دخلت الأزمة المتصلة بالحرب في الشرق الأوسط
مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والعسكري، مع ترقب طهران زيارة مرتقبة لقائد الجيش
الباكستاني عاصم منير، في إطار تحركات دبلوماسية تقودها إسلام آباد لإعادة تنشيط
قنوات التفاوض، بالتزامن مع تحذيرات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبر
فيها أن المفاوضات الجارية تقف عند "مفترق طرق"، بين التوصل إلى تسوية
أو الانزلاق مجددًا نحو التصعيد العسكري.
وتأتي هذه
التطورات في ظل استمرار حالة
التوتر رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في الثامن من نيسان/ أبريل
الماضي، وأنهى رسميًا العمليات العسكرية المفتوحة التي اندلعت منذ أواخر شباط/
فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دون أن ينجح حتى
الآن في إنتاج اتفاق سياسي نهائي يعالج جذور الأزمة.
وساطة باكستانية جديدة
وكشفت وسائل إعلام
إيرانية، بينها وكالة
أنباء الطلبة الإيرانية "إيسنا"، عن زيارة مرتقبة لقائد الجيش
الباكستاني عاصم منير إلى طهران، مشيرة إلى أنها ستخصص لمواصلة "المحادثات
والمشاورات" مع المسؤولين الإيرانيين، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن جدول
الأعمال.
وتعكس الزيارة استمرار الدور الباكستاني
المتنامي في مساعي احتواء التوتر بين طهران وواشنطن، خصوصًا بعد استضافة إسلام
آباد خلال نيسان/ أبريل جولة مباشرة نادرة من المفاوضات بين مسؤولين أمريكيين
وإيرانيين، كانت الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب.
وبرز اسم منير بشكل لافت خلال تلك الجولة،
بعدما استقبل الوفدين المفاوضين، وهما نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس ورئيس
مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على
تصاعد دور المؤسسة العسكرية الباكستانية في الملفات الإقليمية الحساسة.
غير أن تلك الجولة انتهت دون تحقيق اختراق
حقيقي، بعدما اتهمت طهران واشنطن بتقديم شروط وصفتها بـ"المبالغ فيها"،
لتدخل المفاوضات منذ ذلك الوقت في دوامة من تبادل المقترحات والرسائل السياسية
المتبادلة.
ترامب: المفاوضات عند "مفترق طرق"
وبالتزامن مع التحركات الباكستانية، رفع
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سقف تحذيراته، مؤكدًا أن العملية التفاوضية وصلت إلى
لحظة حاسمة.
وقال ترامب في تصريحات للصحفيين أمس الأربعاء:
"نحن عند مفترق طرق كامل، صدقوني، إذا لم نحصل على الإجابات الصحيحة فإن
الأمور قد تسوء بسرعة كبيرة".
وأضاف: "نحتاج إلى إجابات صحيحة وكاملة
بنسبة مئة بالمئة".
وتعكس تصريحات ترامب استمرار سياسة الضغط
القصوى التي يتبناها تجاه إيران، رغم أن الحرب توقفت ميدانيًا مؤقتًا.
وفي المقابل، رد رئيس مجلس الشورى الإيراني
محمد باقر قاليباف باتهام واشنطن بالسعي لإعادة إشعال المواجهة العسكرية.
وقال إن "تحركات العدو المعلنة والخفية
تظهر أنه لم يتخل عن أهدافه العسكرية رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية"،
محذرًا من أن أي هجوم جديد سيواجه "برد قوي".
اظهار أخبار متعلقة
ملفات عالقة.. الأموال المجمدة والحصار
البحري
ومن جهتها، أكدت الخارجية الإيرانية أن
طهران تدرس المقترحات الأمريكية الجديدة، لكنها كررت شروطها الرئيسية لإنجاز أي
تسوية سياسية.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية
إسماعيل بقائي إن بلاده تتمسك بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج،
إضافة إلى إنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وتبدو هذه الملفات من أبرز العقبات التي لا
تزال تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي، خصوصًا في ظل استمرار حالة انعدام الثقة بين
الطرفين بعد شهور من التصعيد العسكري والسياسي.
هرمز.. العقدة الأكثر حساسية
لكن الملف الأكثر حساسية في الأزمة لا يزال
مرتبطًا بمضيق هرمز، الذي تحول إلى محور أساسي في المفاوضات الجارية، بالنظر إلى
أهميته الاستراتيجية للاقتصاد العالمي.
ويُعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية في
العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، فضلًا عن
عبور كميات ضخمة من الأسمدة والمواد الخام.
ورغم توقف العمليات العسكرية المباشرة، فإن
المضيق لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، حيث أبقت إيران قيودًا على حركة الملاحة
وفرضت نظامًا للرسوم على السفن العابرة.
وفي تطور أثار مخاوف إقليمية، أعلنت الهيئة
الإيرانية الجديدة المشرفة على مضيق هرمز أن نطاق سيطرتها يمتد إلى المياه الواقعة
جنوب ميناء الفجيرة الإماراتي، معتبرة أن المرور عبر بعض المناطق يتطلب تنسيقًا
مسبقًا والحصول على موافقات.
وأثار هذا الإعلان اعتراضات إماراتية حادة.
وقال أنور قرقاش، مستشار رئيس دولة
الإمارات، إن ما وصفه بـ"الطموحات الإيرانية" ليست سوى "أضغاث
أحلام"، مضيفًا أن "محاولات التحكم بمضيق هرمز أو التعدي على السيادة
البحرية للإمارات لن تفرض واقعًا جديدًا".
تحذيرات من صدمة غذائية عالمية
وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود الطاقة لتصل
إلى الأمن الغذائي العالمي. فقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن
أي إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز قد يؤدي إلى "صدمة هيكلية" في قطاع
الأغذية الزراعية العالمي.
وأشارت المنظمة إلى أن استمرار القيود لفترة
تتراوح بين ستة أشهر وعام قد يفضي إلى ارتفاعات حادة في أسعار الغذاء واضطرابات
واسعة في الإمدادات العالمية.
وعلى مستوى الأسواق المالية، بدا المستثمرون
في حالة ترقب حذر. فقد ارتفعت أسعار النفط
الخميس بنحو نصف نقطة مئوية، بعد خسائر تجاوزت خمسة بالمئة في جلسة الأربعاء، فيما
سجلت الأسواق الأمريكية مكاسب محدودة.
ويعكس هذا الأداء توازنًا هشًا بين التفاؤل
بإمكانية التوصل إلى اتفاق، والقلق من انهيار المسار التفاوضي وعودة المواجهة
العسكرية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة
أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، بينما
يبقى السؤال الرئيسي معلقًا: هل تنجح الوساطات في تفادي جولة جديدة من التصعيد، أم
أن "مفترق الطرق" الذي تحدث عنه ترامب سيقود المنطقة إلى مواجهة جديدة؟
اظهار أخبار متعلقة