عبّر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عن
رفضه "المطلق" لأي تهديد تتعرض له الدول الإسلامية أو شعوبها من أي جهة
كانت، محذراً مما وصفه بمحاولات فرض ترتيبات سياسية وإقليمية "تمس سيادة
الدول واستقلالها"، وفي مقدمتها ما يُعرف بمسار "الاتفاقيات الإبراهيمية"،
الذي اعتبره الاتحاد مشروعاً "انكشفت غاياته وتجلّت أهدافه المرتبطة بدعم
الاحتلال الإسرائيلي".
ودعا الاتحاد، في بيان شديد اللهجة، إلى
موقف إسلامي موحد ورافض لأي ضغوط تستهدف دفع دول المنطقة إلى
التطبيع مع الاحتلال،
مشيراً إلى أن استمرار السياسات الإسرائيلية في غزة ولبنان وغيرها يمثل "إبادة
جماعية وتدميراً ممنهجاً"، على حد تعبيره، محملاً المجتمع الدولي مسؤولية "الصمت
والتواطؤ".
رفض للتطبيع واتهامات بفرض “إملاءات سياسية”
وقال البيان إن ما يجري من ضغوط سياسية على
عدد من الدول، بما فيها ما نُسب إلى الإدارة الأمريكية، يندرج ضمن "محاولات
فرض وقائع سياسية جديدة في المنطقة"، محذراً من ربط أي اتفاقات دولية أو
إقليمية بملفات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
واعتبر الاتحاد أن هذه السياسات "تتعارض
مع القوانين الدولية والمبادئ الأخلاقية وسيادة الدول"، مؤكداً رفضه لأي
مسارات تطبيعية "تمنح شرعية لاحتلال متهم بارتكاب جرائم واسعة بحق الشعب
الفلسطيني".
دعوة للأزهر والعلماء إلى موقف موحد
وفي لهجة لافتة، وجّه الاتحاد رسالة مباشرة
إلى الأزهر الشريف، دعا فيها المؤسسة الدينية الأبرز في العالم الإسلامي إلى اتخاذ
موقف واضح تجاه ما وصفه بـ "الضغوط السياسية والمشاريع التطبيعية"،
مطالباً العلماء بـ "رفض هذه الطروحات بعد انكشاف أهدافها"، وفق نص
البيان.
كما دعا الاتحاد العلماء في العالم الإسلامي
إلى الانسحاب من أي مسارات أو مبادرات مرتبطة بما سماه "مشروع الإبراهيمية"،
مؤكداً أن مسؤولية العلماء تفرض عليهم "الوقوف في وجه الباطل ونصرة قضايا
الأمة"، على حد تعبيره.
دعوة متجددة لتشكيل حلف إسلامي
وجدد الاتحاد دعوته إلى قادة الدول
الإسلامية للإسراع في تشكيل تحالف استراتيجي شامل، يشمل الجوانب السياسية
والاقتصادية والعسكرية والأمنية، بهدف مواجهة "التحديات المشتركة" ورفض "الإملاءات
الخارجية"، بحسب البيان.
وأكد أن غياب هذا التكتل سيؤدي ـ وفق تعبيره
ـ إلى "إضعاف موقف الأمة وتفكك قدرتها على مواجهة التحديات"، مستشهداً
بآيات قرآنية تحث على الوحدة وعدم التنازع.
غزة في صلب الخطاب.. وانتقادات حادة
للاحتلال
وتوقف البيان عند الأوضاع في قطاع غزة،
واصفاً ما يجري هناك بأنه "إبادة جماعية وتدمير شامل"، كما اتهم
الاحتلال الإسرائيلي بتوسيع عملياته العسكرية في أكثر من جبهة، بما في ذلك لبنان،
في ظل غياب رد دولي فاعل.
وأشار الاتحاد إلى أن استمرار هذه السياسات "يعكس
خطورة المرحلة"، داعياً إلى ما سماه “التصدي الشامل” عبر كل الوسائل المتاحة.
خطاب تعبوي وتحذيرات من "مخاطر وجودية"
وحمل البيان نبرة تحذيرية واضحة، إذ اعتبر
أن الأمة الإسلامية تواجه "مخاطر وجودية وليست عادية"، داعياً قادة
الدول والعلماء والمفكرين إلى تحمّل مسؤولياتهم في هذه المرحلة، مع التأكيد على أن
"القوة والجاهزية" تمثلان عنصر ردع أساسي في مواجهة التحديات.
وختم الاتحاد بيانه بالتأكيد على "الثقة
بنصر الله" والدعوة إلى الاستعداد والعمل بالأسباب، في خطاب يجمع بين البعد
الديني والسياسي في قراءة المشهد الإقليمي الراهن.
ما هي "الاتفاقات الإبراهيمية"؟ ولماذا تعود إلى الواجهة؟
تُعد "الاتفاقات الإبراهيمية"
إطاراً سياسياً أُطلق عام 2020 برعاية أمريكية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب،
بهدف تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، من بينها الإمارات
والبحرين، ثم لاحقاً السودان والمغرب بصيغ مختلفة من التعاون والتطبيع. وقد قُدمت
هذه الاتفاقات تحت عنوان رمزي يستند إلى "الإرث الإبراهيمي المشترك" بين
الديانات السماوية الثلاث، في محاولة لتسويقها بوصفها مشروع تقارب حضاري وثقافي،
غير أن منتقديها رأوا فيها مشروعاً سياسياً وأمنياً بالدرجة الأولى يعيد ترتيب
التحالفات في الشرق الأوسط خارج إطار التسوية التقليدية للقضية الفلسطينية.
وجاء إطلاق هذه الاتفاقات في سياق إقليمي
ودولي معقد، تزامن مع جمود طويل في مسار السلام الفلسطيني–الإسرائيلي، وتصاعد
أولويات الأمن الإقليمي، خصوصاً ما يتعلق بالتصورات الأمريكية حول "التهديد
الإيراني"، إضافة إلى تحولات اقتصادية داخل عدد من الدول العربية دفعتها إلى
إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. وقد وفّر هذا المناخ الأرضية السياسية لتمرير
الاتفاقات بوصفها "اختراقاً تاريخياً" في العلاقات العربية ـ الإسرائيلية،
بينما اعتبرها معارضوها تجاوزاً جوهرياً للحقوق الفلسطينية وتكريساً لواقع
الاحتلال دون حل سياسي شامل.
وتعود "الإبراهيمية" اليوم إلى
واجهة الجدل مجدداً في ظل تصاعد الحرب في قطاع غزة منذ 2023، وما رافقها من
انتقادات واسعة للعمليات العسكرية الإسرائيلية وتداعياتها الإنسانية، الأمر الذي
أعاد تشكيل المزاج السياسي والشعبي في المنطقة تجاه مسارات التطبيع. كما ساهمت
الدعوات المتجددة لتوسيع نطاق الاتفاقات لتشمل أطرافاً إقليمية جديدة في إعادة
الملف إلى دائرة النقاش الحاد، خصوصاً مع ربط بعض الخطابات السياسية والدينية بين "الإبراهيمية"
وبين ضغوط سياسية وأمنية تهدف إلى إعادة هندسة التحالفات في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين الرافض لهذه الاتفاقات بعداً سياسياً ودينياً متصاعداً، باعتباره
يأتي ضمن موجة أوسع من الاعتراض على مسارات التطبيع، وربطها بتطورات الصراع
الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وبالتحولات الجارية في ميزان القوى الإقليمي.
اظهار أخبار متعلقة