أثارت دورات "تأهيل المعلمين الجدد" التي تنظم داخل الأكاديمية العسكرية
المصرية جدلاً واسعًا، بعدما ربط معلمون وأولياء أمور بين مخرجات هذه البرامج وبين تغير ملحوظ في أسلوب إدارة العملية التعليمية داخل بعض المدارس، وما اعتبروه انعكاسًا مباشرا لتدريب يقوم على الانضباط العسكري على نمط وشخصية بعض القائمين على الإدارة التربوية، بما ينعكس على طريقة التعامل مع الطلاب والمعلمين داخل الفصول.
واشتكى معلمون وأولياء أمور طلاب مصريين بمحافظة الإسماعيلية من تحويل مديرة
مدرسة ابتدائية، المدرسة إلى ثكنة عسكرية، وتسيير عملية الدراسة اليومية بأوامر شبه عسكرية، وفق تأكيد البعض لـ"عربي21".
وأوضحوا بداية أن "مديرة المدرسة الشابة صغيرة السن قليلة الخبرة تحولت إلى (شخص عسكري بزي مدني)، عقب حصولها على تدريب في (الأكاديمية العسكرية) تقع داخل الكيان العسكري للجيش المصري بالعاصمة الإدارية الجديدة لمدة 6 شهور".
وأشاروا إلى أنها "قامت على عسكرة المدرسة، والعمل التربوي والتعليمي، منذ عودتها من التدريب، وبداية من تسيير طابور الصباح، وفرض تدريبات رياضية قاسية لا يتحملها الطلاب، واستخدام الموسيقى العسكرية والأناشيد والأغاني الوطنية العسكرية وتسيير الطابور بالألفاظ والمصطلحات العسكرية، مع ترديدها كلمات شهيرة لرئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، عند مخاطبة الطلاب مثل: "انتم مش عارفين إنكم نور عنينا ولا إيه".
ولفتوا إلى أنها تتعامل مع المعلمين والإداريين والطلاب وحتى أولياء الأمور وكأنهم في معسكر، بشدة وصرامة وتعنيف، وتهديد بالإحالة للتحقيق، والفصل من العمل، ما وصل في بعض الأحيان إلى التهديد باستدعاء الأمن الوطني والاعتقال".
وألمحوا إلى أن "الأخطر في الأمر؛ هو تجنيد بعض المعلمين على زملائهم لنقل ما يدور بينهم من أحاديث، إلى جانب تجنيد بعض الطلاب لنقل ما يدور داخل الفصول بين المعلمين والطلاب"، موضحين أنها "كارثة تصنع مخبرين صغارا وتخرج العملية التعليمية من هدفها التربوي".
وقالوا إنها "مع تلميح أي أحد بأنه سوف يشكو للإدارة أو مديرية التعليم والوزارة سوء أفعالها، ترد بأنها أقوى من مدير الإدارة والمديرية بل والوزارة"، مبينين أنها تعتمد في هذا على "تكريمها أثناء الدورة التدريبية من قبل الرئيس السيسي، شخصيا، وإعلانها للجميع أن صلاتها أعلى من الوزارة ذاتها".
وعن مدى نجاح أسلوبها العسكري في تطوير التعليم والنهوض بمستوى الطلاب، أكد معلمون أن "الوضع التعليمي إلى انحدار، والكل يخاف منها، وينفذ تعليماتها حتى ولو كانت تضر بالعملية التعليمية".
اظهار أخبار متعلقة
وكشفوا عن أن "المقبولين من المعلمين في دورات الأكاديمية العسكرية –وتلك المديرة بينهم- يتم وفقا لوساطات نظرا للعدد الكبير المتقدم للدورات التي تضع شروطا صعبة بينها اللياقة البدنية والطبية وموافقة وزارة التعليم وغيرها"، مؤكدين أنها "دورات مجانية ولذلك الصراع عليها على أشده بين أعضاء مجلس النواب ورجال النظام".
