واشنطن تصعّد ضد كوبا.. اتهام راؤول كاسترو يفتح إرث الحصار وصراع نصف قرن

لا يزال تأثير “الجيل الثوري” الذي قاده فيدل وراؤول كاسترو حاضرًا داخل مؤسسات الحزب والدولة، خصوصًا في المؤسسة العسكرية.. جيتي
لا يزال تأثير “الجيل الثوري” الذي قاده فيدل وراؤول كاسترو حاضرًا داخل مؤسسات الحزب والدولة، خصوصًا في المؤسسة العسكرية.. جيتي
شارك الخبر
أثارت الخطوة الأمريكية بتوجيه اتهامات بالقتل إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو جدلًا واسعًا بشأن توقيتها ودلالاتها، في ظل تصعيد متجدد في سياسة واشنطن تجاه هافانا، التي ما تزال تعيش تحت وطأة حصار اقتصادي وعقوبات امتدت لعقود وأسهمت في تعميق أزمتها الاقتصادية والسياسية.

وقالت السلطات الأمريكية إن الاتهامات الموجهة إلى كاسترو وعدد من الضباط الكوبيين تعود إلى حادثة إسقاط طائرات تابعة لمنفيين كوبيين عام 1996، وهي واقعة قديمة أعيد فتحها قضائيًا، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءًا من سياسة ضغط سياسي أوسع على النظام الكوبي.

ورغم أن راؤول كاسترو، البالغ من العمر 94 عامًا، لم يعد في موقع السلطة التنفيذية، فإن اسمه ما يزال يحمل ثقلًا رمزيًا وسياسيًا داخل كوبا، نظرًا لدوره التاريخي في قيادة المؤسسة العسكرية والحزب الشيوعي إلى جانب شقيقه فيدل كاسترو، قائد الثورة الكوبية.

إرث الحرب الباردة يعود إلى الواجهة


وتعود جذور العداء بين واشنطن وهافانا إلى انتصار الثورة الكوبية عام 1959، حين أطاح النظام الجديد بحكومة كانت وثيقة الصلة بالولايات المتحدة، واتجه إلى تأميم ممتلكات وشركات أمريكية كبرى، ما أدى إلى قطيعة سياسية واقتصادية سريعة بين البلدين.

وتعمّق الصراع خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما كادت المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أن تتطور إلى حرب نووية بسبب نشر صواريخ في الجزيرة، قبل أن يتم التوصل إلى تسوية أنهت الأزمة لكنها كرّست القطيعة السياسية.

ومنذ ذلك الحين، اعتمدت واشنطن سياسة حصار وعقوبات متدرجة تهدف إلى الضغط على النظام الكوبي، في حين تعتبر هافانا أن هذه السياسة تمثل محاولة مستمرة لتغيير النظام وإضعاف الدولة اقتصاديًا وسياسيًا.

كوبا بين الحصار والأزمة الاقتصادية


ورغم انتهاء الحرب الباردة، لم تتراجع الولايات المتحدة عن سياسات العقوبات، بل توسعت عبر إجراءات اقتصادية ومالية وتجارية أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد الكوبي، وأدت إلى نقص في المواد الأساسية وتراجع في الاستثمارات الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم.

وتؤكد الحكومة الكوبية أن الحصار الأمريكي يمثل السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية، بينما تبرر واشنطن سياستها بملفات حقوق الإنسان وغياب التعددية السياسية واتهامات تتعلق بالحريات العامة في البلاد.

من يحكم كوبا اليوم؟


في السياق السياسي الحالي، لم يعد راؤول كاسترو في موقع الحكم، بعد أن تخلى عن الرئاسة عام 2018، منهياً بذلك مرحلة حكم استمرت لعقود لأسرة كاسترو في قيادة الدولة.

ويشغل الرئيس ميغيل دياز ـ كانيل منصب رئيس الجمهورية منذ عام 2018، وهو أول رئيس من خارج عائلة كاسترو يتولى السلطة منذ الثورة الكوبية، كما يشغل منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي الكوبي، ما يجعله أعلى سلطة سياسية في البلاد.

ولا يزال تأثير “الجيل الثوري” الذي قاده فيدل وراؤول كاسترو حاضرًا داخل مؤسسات الحزب والدولة، خصوصًا في المؤسسة العسكرية التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل النظام السياسي الكوبي.

