واشنطن تسعى لاجتثاث الفصائل من الدولة العراقية.. هل تنجح؟

ترى الولايات المتحدة أن ولاء الفصائل العراقية المسلحة لإيران - جيتي
ترى الولايات المتحدة أن ولاء الفصائل العراقية المسلحة لإيران - جيتي
شارك الخبر
يدخل العراق مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، مع تصاعد الحديث عن ضغوط أمريكية غير مسبوقة تستهدف تقليص نفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في خطوة تصفها أوساط شيعية بـ"الاجتثاث".

يأتي ذلك بالتزامن مع الحديث عن دور محوري في هذا الإطار يقوم به الجنرال الأمريكي المتقاعد، ديفيد بترايوس، الذي تواجد في العراق خلال مرحلة تشكيل الحكومة الحالية برئاسة علي الزيدي.

"عاصفة تغييرات"


ويتمثل السيناريو المحتمل الذي كشفت عنه وسائل إعلام عراقية، ليس في مساعي واشنطن لإبعاد الفصائل عن توليها مناصب في الحكومة الحالية فقط، وإنما يتبعه "عاصفة تغييرات" داخل مؤسسات الدولة العراقية.

وبحسب معلومات نشرتها صحيفة "المدى" العراقية، الاثنين الماضي، نقلا عن مصادر سياسية شيعية، فإن "الاجتثاث الأمريكي لن يقتصر على حرمان ممثلي الفصائل من الوزارات، بل سيمتد أيضا إلى الدرجات الخاصة والمناصب الحساسة".

وتقدّر الصحيفة، أن نحو 3 آلاف موظف رفيع المستوى قد تطالهم التغييرات، بينهم مسؤولون في السلك الدبلوماسي، والمؤسسات العسكرية والمالية، وهيئات مستقلة، على خلفية ارتباطهم بفصائل تعتبرها واشنطن محظورة. 

وأشارت إلى أن الجنرال الأمريكي السابق ديفيد بترايوس حمل خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد رسالة تتعلق بـ"تبريد الأوضاع"، و"تخفيف صدمة القطار الأمريكي" تجاه الفصائل.

ولفتت الصحيفة إلى أن رئيس الحكومة علي الزيدي استعان بعلاقته السابقة مع بترايوس، التي تعود إلى سنوات مشروع "الصحوات" بين 2006 و2007، في محاولة لفتح قناة تواصل غير مباشرة مع واشنطن.

وكان مستشار رئيس الحكومة العراقية السابق، عائد الهلالي، قد كشف أن الزيدي، اتخذ بترايوس مستشارا أمنيا له، وأن الأخير عمل على تأسيس وزارة "الأمن الاتحادي" يجري فيها تذويب الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية وحرس الحدود تحت عناوين "مديريات".

وأكد الهلالي في حديث سابق لـ"عربي21" أن الحكومة الحالية برئاسة الزيدي عمرها سنة واحدة، وأن الفصائل لن تشارك فيها، وبعدها تجري انتخابات أيضا بدون مشاركة أحزاب السلاح، بالتالي سيمنعون لمدة خمس سنوات لحين إثبات تخليهم عن السلاح.

وفي السياق ذاته، كشف السفير البريطاني لدى بغداد، عرفان صديق خلال مقابلة تلفزيونية، أنه اتفق مع رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، على ضرورة إيجاد حل لمشكلة الفصائل المسلحة، وأن الأخير أقر بوجود إشكاليات بسببها، وناقشا مساعي فصلها عن مؤسسة الحشد.

"مهمة صعبة"


تعليقا على ذلك، قال المحلل السياسي العراقي، هلال العبيدي، إن "هناك جهودا وضغوطا حقيقية للولايات المتحدة على حكومة الزيدي، وهذا الموضوع ليس حديثا وإنما منذ مدة، وذلك للتخلص من تبعات التبعية لإيران في داخل مؤسسات الدولة العراقية".

وأضاف العبيدي لـ"عربي21" أن "بعض الفصائل تدين بالولاء إلى إيران، مثل: (النجباء، وعصائب أهل الحق، وحزب الله) وهؤلاء لديهم عناصر بالدولة العراقية سواء في الوزارات أو الهيئات المستقلة، وحتى بالأجهزة الأمنية في الدفاع والداخلية، وكذلك الشرطة الاتحادية".

وأكد الخبير العراقي أن "هؤلاء أصبحوا عناصر تعمل أحيانا ضد الدولة العراقية لمصلحة إيران، لذلك تحاول الولايات المتحدة الأمريكية التهديد سواء بعدم التعاون الأمني والاستخباراتي مع الجانب الرسمي العراقي أو بقطع الدولار عن الدولة العراقية".

