في حدود السابعة والنصف صباحا، يخرج عماد من شقته الصغيرة المتواجدة في مدينة تامسنا (نواحي العاصمة
المغربية الرباط)، يمد يده نحو هاتفه، ليس بحثا عن رسالة أو إشعار، بل عن طلبات "رحلة" تنتظر تأكيده، يمرّر إصبعه على الشاشة، يتوقف عند أسماء لا يعرف أصحابها، يطالع نقاط الانطلاق والوصول، ثم يضغط على "قبول".
في تلك اللحظة، لا يكون قد بدأ عماد يوم عمله فقط، بل يكون قد دخل فعليا في معادلة جديدة: كيف يحوّل سيارته من وسيلة نقل خاصّة إلى مورد يخفف عنه عبء الطريق. قبل أشهر قليلة فقط، لم يكن يفكر بهذه الطريقة، كان يقود سيارته يوميا نحو الرباط، قاطعا ما يناهز 26 كيلومترا في رحلة روتينية لا تستدعي الكثير من التفكير.
كان الطريق معروف، والتكلفة كانت ضمن "المألوف"، ولم يكن هناك ما يدفعه لإعادة النظر في تفاصيلها.
واليوم، تغيرت المعادلة بالكامل، فالرحلة نفسها لم تعد مجرد انتقال بين نقطتين، بل باتت حسابا يوميا دقيقا، تُقاس فيه المسافة بالدرهم، والزمن بالكُلفة.
اظهار أخبار متعلقة
في خضم هذا كله، لا يبدو أن المغاربة، وفقًا لما رصدته "عربي21"، ينتظرون الحلول فقط، بل يبتكرون، بشكل يومي، طرقهم الخاصة للتكيف.
غير أن هذا التكيف لم يعد مجرد رد فعل، بل بدأ يتحول إلى ما يشبه نمط عيش جديد. تقليل التنقل، تقاسم الموارد، البحث عن بدائل، وحتى إعادة التفكير في تفاصيل الحياة اليومية؛ كلها ممارسات أصبحت تتكرر، وتُعاد إنتاجها، بل ويتم أحيانا الترويج لها كخيار "ذكي" يجمع بين التوفير والحفاظ على الصحة.
وفي مؤشر آخر على هذا التحول، يشهد سوق السيارات المستعملة في فاس تزايدًا في رغبات بيع السيارات، في ظل سعي عدد من المواطنين للتخفّف من كلفة التنقل المرتفعة.
حكايات مختلفة.. واقع واحد
على بعد كيلومترات قليلة، تعيش مريم الإيقاع نفسه، لكن بطريقتها الخاصة، تستيقظ باكرا، غير أن يومها لا يبدأ فورا، بل يمر عبر لحظة تردد يومية: كيف ستتنقل اليوم؟ من تمارة إلى الرباط، لم تعد الطريق مجرد مسافة تُقطع، بل معادلة مفتوحة على احتمالات متعددة، كل واحد منها يحمل كلفة مختلفة.
أحيانا تختار الحافلة رغم الاكتظاظ، وأحيانا تنتظر صديقة لتقاسم السيارة، وفي أحيان أخرى تؤجل تنقلات غير ضرورية، فقط لتقلل من عدد الرحلات.
"لم أعد أتحرك كما كنت"، تقول مريم في حديثها لـ"عربي21"، مبرزة أنّه: "عقب الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات، باتت كلّ خطوة خارج المنزل محسوبة".
أما علاء، فقد اختار أن يخرج من هذه المعادلة بالكامل، أو على الأقل أن يعيد كتابتها بشروطه، دراجته الهوائية، التي كانت في السابق مجرد وسيلة للترفيه، أصبحت رفيقا يوميا يختصر الطريق والتكلفة معا.
يقطع بها المسافة إلى عمله في نحو ثلاثين دقيقة، يتفادى الازدحام، ويعيد اكتشاف المدينة من زاوية مختلفة.
"رياضة وتوفير في الوقت نفسه"، أكّد علاء في حديثه لـ"عربي21" وعلى محيّاه ابتسامة عريضة، قبل أن يضيف بنبرة أكثر جدية: "لكن الحقيقة أنني لم أكن لأتخذ هذا القرار لو لم ترتفع الأسعار بهذا الشكل".
إلى ذلك، بعيدا عن الشعارات والاحتجاجات المباشرة، رصدت "عربي21" من الواقع اليومي المغربي، ممارسات يومية صامتة، تكاد لا تُرى، غير أنّها تُحدث أثرا، لا لافتات تُرفع، ولا مسيرات تُنظّم، لكنّ التغيير واضح في تفاصيل الحياة الصغيرة.
