اجتماع نادر تحت سقف القاعدة الأمريكية.. رسائل أمنية متبادلة بين واشنطن وكوبا

يحمل اختيار قاعدة خليج غوانتانامو لعقد الاجتماع العسكري بين واشنطن وهافانا دلالات عملية ورمزية في آن واحد. إكس
يحمل اختيار قاعدة خليج غوانتانامو لعقد الاجتماع العسكري بين واشنطن وهافانا دلالات عملية ورمزية في آن واحد. إكس
شارك الخبر
احتضنت قاعدة خليج غوانتانامو في كوبا اجتماعاً عسكرياً نادراً بين قيادات رفيعة من الولايات المتحدة وكوبا، وسط أجواء سياسية مشحونة وتصعيد متبادل في الخطاب بين البلدين.

اللقاء الذي عُقد أمس الجمعة، وجمع القائد الأمريكي فرانسيس إل. دونوفان مع نظيره الكوبي روبرتو ليغرا سوتولونغو، جاء في لحظة حساسة تشهد فيها العلاقات بين واشنطن وهافانا تدهوراً متسارعاً، على خلفية عقوبات اقتصادية متشددة واتهامات أمنية متبادلة، فضلاً عن مخاوف أميركية متصاعدة من تهديدات محتملة تستهدف القاعدة البحرية الأميركية في الجزيرة.

اجتماع أمني "عملي" ورسائل سياسية ضمنية


بحسب بيان صادر عن القيادة الجنوبية الأمريكية (SOUTHCOM)، فإن اللقاء ركّز على "تبادل الآراء حول مسائل الأمن العملياتي" وتقييم الوضع الميداني في محيط القاعدة الأميركية الأكثر حساسية خارج الأراضي الأميركية.

الجانب الأمريكي وصف الاجتماع بأنه جزء من جهود "تقليل المخاطر الأمنية وتعزيز قنوات التواصل"، فيما اكتفت وزارة القوات المسلحة الكوبية بتوصيف اللقاء بأنه "إيجابي"، مع الاتفاق على "إبقاء التواصل مفتوحاً" بين الجانبين.

ورغم الطابع التقني المعلن للاجتماع، فإن عقده في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية أوسع، خصوصاً في ظل التصعيد المتبادل والتقارير الاستخباراتية التي تحدثت عن سيناريوهات هجومية محتملة.

غوانتانامو.. نقطة احتكاك دائمة


تُعد قاعدة غوانتانامو الأمريكية، الواقعة في الجنوب الشرقي للجزيرة، واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقات الثنائية، إذ تمثل رمزاً تاريخياً للخلاف بين البلدين منذ عقود.

وتؤكد واشنطن أن القاعدة تمثل "ركيزة عملياتية ولوجستية" حيوية في عملياتها الإقليمية، بينما تعتبرها هافانا وجوداً عسكرياً مفروضاً على أراضيها دون موافقتها السيادية.

وفي الاجتماع الأخير، أجرى القائد الأمريكي تقييماً أمنياً للوضع داخل وحول القاعدة، وفق ما أعلنت القيادة الجنوبية، في إطار مراجعة مستمرة للإجراءات الدفاعية في مواجهة "التهديدات المحتملة".

خلفية توتر متصاعد


يأتي اللقاء في وقت تتصاعد فيه حدة التوتر بين البلدين، خصوصاً بعد فرض الولايات المتحدة قيوداً وعقوبات جديدة، بينها ما وُصف بـ "الحصار النفطي" على كوبا، ما زاد من تفاقم الأزمة الاقتصادية في الجزيرة.

كما زاد التوتر بعد تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن دراسة كوبيّة لخيارات عسكرية غير تقليدية، بينها استخدام طائرات مسيّرة، وهو ما دفع واشنطن إلى رفع مستوى التحذير الأمني حول القاعدة.

وفي هذا السياق، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كوبا بأنها تشكل "تهديداً استثنائياً" للأمن القومي الأمريكي، في تصريح يعكس تشدداً في مقاربة البيت الأبيض للملف الكوبي.