وتحت مسمى "دورات تأهيل المعلمين الجدد" يجري التقديم إلكترونيا لحصول المعلمين على تلك الدورات عبر موقع تنسيق القبول بالكليات العسكرية، حيث يخضع المعلمون لاختبارات رياضية، ذهنية، وطبية، بالإضافة إلى كشف الهيئة، إلى جانب تدريس مواد عسكرية وتدريب رياضي والانضباط، وما يخص الأمن القومي.
ويتخوف البعض من "نتيجة ذلك التدريب على المدنيين العاملين في وزارات: التعليم والأوقاف والنقل والخارجية والهيئات القضائية وغيرها، مما يطلقون عليه عمليات (غسل أدمغة المدنيين وتحويل المؤسسات المدنية إلى عسكرية)".
وذهب البعض لطرح السؤال: "إذا كانت هذه نتيجة ذلك التدريب على إحدى المدارس المصرية فما تأثير المتدربين في الأكاديمية العسكرية على المدنيين العاملين في وزارات: التعليم والأوقاف والنقل والخارجية والهيئات القضائية أيضا؟".
تداعيات شديدة السوء
وفي قراءته لذلك المشهد قال السياسي المصري الدكتور عمرو عادل: "حذر الكثيرون في بداية هذه الأزمة من تداعيات شديدة السوء على المجتمع المصري"، مؤكدا أن "المؤسسة العسكرية ونتيجة لطبيعة عملها تحتاج إلى هذه الطريقة في الإدارة والتنظيم الصارم نظرا لتعقيدات كثيرة في بنية النظام العسكري ومهامه".
ويعتقد رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري، أنه "قد نقبل ذلك داخل المؤسسة العسكرية مع ضرورة الخضوع للرقابة والقانون العسكري الذي يتوافق بالضرورة مع الدستور والقانون".
واستدرك: "لكن المجتمع غير العسكري (المدني) شديد التعقيد أيضا، ولكن بطريقة مختلفة تماما عن النظام العسكري"، مبينا أنه "لا يمكن تطبيق النظام الاجتماعي في المجتمع المدني على النظام العسكري، والعكس أيضا صحيح، وحدوث ذلك يؤدي لانهيار الطرفين المدني والعسكري".
ضابط الجيش المصري السابق، خلص للقول: "وهذا يحتاج إلى مؤسسات تشريعية وقانونية وسياسية تتمكن من إدارة هذا الضبط بكفاءة".
إلى أين وصلت الحالة المصرية؟
ووصف عادل، حالة مصر بـ"المحزنة"، موضحا أنه "تم تأميم هذه المؤسسات (المدنية) ويمكن بقدر كبير من الثقة القول إنها أصبحت غير موجودة أو على أقل تقدير لم تعد فاعلة وأصبحت تحت تأثير وربما سيطرة تامة من المؤسسة العسكرية".
ولفت إلى أن "المنتمين للنظام العسكري مع طول البقاء داخل المؤسسة ضعف الارتباط بالمجتمع المدني، مع الإحساس الدفين داخل أفراد المؤسسة العسكرية أنهم الأفضل، ومع السيطرة المطلقة على كافة المؤسسات فهم يرون أن تطبيق النظام العسكري -وبالمناسبة هو الوحيد الذي يعرفونه- هو الأفضل والأصح، فهو يطبق ما يعرفه حصرا".
وأشار إلى أن "البداية بصناعة كوادر متوافقة مع الفكرة والسلطة دائما مغرية للغاية في غياب الضوابط"، ملمحا إلى وجود "تجارب اجتماعية أكدت ذلك، وحول كيف يمكن للسلطة غير المقيدة أن تؤثر بعمق علينا جميعا".
ويرى السياسي المصري أن "الأكاديميات التي ظهرت منذ عام بدأت بنشر كوادرها بكل قطاعات المجتمع، والنتيجة الحتمية فرض النمط العسكري على الجميع، وليس فقط النمط ولكن العقاب والتحيز والاحساس بالتعالي المطلق"، مضيفا: "وبالتأكيد، ما قالته مديرة المدرسة صحيح؛ فهي أقوى من الجميع، لأنها ممثلة للنمط العسكري الواجب فرضه".
