هل يجدد قانون الأحوال الشخصية حالة الصراع بين الأزهر والسيسي؟

الأزهر أشار إلى تقديمه رؤيته لقانون الأحوال الشخصية- جيتي
الأزهر أشار إلى تقديمه رؤيته لقانون الأحوال الشخصية- جيتي
شارك الخبر
وسط جدل بالشارع المصري حول بنود عرضها الإعلام لمشروع "قانون أحوال شخصية" قدمته الحكومة المصرية إلى مجلس النواب قبل أيام، تساءل كثيرون عن غياب دور الأزهر مع ما أثير عن مواد تتعارض مع الشريعة الإسلامية وتهدد بهدم مؤسسة الأسرة، وتزيد نسب الطلاق وتقلل معدلات الزواج، وفق مراقبين.

وأثار القانون خلافات بين مؤسسات دينية، وحقوقية، ونسوية، حول قضايا الزواج والطلاق، وحقوق النساء بعد الطلاق، وسن الحضانة والنفقة والرؤية، وآليات إثبات الطلاق الشفهي، وقضايا الولاية التعليمية على الأطفال والسفر.

اظهار أخبار متعلقة



ويلفت معارضو القانون عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى "نقاط خلاف بينها: ملف توثيق الطلاق، وما أثير عن حق الزوجة بتطليق نفسها بعد 6 أشهر، وطلب إذنها كتابيا كشرط للزواج الثاني للرجل، وأحقية الأم في الحضانة حتى سن 15 عاما رغم زواجها بآخر، مع التوسع في عقاب الزوج بالحبس والغرامة والحرمان من الخدمات الحكومية، وغيرها من النقاط التي تدعمها (اتفاقية سيداو) ويطالب بها (نادي باريس)، ويدعوا لها علمانيون مصريون وبينها التمهيد لإقرار الزواج المدني".

وإزاء حالة اللغط الشديدة، كشف الأزهر أن مشروع القانون لم يُعرض عليه كمرجعية دينية رسمية ولم يشارك بصياغة مواده، مؤكدا في بيان الاثنين الماضي، أنه قدّم تصورا متكاملا لقانون الأحوال الشخصية في نيسان/أبريل 2019، أعدّته لجنة من هيئة كبار العلماء ومتخصصين بالشريعة والقانون، وبينما لم يكشف عن مصير ذلك القانون، أكد متحدث لـ"عربي21"، أن "السلطات التنفيذية والتشريعية تجاهلته تماما".

ولتخفيف حدة غضب الشارع، وعلماء الأزهر، قال رئيس لجنة إعداد القانون وعضو مجلس القضاء الأعلى السابق المستشار عبدالرحمن محمد، إن مشروع القانون المقدم من وزارة العدل استند في جزء أساسي منه لمقترح سبق وأعده الأزهر، وأنه لجنته استعانت بعلماء من الأزهر ودار الإفتاء، بصفة ودية.

بداية لصدام محتمل


وتوقع متحدثون لـ"عربي21"، أن "تشهد الفترة القادمة سجالا بين الأزهر والأذرع الإعلامية للنظام، يقابله دعم رافضي القانون للأزهر، ما قد يؤجج الصراع القديم بين مؤسستي الأزهر والرئاسة، حول ملفات (تجديد الخطاب الديني، والطلاق الشفوي)".

ويرون أن "بيان الأزهر، فضح تجاهل وزارة العدل، ومجلس النواب لمؤسسة الأزهر، رغم ما يمنحه الدستور من أحقية ومرجعية أساسية بالشؤون الإسلامية"، مشيرين إلى أن الأزهر أطلق أحد الأصوات الحادة لنقد تجاهل الأزهر، وهو الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر عباس شومان"، معتقدين أن ذلك "بداية صدام مع البرلمان كممثل للنظام في ذلك القانون".

وقالوا إن "القانون كارثي ويمثل منحدرا شديدا يمس الدين والأسرة والمجتمع والصمت عليه يؤدي لهدم كيان الأسرة"، ملمحين إلى أن "الخطة المتوقعة تبدأ بقانون لزواج الأجانب يعيد مصر إلى قوانين المحاكم المختلطة لو أحد طرفي الزواج أجنبي، ثم بعد ذلك تعميم الزواج المدني، مع الإبقاء على الزواج الشرعي كمسار بديل"، وفق قولهم.

رسالة تكشف حجم الخلاف

وكتب السياسي المصري المعارض أيمن نور، يقول: "عاصفةٌ حقيقية تضرب المشهد التشريعي والسياسي في مصر منذ صدور بيان الأزهر"، متسائلا: كيف يُناقش قانون يمس عقيدة المجتمع وبنية الأسرة المصرية دون مشاركة المؤسسة الدينية الأهم في البلاد؟"، مؤكدا أن الأزهر كشف أن "الأزمة لم تعد مجرد خلاف حول مواد قانونية، بل خلاف حول طريقة إدارة الدولة نفسها لملفاتها الأكثر حساسية".