توقيت سياسي ورسائل متبادلة


وتأتي إعادة فتح ملفات قديمة مثل قضية 1996 في سياق سياسي أمريكي متشدد تجاه كوبا، يعكس رغبة في إعادة صياغة أدوات الضغط على هافانا، خصوصًا في ظل استمرار العقوبات والحصار المفروض منذ عقود.

ويرتبط هذا التصعيد بخطاب أمريكي متجدد يركز على توسيع النفوذ في أمريكا اللاتينية، في مقابل تمسك كوبا بنموذجها السياسي ورفضها أي شروط أمريكية تعتبرها تدخلًا في شؤونها الداخلية.

وبينما تعود الملفات القضائية والتاريخية إلى الواجهة، تبقى العلاقات بين البلدين عالقة في إرث طويل من القطيعة، حيث تتداخل السياسة بالتاريخ، والعقوبات بالرمزية، في صراع لم يغادر مربع التوتر منذ أكثر من ستة عقود.

اظهار أخبار متعلقة




كوبا الموقع والهوية


وكوبا دولة جزرية تقع في البحر الكاريبي، عند المدخل الجنوبي لخليج المكسيك، وهي أكبر جزر الأنتيل الكبرى مساحةً وسكانًا، وتتمتع بموقع استراتيجي حساس جعلها تاريخيًا نقطة تقاطع بين أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، وبين النفوذ الإسباني ثم الأمريكي والروسي خلال القرن العشرين.

من الناحية التاريخية، خضعت كوبا للاستعمار الإسباني لأكثر من أربعة قرون قبل أن تنال استقلالها مطلع القرن العشرين، لتدخل لاحقًا في مرحلة نفوذ أمريكي واسع سياسيًا واقتصاديًا، انتهت مع انتصار الثورة الكوبية عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو، التي أسست لنظام اشتراكي أنهى الملكية الخاصة الواسعة للشركات الكبرى وغيّر طبيعة الاقتصاد والدولة بشكل جذري.

اقتصاديًا، تعتمد كوبا اليوم على نموذج اقتصادي اشتراكي تقوده الدولة، حيث تسيطر الحكومة على القطاعات الأساسية مثل الصحة والتعليم والطاقة والصناعة الثقيلة، مع السماح المحدود بالقطاع الخاص في بعض المجالات خلال السنوات الأخيرة. ويعاني الاقتصاد الكوبي منذ عقود من آثار الحصار الأمريكي المفروض منذ ستينيات القرن الماضي، والذي أثّر على القدرة على الاستيراد والاستثمار والتعامل المالي الدولي، ما أدى إلى أزمات متكررة في الإمدادات ونقص في السلع الأساسية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.

ورغم ذلك، تمتلك كوبا قطاعات قوية نسبيًا مثل الصحة العامة والتعليم، حيث تشتهر بمنظومة صحية تعتبر من الأكثر تطورًا في أمريكا اللاتينية من حيث التغطية المجانية ونسب الأطباء، كما تعتمد على السياحة كمصدر مهم للعملة الصعبة، إضافة إلى تحويلات الكوبيين في الخارج وتصدير الخدمات الطبية.

أما من حيث الهوية، فتمثل كوبا مزيجًا ثقافيًا غنيًا تشكّل عبر تداخل التأثيرات الإسبانية والأفريقية والكاريبية، ما انعكس في الموسيقى والرقص والأدب والفنون الشعبية. وتُعد موسيقى السون والسالسا والريغي من أبرز التعبيرات الثقافية الكوبية التي انتشرت عالميًا.

سياسيًا، تُعرف كوبا بنظام الحزب الواحد الذي يقوده الحزب الشيوعي الكوبي، وهو النظام الذي تشكل بعد الثورة وما يزال قائمًا حتى اليوم، مع تركيز السلطة السياسية في مؤسسات الدولة والحزب، وغياب التعددية الحزبية بالمعنى الغربي التقليدي.

وبذلك، تجمع كوبا بين اقتصاد اشتراكي تحت ضغط حصار طويل الأمد، وهوية ثقافية كاريبية متعددة الجذور، ونظام سياسي مركزي تشكّل في سياق الحرب الباردة وما زال يطبع علاقتها بالعالم حتى اليوم.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)

خبر عاجل