وذهب للقول إن "استمرار هذا التوجه سيؤدي بالنهاية -ويمكن أن نقول إنها إحدى الحتميات- إلى انهيار المجتمع العسكري والمدني على السواء"، مخاطبا بـ"نصيحة تبدو متأخرة ولكنها ضرورية، بأنه على أصحاب القرار ومن لازال يملك قدرا من التعقل بالتوقف عن هذه التجربة فورا قبل أن يندم الجميع".
وختم حديثه مؤكدا أن "هذه القواعد صحيحة داخل المؤسسة العسكرية، ولكن خروجها للمجتمع هي إحدى الظواهر التي تشير إلى قرب الانهيار؛ إلا إذا كان هذا ما يسعى البعض إليه".
عسكرة ونفوذ وتجنيد
وفي رؤيته قال السياسي المصري المعارض محمد حمدي: "هذه ليست (حادثة مدرسة) فقط، بل نمط إدارة الدولة، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالمجال المدني"، مضيفا لـ"عربي21": "إذا نظرنا للأمر من زاوية عامة فهناك 3 نقاط هامة".
وأشار أولا إلى "منطق (العسكرة) في الإدارة المدنية"، موضحا أنه "عندما يتم نقل أساليب الانضباط العسكري إلى مؤسسات مدنية كالتعليم، يحدث خلط بين وظيفتين مختلفتين تمامًا؛ فالمؤسسة العسكرية تقوم على الطاعة والانضباط الصارم، بينما التعليم يقوم على الحوار، التفكير النقدي، وبناء الشخصية".
نائب رئيس حزب "تكنوقراط مصر"، أكد أن "فرض نموذج واحد (عسكري) على بيئة تعليمية غالبًا يؤدي إلى: تراجع الإبداع والتفكير الحر، وخلق بيئة خوف بدلًا من بيئة تعلم، وتحويل الطالب من متعلم إلى (منفذ أوامر)".
ولفت ثانيًا، إلى "توسيع نفوذ المؤسسة العسكرية خارج نطاقها التقليدي"، مبينا أنه "منذ 2013، هناك اتجاه واضح لتوسيع دور الجيش في قطاعات مدنية (اقتصاد، إدارة، بنية تحتية، تعليم بشكل غير مباشر حتى في الأمور الدينية)".
ويرى حمدي، أن "هذا يفسر أنه رغبة في إحكام السيطرة وتقليل مساحة الاستقلال داخل المؤسسات؛ لكن المشكلة هنا أن هذا التوسع قد يضعف الكفاءة على المدى الطويل، لأن الإدارة المدنية تحتاج خبرات تخصصية مختلفة عن التدريب العسكري".
وألمح ثالثًا، إلى "تجنيد طلاب أو معلمين لنقل المعلومات"، معتبرا أنها "نقطة خطيرة جدًا، لأنها: تخلق ثقافة عدم الثقة داخل المجتمع، وتضر بالنسيج الاجتماعي داخل المدرسة، وتُخرج التعليم من كونه عملية تربوية إلى أداة رقابة"، مبينا أن "هذا لا يتعلق فقط بالتعليم، بل بنمط حكم قائم على المراقبة بدل المشاركة".
اظهار أخبار متعلقة
ويرى السياسي المصري أن "المشكلة ليست في التدريب العسكري بحد ذاته، بل في إسقاطه كنموذج شامل على مؤسسات مدنية"، مؤكدا أن "الدولة القوية ليست التي (تعسكر) كل شيء، بل التي توازن بين: الانضباط، والكفاءة المهنية، وحرية العمل داخل المؤسسات".
وتوقع أنه "لو استمر هذا النمط فقد يؤدي إلى: تآكل جودة التعليم، وزيادة الاحتقان داخل المؤسسات، وإضعاف القدرة على الابتكار والإصلاح الحقيقي".
وذهب للقول: "ويبقى السؤال الأهم: لماذا فعلت مديرة المدرسة هذه التصرفات؟"، مجيبا: "في رأيي الشخصي ليس للانضباط، وإنما كي تنال الرضا، وتصبح من منفذي الأوامر، لعلها تجد ظلا تحت أجنحة النظام، لأن هناك من يراقب ويكتب التقارير".