وقالت المحامية ورئيس مؤسسة مقام للمرأة وحقوق الإنسان، رحاب التحيوي: "مستحيل أن يكون الأزهر طرفًا بالقانون"، مشيرة إلى "المخالفات الشرعية الصادمة الواردة فيه"، وملمحة إلى تحفظ الأزهر على "مواد نظام الأسرة والمواريث في اتفاقية سيداو"، مطالبة الحكومة بسحب مشروع القانون.

وفي تحليله قال مركز "‏حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية"، إن إعلان الأزهر "أقرب إلى رسالة سياسية ودينية محسوبة بعناية، تعكس حجم الحساسية التي باتت تحكم العلاقة بين المؤسسة الدينية الأعرق في العالم السني وبين السلطة السياسية في مصر"، واصفا ملف "الأحوال الشخصية بأنه المعركة الأخيرة على المجال الشرعي".

ويواجه الأزهر الشريف وشيخه أحمد الطيب، ضغوطا واسعة من قبل رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، وسط محاولات لتقليص صلاحيته وتقديم كيانات أخرى تابعة لوزارة الأوقاف ودار الإفتاء، وهو جانب نشر عنه قبل أيام موقع "ميدل إيست آي" مؤكدا أن الرئاسة المصرية تمارس ضغوطا على الأزهر.

ونقل الموقع عن مصادر قولها، إن الرئاسة ضغطت على الأزهر، لإعلان دعمه العلني للإمارات ودول الخليج بمواجهة إيران، ملمحا إلى أنه لم يدن الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، رغم إدانته السابقة لعدوان الكيان المحتل على طهران، الصيف الماضي.

وتحدث إلى "عربي21"، أحد علماء الأزهر الشريف، وبرلماني مصري سابق، وخبير في القانون، وباحث مصري، عن محددات قانون يحافظ على كيان الأسرة والمجتمع، ولا يخالف الشريعة الإسلامية، ويغلق الأبواب أمام مشروعات الغرب واتفاقيات مثل "سيداو"، وتوجهات "نادي باريس"، وخطط العلمانيين بنشر الزواج المدني.

الخلاصة في الدستور


في رؤيته، قال أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الدكتور أحمد كريمة: "خلاصة القضية في تفعيل (المادة 7) من الدستور، والتي تقول إن الأزهر الشريف وحده (المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية)، والمطلوب فقط تفعيل هذه المادة واحترامها".

وفي حديثه لـ"عربي21"، استدرك: "لكن الآن أصبحنا نطالب بالمساواة في عرض القوانين على الأزهر، حيث أن أهل الكتاب في مصر عُرض على مرجعياتهم المعتمدة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين"، متسائلا: "فلماذا لم يعرض المشروع الخاص بالمسلمين على الأزهر الشريف".

وعن توجيه شخصيات مصرية للحديث عن إحياء بنود اتفاقية "سيداو"، وتوجيهات "نادي باريس"، ونشر الزواج المدني، أشار كريمة، إلى مخاطر "مؤتمرات السكان، وتحرك جهات ومنظمات دولية نحو عولمة قضايا المرأة وبالتالي عولمة الأسرة، وصناعة حالة من الاستقطاب عبر مؤتمرات أعدت ودراسات كتبت".

اظهار أخبار متعلقة



وكشف تنظيم المجلس القومي لحقوق الإنسان، 6 و7 أيار/مايو الجاري، نقاشا حول قانون "الأحوال الشخصية" الجديد في مصر وبحضور عدد من نواب البرلمان، عن وجود دور لـ"الاتحاد الأوروبي"، في دعم بنود ذلك القانون.

وفي حزيران/يونيو 2024، أطلق الاتحاد الأوروبي برنامج "تمكين" للمرأة المصرية، بمنحة 10 ملايين يورو على مدار 3 سنوات، لتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً، وهو ما يربطه البعض بالضغط نحو تعديلات تشريعية في قوانين الحضانة، والنفقة، والطلاق لتتماشى مع اتفاقية "سيداو".

ماذا عن قانون الأزهر؟


ووسط لغط المشروعات المقدمة حول الأسرة، أكد كريمة، أن الأزهر تقدم بمشروعه عام 2019، وأبرز من ساهموا فيه الدكتور محمد نبيل غنايم، ولم يُلتفت إليه بدعوى أن الأزهر ليس جهة تشريع، وهذه هي اللافتة أو المبرر الذي يرفعونه، رغم أن التشريع لله وللرسول ولا يوجد تشريع لغيرهما، بينما يجب تقنين الأمور الفقهية بأيدي علماء الشريعة، وفق قوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)".

وفي حين استنكر الشيخ، تقديم جهات وأحزاب سياسية لقوانين خاصة بالأسرة وعدم قبولها من الأزهر، كشف عن ملامح قانون 2019، الخاص بالأزهر، موضحا أن "خلاصته العدالة بين الزوجين والاحتكام إلى الشريعة الإسلامية والبعد عن التوجيهات والأجندات والاملاءات".

