لا حديث هذه الأيام في
تونس سوى عن فضيحة مؤلمة للغاية جرت في إحدى روضات الأطفال في العاصمة هزّت وجدان الجميع، ومعها يقف التونسيون مرة أخرى أمام حقيقة مرة وهي أن البلاد والعباد يمرّان بأزمة أخلاقية عميقة وبالغة التعقيد مسّت كل جوانب الحياة.
ما من مجال اليوم في تونس إلا وسادته الفوضى والإهمال وفي ذلك تهديد حقيقي لسلامة البلاد الاجتماعية والأمنية، فإن أنت ذهبت إلى المدارس والمعاهد الثانوية مثلا، فلن تجد لها في الغالب حرمة ولا احتراما. بات التسيّب هو القاعدة وتفشت هناك المخدّرات ومروّجوها وكثيرا ما تعرّضت الكوادر التربوية إلى اعتداءات من التلاميذ، وحتى من أوليائهم لسبب أو آخر (!!) بل وتعرّضت بعض المعاهد إلى هجوم بالحجارة من شباب غرباء عنها.
إن أنت ذهبت إلى المستشفيات مثلا، فلن تجد فيها في الغالب من النظام وجودة الخدمات وحتى النظافة إلا القليل. ومع أن الكوادر الطبية التونسية مشهود لها بالكفاءة العالية فإنها لا تلاقي من الاحترام والتقدير ما يليق بها حتى اضطر الكثير منها إلى الهجرة بعد أن بات من الشائع مثلا أن يتعرّض طبيب أو ممرّض إلى الضرب على يد مريض أو مرافقيه لسبب أو آخر (!!).
إن أنت ذهبت إلى الإدارة لأي معاملة مثلا، فلن تجد في الغالب إلا وجوه عابسة تستمتع ببهدلة المراجعين بمزيد التعقيدات والمستندات والتوقيعات والمواعيد التي لا تحترم. هذا طبعا دون أن ننسى الرشوة التي تزداد تفشّيا على كل المستويات أو الغياب عن مواقع العمل مما يربك المراجعين بلا شك فتطول معاملاتهم مع أنها قد تكون بسيطة.
إن أنت تجوّلت في شوارع العاصمة وأحيائها فستصدم في الغالب بمستوى النظافة حيث الأوساخ مرمية في كل مكان والأعشاب على جنبات أرصفة لم تعد لها قيمة بعد أن احتلتها السيارات أو المحلات أو المقاهي التي توسّعت على حسابها دون ترخيص. باتت الأرصفة في شوارع شهيرة في قلب العاصمة أسواقا شعبية ببسطات بضائع من كل نوع، ما أفسد المظهر وأربك المحلات التجارية التي تمركزت أمامها.
إن أنت تابعت مثلا ما يحدث في المجتمع من قضايا فستذهل من ارتفاع مستوى الجريمة والسرقة وقضايا المخدرات وحالات اغتصاب وحشية ومرعبة وقتل لأتفه الأسباب وحالات انتحار حتى بين الأطفال!! هذا طبعا دون أن ننسى مستوى الأمن في الشوارع، ليلا أو نهارا، فقد انتشرت حالات النشل وبعضها بالسلاح الأبيض، ويحدث أن تنصب كمائن للسيارات بما فيها سيارات التاكسي لنهب أصحابها وراكبيها.
هناك انهيار في كل شيء وتدهور في السلوكيات مريع، وهناك استهتار مجتمعي متصاعد بشيء اسمه القانون أو النظام أو الاحترام المتبادل
إن أنت تابعت حركة السير مثلا، فلن ترى سوى عدم احترام إشارات المرور بشكل جماعي تقريبا. عادي جدا ألا يقف الكثير عند الإشارة الحمراء، فضلا عن ركن السيارات في الأماكن المحظورة وفوق الأرصفة وتحت الجسور والسير في الاتجاه المعاكس بكل عنجهية ودون خوف من العواقب.
أما إن أردت أن تعرف مستوى النقل العام مثلا فلن تجد فيه إلا كل ازدحام لا يطاق وعدم احترام كامل لمواعيد الانطلاق والوصول مع تهالك الحافلات والقطارات سواء داخل المدن أو بينها. أما إن وصلت المطار قادما من الخارج فمن العادي جدا أن تنتظر حقيبتك لأكثر من ساعة، وقد تجدها مفتوحة وقد أخذت منها عديد الأغراض. ولن تجد من يستمع إليك أو ينصفك!
باختصار، هناك انهيار في كل شيء وتدهور في السلوكيات مريع، وهناك استهتار مجتمعي متصاعد بشيء اسمه القانون أو النظام أو الاحترام المتبادل. مؤلم جدا ومخجل أن يقال كل ما قيل هنا، وغيره كثير جدا، وهو وضع دعا مثلا أحد نشطاء التواصل الاجتماعي إلى إنشاء صفحة سمّاها “علاش هكّا” (لماذا هكذا؟!) ينشر فيها بجوّاله مقاطع مصوّرة ترصد العديد من مظاهر التسيّب وعدم التحضّر عساه بذلك يحرّك ضمائر أناس ومسؤولين يبدو وكأنهم طبّعوا جميعا مع هذا الانحلال المتواصل الذي قد لا يدركه مصدوما إلا من يزور تونس بعد غياب وبعد أن رأى نماذج راقية في أكثر من بلد عربي لم يكن من قبل أفضل منها.
لم تكن تونس من قبل بهذا المستوى أبدا، ولا معنى هنا لتبرئة أي كان فالكل مسؤول على جميع المستويات. لا ندري إن كان الوضع
الاقتصادي والاجتماعي المتدهور في البلاد يمكن أن يفسّر بعض هذه المظاهر؟ أو غياب الوعي والتنشئة التربوية السليمة في المدارس التي غابت لعقود بحيث بانت اليوم نتائجها الكارثية؟ أو هو الإحباط واللامبالاة وقد تحوّلا إلى غضب ونقمة على كل شيء؟ أو كل ذلك معا. أمر يحتاج فعلا إلى صرخة فزع أولا ثم البحث عن حلول سريعة ونافذة.
هناك للأسف الشديد تفكك مجتمعي وأزمة قيم أخلاقية لم تنشأ فجأة، بل هي نتيجة تراكمات سنوات طويلة. ومع ذلك فمسؤوليتها في نهاية المطاف تقع على القيادة السياسية الحالية التي لم تكن يوما نموذجا في احترام القانون أو فرض النظام وهي أبسط واجباتها وأكثرها بداهة، فقد انصرفت لتمكين نفسها ورمي معارضيها في السجون وإطلاق الاتهامات وأجواء الكراهية كل يوم، بلا رؤية أو مشاريع تشيع الأمل، تاركة البلاد والعباد يغرقون في مستنقع الله أعلم متى الخروج منه.
القدس العربي