من سوء حظ العالم أنه يمر حاليا بأخطر مرحلة، ولكن ليس بأفضل القادة. وعندما يكون هؤلاء هم من يديرون دفة الأمور في أكبر دولة في العالم فإن سوء الحظ هو باختصار كارثة حقيقية. هؤلاء جميعا بلا استثناء تقريبا لا ماضي سياسيا لهم، ولا تجربة ولا خبرة، بدءا من الرئيس
ترامب نفسه وصولا إلى أقرب وأقوى مساعديه.
في الأزمات العالمية الكبرى، ناهيك عن الحروب بطبيعة الحال، يظهر المعدن الحقيقي للقادة، ليس فقط صلابتهم، ولكن قبل ذلك وبعده، كفاءتهم وحكمتهم وبعد نظرهم وقدرتهم على تجاوز الصعوبات وتحييد الأعداء ونسج التحالفات والسعي إلى بر الأمان بأقل الخسائر الممكنة وفق رؤية واضحة ومتماسكة. هنا بالتحديد، لا شيء من ذلك في الرئيس الأمريكي وفريقه.
ليس هذا فقط، فرغم افتقار هؤلاء جميعا لكل ما سبق نراهم مع ذلك الأكثر حديثا، وحتى ثرثرة، ما يسمح بالوقوف على جملة من التناقضات، وحتى الأكاذيب التي دأبت بعض الصحف الأمريكية، ومقدمي البرامج السياسية وحتى الساخرة، على جردها. أكاذيب الرئيس مثلا تتعلّق بوقائع معينة أو أحداث تاريخية أو أرقام اقتصادية أو غيرها، والمشكل أن الرجل، الذي ربما لم ينس أنه كان في يوم من الأيام نجما تلفزيونيا ببرنامج ترفيهي شهير، مدمن على الحديث إلى الاعلام حيث يصادف أحيانا أن يدلي بتصريحات إلى أربع أو خمس وسائل إعلام أمريكية أو أجنبية في نفس اليوم فتزداد فرص وقوعه في كل المطبّات السابقة.
حتى لو تركنا جانبا ما تتسم به شخصية ترامب من نرجسية مفرطة ورغبة جامحة في الظهور بمظهر من نجح في أن يأتي بما لم يأت به الأوائل، فإن الكثير من تصرّفاته وتصريحاته تنم في الغالب عن غياب نضج سياسي ناتج عن افتقار الرجل إلى أي تجربة سياسية مهما كانت فهو لم يكن يوما عضوا في مجلس النواب أو سيناتورا في مجلس الشيوخ أو حاكم ولاية فإذا به الآن زعيم للحزب الجمهوري ورئيس للدولة الأقوى في العالم، المتحكّم بزرها النووي، رغم أن سلسلة الفضائح والقضايا التي لاحقته يفترض أنها قادته إلى مكان آخر غير البيت الأبيض، وفي هذا مفارقة غريبة وكبيرة في النظام السياسي الأمريكي.
في الأزمات العالمية الكبرى، يظهر المعدن الحقيقي للقادة، ليس فقط صلابتهم، ولكن كفاءتهم وقدرتهم على تجاوز الصعوبات وتحييد الأعداء
هذه الطينة للرئيس الأمريكي نفّرت منه الصديق قبل الخصم أو العدو، خاصة مع كل ما قام به تجاه أقرب حلفائه في الحلف الأطلسي (الناتو) أو تجاه كندا جارته الشمالية، أو المملكة المتحدة حليفته التاريخية والتقليدية، وهو ما ساهم في النهاية في هذه العزلة التي يعانيها في حربه الحالية على
إيران فقد تركه كل هؤلاء يقلع شوكه بيديه. وحين استنجد بهؤلاء لمساعدته في حل معضلة مضيق هرمز لم يهب أحد لمساعدته، بل ردّوا عليه بطريقة لم يألفها كأن يقول رئيس وزراء كندا إن بلاده “لن تمد يد العون للولايات المتحدة في أي من عملياتها ضد إيران” أو يقول وزير الدفاع الألماني إن “هذه ليست حربنا ونحن لم نبدأها”، وعلى هذا النحو صرح قادة بريطانيا وفرنسا وأستراليا واليابان واليونان وإسبانيا واليونان وكوريا الجنوبية وغيرهم.
الصورة ليست بأحسن حال مع فريق الرئيس فالوزير المسؤول عن أكبر جيش في العالم، بيت هيغسيث، ليس إلا مذيعا تلفزيونيا سابقا في “فوكس نيوز” وضابطا سابقا في الحرس الوطني الأمريكي، وعنه قالت صحيفة “غارديان” البريطانية مثلا بأنه “متعجرف وعدواني، ويميل إلى استعراض القوة المفرطة (…) ويمثل تهديدا مزدوجا، كقيادة عسكرية بلا خبرة عملية في إدارة صراع معقد في الشرق الأوسط”.
وما قيل عن هيغسيث الذي استمتع بتحويل تسمية وزارته من وزارة الدفاع إلى وزارة
الحرب يمكن أن يقال، في جوانب عدة منه على الأقل، عن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يتوقّع كثيرون أن الأوضاع ستصبح أكثر سوءا في عهده لو قدّر له يوما أن يخلف في المنصب دونالد ترامب.
أما إذا تحدثنا عن شخصيتين أخريين في الفريق المتنفذ في واشنطن وهما ستيف ويتكوف المبعوث الخاص حول أوكرانيا وحول غزة، وجاريد كوشنير الذي لا صفة رسمية له حاليا سوى أنه صهر الرئيس، فإن الأمور تزداد افتضاحا فالأول وجد نفسه فجأة في عالم السياسة وتعقيداتها وخبرته في الحياة كلها هي في المجال العقّاري لا غير، أما الثاني فهو آت من لا شيء سوى أنه سليل عائلة ثرية صاهرت ترامب الذي شغل لديه خطة مستشار أول في عهدته الرئاسية الأولى.
في دردشة لي مع الراحل صائب عريقات وكان وقتها مسؤول ملف المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية عن غرابة أن يجد نفسه قبالة شخص “غشيم” مثل كوشنير لا يفقه الكثير في ملف معقّد مثل القضية الفلسطينية، روى لي هذه الحادث المعبّرة:
كنا في إحدى الجلسات وبدأ كوشنير يستعرض بعض المعطيات الخاصة بهذه القضية فقلت له “ممتاز ممتاز … تفضلّ نوّرنا”، فتوقف في استياء والتفت إلي قائلا “هل تسخر مني؟!” فأجبت “لا أبدا، تفضّل… تفضّل”…
القدس العربي