وأكد أن "ضمان أسرة ومجتمع متوازن وبلا أزمات بالعودة لصفاء ونقاء الشريعة"، مضيفا: "وبالأمس القريب لم تكن تحدث مشاكل للأسرة بهذا الشكل، لأنه كان هناك تقنين مبسط يراعي الأسرة، وليس المرأة فقط، فهناك فارق بين رعاية الأسرة من الأصول كالوالدين والأولاد والأحفاد والطرفان الزوجة والزوج، وكل هذا يجب مراعاته تحت مسمى الأسرة، ولكن أن ننصر طرفا على آخر، فهذا يناقض العدل".

الشريعة وصناعة التوازن


وضرب كريمة، أمثلة حول دور الشريعة الإسلامية بصناعة التوازن، ومنها: "ما يختص الحضانة التي تعني القيام على شؤون الصغير، وعند شرحها عمليا تعني مأكله ومشربه ومنامه وعلاجه، وهي أمور لا يستطيع القيام بها غير عنصر نسائي كالأم والجدة"، متسائلا: "هل يستطيع رجل تقديم الرعاية المطلوبة للصغار؟".

الأمر الثاني بحسب الأكاديمي الأزهري، هو الرؤية، مبينا أن "الشريعة لم تحدد لها عدد مرات، ولا مكان، لا حديقة عامة ولا قسم شرطة ولا حزب سياسي، إنما يُرى في مكانه مع وضع الضوابط لعدم الخلوة بالمطلقة".

ولفت ثالثا إلى "بساطة الشريعة الإسلامية، بملف النفقات، والتي تقوم وفقها على العدالة، وليست بنسبة معينة من الدخل تتسبب في حدوث تهرب وتزوير محررات"، مبينا أن "العدالة تعني حد الكفاية وليس الترف".

وأشار رابعا إلى "حق الكد والسعاية المطبق في دولة المغرب؛ بينما هذا الحق في التشريع الإسلامي بحالة واحدة فقط وهي وجود شراكة بين الزوجين بعمل زراعي، صناعي، تجاري، وغيرهم، وعندما يحدث انفصال خصصت الشريعة نفقات للزوجة بفترة العدة ونفقة للأولاد، ولم يقل أحد أن للمرأة نسبة من مال زوجها، وهذا يسمى استدراك على الشريعة".

تدمير وليس تمكين


وفي رؤيته قال السياسي والبرلماني المصري السابق، محيي عيسى: "كون مصر دولة إسلامية وفيها الأزهر الشريف منارة الإسلام الوسطي فطبيعي أن يصدر قانون ينبثق من الشريعة الغراء ينصف المرأة ولا يظلم الرجل".

وأكد أن "الإسلام عالج كل مشكلات الأسرة؛ والأزهر قادر على إنجاز قانون تكون محدداته بصفة عامة إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ويمكن المرأة من الخلع إذا كرهت زوجها وكان يبغي عليها، فهذا أفضل من الخيانة".

وأضاف: "وتبقى المشكلة الكبرى بعد وقوع الطلاق؛ لكن القرآن الكريم فصَّل كل شيء، فحال الطلقة الأولى، والثانية، يقول القرآن الكريم: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ)، ولم يقل بيوتكم بل نسب البيت للزوجة، وأمر الزوج بالإنفاق على طليقته وقت العدة، وبعد العدة لو كانت حاملا ينفق عليها، ولو أرضعت يعطيها أجر الرضاعة".

عيسى، أوضح، أن "ما يقال عن تمكين المرأة هو تدمير لها، ونرى في مجتمعاتنا العربية كيف تم تشويه الفطرة الأنثوية؟، وكيف تفقد المرأة طبيعتها الأنثوية بعد تمكينها؟، فتعمل وتكد وتنسى أنها أنثى، وتفقد رغبة الأمومة، فما يحاك الآن هو تدمير للمرأة والأسرة".

مناخ الشك والتوجس


وطرح السياسي والبرلماني المصري السابق أيمن صادق، السؤال: ما الذي يُحاك للأسرة فعلًا؟،مجيبا بقوله: قد لا تكون هناك (مؤامرة) بالمعنى الذي يتخيله البعض، لكن المؤكد أن الأسرة المصرية تُدفع تدريجيًا إلى مناخ من الشك والتوجس والخوف المتبادل".

وفي مقال له بـ"عربي21"، أضاف: "الرجل يخشى القانون، والمرأة تخشى الرجل، وكل طرف يدخل العلاقة وهو يتوقع الانفجار مسبقًا، وهنا تبدأ المجتمعات في التآكل من الداخل؛ لأن الأسرة ليست مجرد علاقة خاصة، بل آخر خط دفاع نفسي واجتماعي في أي دولة. وإذا تحولت إلى مساحة حرب دائمة، فإن المجتمع كله سيدفع الثمن لاحقًا، مهما بدا المشهد اليوم مجرد خلاف قانوني".
التعليقات (0)