اظهار أخبار متعلقة
في مجموعات مغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتكاثر طلبات "من يشارك الطريق؟"، وتتحوّل إلى ما يشبه سوقا موازية، غير منظمة، لكنها فعّالة.
وفي الوقت نفسه، يعيد كثيرون ترتيب يومهم، وقراراتهم، وحتى أولوياتهم، حول سؤال واحد: كيف يمكن الوصول.. بأقل كلفة ممكنة؟
حين تشكّل الزيادات ضغطا يوميا
ما يعيشه عماد ومريم وعلاء لا يمكن قراءته كحالات فردية معزولة، بل كجزء من سياق
اقتصادي أوسع، تتصاعد فيه كلفة التنقل بشكل غير مسبوق.
خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت أسعار المحروقات في المغرب موجة جديدة من الارتفاعات المتتالية، كان آخرها زيادة قاربت درهما واحدا للتر الواحد من "الغازوال"، ليرتفع السعر في عدد من المحطات إلى حدود 15.50 درهما.
هذا الرقم، رغم ثقله، لا يعكس الصورة كاملة، إذ يأتي ضمن سلسلة زيادات متراكمة منذ بداية التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، رفعت مجموع الزيادة إلى نحو 4.70 دراهم للتر الواحد في فترة زمنية قصيرة نسبيا.
في الظاهر، قد تبدو هذه الأرقام مجرّد معطيات اقتصادية، لكنها على مستوى الحياة اليومية، تتحوّل إلى ضغط مستمر يعيد تشكيل سلوك الأفراد، فكل زيادة، مهما بدت صغيرة، تنعكس بشكل مباشر على كلفة التنقل، وعلى ميزانيات الأسر، وعلى قرارات تبدو بسيطة لكنها مهمّة: هل أذهب اليوم؟ هل أؤجل؟ هل أبحث عن بديل؟.
في خضم هذا التحول، عاد مقترح "العمل عن بُعد" داخل الإدارات العمومية للواجهة، لكن هذه المرة من زاوية تخفيف كلفة التنقل وحماية القدرة الشرائية في ظل غلاء المحروقات.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظرفية، أعاد كشف أعطاب أعمق تتعلق بمدى جاهزية الإدارة المغربية للتحول الرقمي، في ظل استمرار الفجوة التكنولوجية وضعف البنية التحتية وغياب إطار قانوني واضح ينظم العمل عن بُعد.
وبين دعوات برلمانية لإعادة التفكير في أنماط الاشتغال التقليدية، وتساؤلات حول القدرة الفعلية على تنزيل هذا النموذج، يبدو أن أزمة المحروقات لا تطرح فقط إشكال الكلفة، بل تعيد فتح نقاش أوسع حول قدرة المرفق العام على التكيف مع تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة.
وبحسب ما اطّلعت عليه "عربي21" فإنّه في بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 80 في المائة من احتياجاته الطاقية، تصبح السوق المغربية شديدة التأثر بتقلبات الخارج. ومع اعتماد نظام تحرير الأسعار، ينتقل أثر هذه التقلبات بسرعة إلى المستهلك، دون وجود وسائط كافية لامتصاص الصدمات.
تعقيد في فهم الكلفة
رغم هذا الارتباط الواضح بالسياق الدولي، كشفت معطيات حديثة لمجلس المنافسة، اطّلعت عليها "عربي21" أنّ: هناك اختلالات حادة في سوق المحروقات بالمغرب، مسجلا تفاوتا غير متوازن في نقل الزيادات الدولية إلى الأسعار المحلية، إذ لم تُمرَّر زيادات الغازوال بشكل كامل مقابل تحميل البنزين زيادات تفوق كلفته العالمية.
وفي السياق نفسه، أكّد مجلس المنافسة في مذكرة تحليلية بخصوص الفترة الممتدة ما بين 1 و16 آذار/ مارس 2026، أن آلية نقل الأسعار الدولية للسوق الوطنية لا تتم وفق منطق موحد بل تخضع لتفاوتات واضحة بين نوعي
الوقود، ما يعكس بحسب خلاصاته، خللا في انسجام السوق أكثر مما يعكس فقط تأثيرات خارجية.
وكانت المذكرة التحليلية، كذلك، قد أبرزت أن المغرب، باعتباره مستوردا صافيا للطاقة ومرتبطا بأسواق التوريد الأوروبية (مرجعية ARA)، يتأثر بشكل شبه مباشر بارتفاع الأسعار العالمية، غير أن انعكاس ذلك داخليا يبدو أكثر تعقيدا.
