قبل عشر سنوات.

إن استخدام أيٍّ من الخيارين الخطيرين يُلحق بالتأكيد هزيمة أخلاقية وسياسية مدوّية بترامب أمام شعبه وأمام شعوب العالم، ويكرّس هزيمته النكراء مع حزبه الجمهوري في الانتخابات الأمريكية النصفية في مطلع شهر نوفمبر المقبل، كما يُلحق هزيمة أخلاقية وسياسية كاسحة بنتنياهو امام جمهوره وفي جميع أنحاء العالم ويكرّس إسقاط حكومته وحزبه وإئتلافه الحاكم في الانتخابات الإسرائيلية المفترض اجراؤها في شهر أكتوبر المقبل.

بسقوط ترامب ونتنياهو وزمرتهما يولد النظام العالمي الجديد ويرى النور، كما يتسارع أفول النظام العالمي الشائخ وانحسار الوحدانية القطبية الأمريكية المستكبرة.

ماذا عن إيران؟ صحيح أن أضرارها ستكون ضخمة وباهظة، لكنها ستبقى على الأرجح واقفة على قدميّها بثقة وبقدرة على تعويض خسائرها الجسيمة، في الأقل، بفرض رسومٍ على جميع السفن التجارية وناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز تحت إشرافها بآمان.

القدس العربي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)