ورأى العبيدي أن "الضغط بهذه الوسائل على الدولة العراقية هدفه التخلص من هذه العناصر، لكن لا أعلم كيف ستتم آلية إخراجهم، فهؤلاء أصبحوا عبئا على الدولة العراقية وحتى على حكومة الزيدي".

وتابع: "لأن هناك تضاربا في المصالح داخل الدولة العراقية بين مصلحة التبعية لإيران وبين مصلحة الولاء للوطن، لذلك هذه الثنائية لم تعد تعمل، وأن الولايات المتحدة تحاول تخليص العراق من هذه الازدواجية عبر استبعاد هؤلاء".

وأكد العبيدي أن "هناك مسؤولين تابعين للفصائل داخل الهيئات المستقلة وحتى في القضاء، إضافة إلى وزارتي المالية والدفاع، وثمة شخصيات تستغل نفوذها في تصدير النفط الإيراني، وأخرى تهرّب العملة خصوصا في الأجهزة الأمنية بالمنافذ الحدودية".

وأعرب عن اعتقاده بأن هذه القضية ليست مشابهة لاجتثاث البعث الذي أصبح مسجلا في الدستور العراقي، ويعاقب القانون على الانتماء له، لكن هؤلاء سيتم استبعادهم عن الوظائف والمهام والمسؤوليات، والمسألة ليست سهلة.

وتساءل العبيدي، قائلا: "هل تمتلك حكومة الزيدي الإرادة الكاملة لهذا الفعل، وهل ستستعين بالولايات المتحدة الأمريكية في سبيل التخلص من هذه العناصر التي تغلغلت في الدولة منذ 23 سنة تقريبا؟".

وخلص إلى أن المهمة ليست مستحيلة، ولكنها صعبة في الوقت نفسه، خاصة أن هذه الشبكة أصبحت تدير أعمالها الخاصة، وبالتالي لن تستسلم بسهولة نظرا للمصالح والارتباطات التي تقوم بها والاستفادة المالية من المنصب، وأحيانا كثيرة يكون سلاحهم فوق القانون.

"اجتثاث صامت"


من جهته، توقع الباحث علاء الساري في حديث لـ"عربي21" أن "أي درجات وظيفية تديرها الفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة، خارج قيادة الحشد الشعبي، فإنه من الممكن جدا عزلها بالضغط الأمريكي".

ولم يستبعد الساري أن يشهد العراق مرحلة اجتثاث سياسي صامت لهذه الفصائل يفضي إلى تقليص النفوذ الإيراني في الدولة العراقية، والذي تغول في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003، خصوصا بعدما تمكنت من إبعادها عن المشاركة بالحكومة الحالية.

وشدد على أن "الولايات المتحدة نجحت في إقصاء نوري المالكي من رئاسة الحكومة العراقية، وكذلك استطاعت أن تمنع تمرير قانون الحشد الشعبي في البرلمان، بالتالي التهديد بقطع الدولار أو التعاون الأمني وسيلة فعالة لإقصاء هؤلاء من مؤسسات الدولة".

وفي 14 أيار الجاري، نالت حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ثقة البرلمان بالتصويت على 14 وزيرا من أصل 22 وزارة، حيث أظهرت التشكيلة الوزارية خلوها من أي شخصية تنتمي إلى الفصائل المسلحة.

وأعلنت كتلة "حقوق" البرلمانية التابعة لـ"كتائب حزب الله" عدم مشاركتها في الحكومة، فيما لم تحصل الفصائل التي تمتلك مقاعد نيابية على أي وزارة، وتحديدا "عصائب أهل الحق"، و"كتائب الإمام علي"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"أنصار الله الأوفياء"، فيما لم تشارك "حركة النجباء" في الانتخابات.

وقال نعيم العبودي، المعاون السياسي للأمين العام لـ"عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، خلال مقابلة تلفزيونية، إن حركته "ستشترك في الحكومة بعد مناقشة حصر السلاح برؤية المرجعية الدينية"، مضيفا أن الحركة "كانت أول من دعا إلى تنظيم السلاح".

وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد تعهد مع نيل تشكيلته ثقة البرلمان بـ"حصر السلاح بيد الدولة"، ورسم في كلمة أمام النواب ثلاثة مسارات للعمل، منها "إصلاح المنظومة الأمنية، وتعزيز قدرات القوات الأمنية، وترسيخ ثقة المواطن بالديمقراطية".
التعليقات (0)