وسجّل الغازوال ارتفاعا دوليا قدره 2,92 درهم للتر، مقابل 2,03 درهم فقط في السوق المحلية، أي بنسبة نقل لم تتجاوز 69,5 في المائة، وهو تفاوت يطرح تساؤلات حول كيفية توزيع الفوارق داخل سلسلة التوزيع ومن يتحملها فعليا.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، سجّل البنزين سلوكا معاكسا، إذ تجاوزت الزيادة المحلية نظيرتها الدولية، حيث بلغت 1,43 درهم للتر مقابل 1,26 درهم عالميا، ما يعني أن المستهلك يؤدي كلفة أعلى من المفترض.
ويكشف هذا التباين، مقارنة بالغازوال وفي نفس السياق الزمني، عن غياب نمط موحّد في نقل الأسعار، ويطرح تساؤلات حول شفافية السوق وآليات احتساب التكاليف وهوامش الربح.
بين الطمأنة الرسمية وقلق يتسع
في مواجهة هذا الواقع، تؤكد الحكومة المغربية التي يرأسها عزيز أخنوش، أنّ وضعية التموين مستقرة، وأنّ الإمدادات مضمونة، مع اتخاذ إجراءات دعم تستهدف بعض القطاعات، خاصة النقل وغاز البوتان والكهرباء، غير أن هذه الطمأنة، رغم أهميتها، لا تبدد بالكامل القلق المتزايد لدى المواطنين، الذين لا ينظرون فقط إلى توفر المحروقات، بل إلى قدرتهم على تحمل كلفتها.
إلى ذلك، رصدت "عربي21" تصاعد مطالب مدنية وحقوقية تدعو إلى تدخل أكثر حزما لضبط الأسعار، بما في ذلك تسقيفها في حالات استثنائية، استنادا إلى الإطار القانوني الذي يسمح بذلك.
كما يحذر فاعلون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى توترات اجتماعية، خاصة في ظل تزايد الضغط على القدرة الشرائية واقتراب محطات احتجاجية مثل فاتح ماي.
في السياق ذاته، عبّرت "العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان" عن قلقها من استمرار ارتفاع أسعار المحروقات في ظل ضعف آليات المراقبة، معتبرة أن تحرير الأسعار دون إطار صارم للشفافية أفرز اختلالات تطرح شكوكا حول احترام المنافسة واحتمال وجود ممارسات احتكارية، وهو ما ينعكس سلبا على القدرة الشرائية ويغذي التضخم.
ودعت الهيئة إلى تفعيل دور "مجلس المنافسة" وتعزيز استقلاليته، مع تبني سياسات تراعي العدالة الاجتماعية، واتخاذ إجراءات صارمة لحماية المستهلك، بينها تسقيف الأسعار ومحاسبة المتورطين في أي تلاعب.
في خضم هذا كله، لا يبدو أن المغاربة وفقا لما رصدته "عربي21" ينتظرون الحلول فقط، بل يبتكرون، بشكل يومي، طرقهم الخاصة للتكيف، غير أن هذا التكيف لم يعد مجرد رد فعل، بل بدأ يتحول إلى ما يشبه نمط عيش جديد.
وأصبح تقليل التنقل وتقاسم الموارد والبحث عن بدائل، وحتى إعادة التفكير في تفاصيل الحياة اليومية كلها ممارسات تتكرر، وتُعاد إنتاجها، بل ويتم أحيانا الترويج لها كخيار "ذكي" يجمع بين التوفير والحفاظ على الصحة.
في النهاية، قد لا تكون قصة عماد مجرد حكاية عن التنقل، بل عن تحوّل أوسع، يعيد رسم العلاقة بين الفرد وواقعه الاقتصادي، فحين يصبح الطريق موضوع تفكير يومي، وحين تتحول كل رحلة إلى قرار محسوب، نكون أمام مؤشر واضح على تغير عميق في نمط العيش.
"لو كانت الأسعار معقولة، لما فكرت في مشاركة سيارتي"، يقول عماد ببساطة في حديثه لـ"عربي21"، وهي جملة تختصر الكثير، وتعيد الأمور إلى جوهرها. وهكذا، يتحول الطريق، من مجرد مسافة تُقطع، إلى مرآة تعكس تحولات أعمق، حيث يصبح التكيّف، في حد ذاته، لغة جديدة للاحتجاج.