أدوار مثيرة للأكاديمية
وشهد عام 2025، إلزام المتقدمين للوظائف الحكومية والنيابة العامة خوض دورات تدريبية في "الأكاديمية العسكرية"، في إجراء تصفه المعارضة بأنه "عسكرة للدولة" ولضمان ولاء الموظفين والمدنيين للمنظومة العسكرية.
وتثير دورات التدريب العسكري لأئمة الأوقاف، والمعلمين، والدبلوماسيين، وبوزارة النقل، والمعينين بالهيئات القضائية، وأعضاء هيئة الرقابة الإدارية، انتقادات واتهامات للسلطات بالتوجه نحو عسكرة الوظائف المدنية وتوجيه المعينين الجدد، عبر دورة تدريبية 6 شهور.
وأُنشأت الأكاديمية، كمؤسسة عسكرية بديلة عن الأكاديميات المدنية، تضم منشآت تعليمية وميادين تدريب ومجمعات رياضية وسكنية بمساحة 1500 فدان بالقيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، في تحول لأدوار "الكلية الحربية" بالقاهرة سابقا من الإعداد العسكري للضباط فقط إلى تدريب عسكري لجيل من المدنيين بهدف مشاركة العسكريين في إدارة الجمهورية الجديدة.
اظهار أخبار متعلقة
ذلك التدريب شمل نواب البرلمان المصري الجديد برغم تأسيس "معهد التدريب البرلماني"، بمقر مجلس النواب الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة، لتدريب أعضائه والارتقاء بمهاراتهم التشريعية والرقابية، وتأهيل موظفيه فنيا وإداريا، مستعينا بخبراء وأكاديميين ومتخصصين.
وفي السياق، يتواصل تدريب الأكاديمية العسكرية المقامة على مساحة 850 فدانا، لدعاة الأوقاف والدبلوماسيين برغم افتتاح "أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى" عام 2019، ووجود "معهد الدراسات الدبلوماسية" بوزارة الخارجية منذ عام 1966، لتأهيل وتدريب أعضاء السلك الدبلوماسي والقنصلي.
تصاعد أدوار الأكاديمية العسكرية فاقم مخاوف معارضين من "توجيه الموظفين المدنيين لخدمة رؤى النظام لا الدولة والسلطة لا الشعب"، كما فتح هذا التوجه التساؤل حول مصير الدولة المدنية المصرية في ظل ترسيخ فكرة "عسكرة الدولة" وسيطرة الجيش على كل قطاعاتها المدنية.
ومنذ استيلائه على السلطة منتصف العام 2013، والإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي بدعوة "اخونة الدولة"، أسس السيسي لدولته العسكرية عبر صناعة ولاءات من الجيش وتغيير قوانين ومنح الجيش والعسكريين سلطات أكلت من سلطة الدولة ونصب القيادات العسكرية بكل قطاعات الحكومة وأجهزتها وهيئاتها.
وكما يقول الباحث في مؤسسة "كارنيغي للسلام" يزيد صايغ، في دراسة له بعنوان: "الجمهورية الثانية.. إعادة تشكيل مصر في عهد السيسي"، نشرت في أيار/ مايو 2024، إن السيسي "بنى شبكات ولاء جديدة عبر تعزيز نفوذ الكوادر الشابة الموالية وإضعاف النخب التقليدية لنظام الحكم السابق".
وفي دراسة أخرى لصايغ، بعنوان: "أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري"، كانون الأول/ ديسمبر 2019، أكد أن السيسي يؤسس لما يسمى "الجمهورية الثانية"، التي تختلف عن جمهورية 1952، ففي جمهورية السيسي، لم يعد الجيش مجرد شريك في الحكم، بل أصبح الوصي المباشر على الدولة.
وتحدث صايغ، عن أن نظام السيسي، يتعمد إضعاف البيروقراطية المدنية التقليدية وتهميش مجلس الوزراء لصالح دولة موازية تُدار من داخل مؤسسة الرئاسة وبالاعتماد على الأجهزة السيادية والعسكرية.