تحركات دبلوماسية متوازية رغم التصعيد


ورغم هذا المناخ المتوتر، تشير التطورات إلى استمرار قنوات التواصل غير المباشر بين البلدين.

ففي منتصف مايو، قام مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بزيارة إلى هافانا، التقى خلالها مسؤولين كوبيين رفيعي المستوى، في خطوة نادرة منذ سنوات.

كما سبق ذلك اجتماع دبلوماسي في العاصمة الكوبية في 10 أبريل، وهو أول لقاء من نوعه منذ 2016، في مؤشر على وجود رغبة مشتركة ـ رغم الخلافات ـ في إبقاء الحد الأدنى من الحوار قائماً.

اقتصاد مأزوم وضغوط متزايدة على هافانا


على الجانب الآخر من الأزمة، تواجه كوبا وضعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة، نتيجة استمرار العقوبات الأمريكية ونقص الوقود والمواد الأساسية، ما أدى إلى أزمات متكررة في الكهرباء والغذاء.

وتؤكد تقارير أن الانقطاعات الكهربائية أصبحت شبه يومية في عدة مناطق من البلاد، بالتزامن مع شح في السلع الأساسية.

وفي ظل هذا الوضع، تلقت كوبا مؤخراً شحنة مساعدات غذائية من الصين، بلغت نحو 15 ألف طن من الأرز، في إطار دعم متزايد من بكين للحليف الكاريبي.

روبيو: "تغيير ممكن دون قوة"


من جهته، صعّد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو موقفه تجاه الحكومة الكوبية، مؤكداً أن واشنطن عازمة على إحداث تغيير سياسي في الجزيرة، لكنها في الوقت ذاته تفضّل "الحل الدبلوماسي" وتتجنب اللجوء إلى القوة.

هذا التناقض بين التصعيد السياسي والإبقاء على قنوات الحوار يعكس، بحسب محللين، استراتيجية أمريكية تقوم على "الضغط مع فتح الباب للتفاوض".

ورغم أن اجتماع غوانتانامو الأخير حمل طابعاً تقنياً وأمنياً في ظاهره، إلا أنه يعكس واقعاً أكثر تعقيداً في العلاقات الأمريكية ـ الكوبيّة: توتر متصاعد، وتهديدات متبادلة، لكن أيضاً قنوات اتصال لم تُغلق بالكامل.

وبينما يتمسك كل طرف بمواقفه السياسية والأمنية، يبقى الاتفاق الوحيد الواضح حتى الآن هو "إبقاء التواصل"، في محاولة لتفادي انزلاق قد تكون كلفته أكبر من قدرة الطرفين على احتوائه.

لماذا اختير خليج غوانتانامو للاجتماع؟


يحمل اختيار قاعدة خليج غوانتانامو لعقد الاجتماع العسكري بين واشنطن وهافانا دلالات عملية ورمزية في آن واحد. فمن الناحية العملية، توفر القاعدة الأمريكية بيئة شديدة التأمين وبعيدة عن التجاذبات السياسية داخل العاصمتين، ما يجعلها موقعاً "محايداً أمنياً" لإجراء نقاشات حساسة تتعلق بالترتيبات العسكرية وتقييم المخاطر الميدانية.

كما أن وجود قناة اتصال عسكرية قائمة أصلاً في هذا الموقع، بحكم طبيعة القاعدة الأمريكية داخل الأراضي الكوبية، يجعلها خياراً مفضلاً لتبادل الرسائل الأمنية المباشرة بعيداً عن التعقيدات الدبلوماسية الرسمية.

أما من الناحية الرمزية، فإن عقد اللقاء داخل هذه النقطة تحديداً يعكس رغبة الطرفين في إبقاء الحوار في إطار "الاحتواء العسكري" أكثر من الانفتاح السياسي الشامل، بما يحدّ من أي انعكاسات إعلامية أو سياسية قد تترتب على عقده في عواصم أو عواصم ثالثة.

غوانتانامو في الذاكرة العربية والإسلامية


اكتسب خليج غوانتانامو حضوراً كثيفاً ومشحوناً في الوعي العربي والإسلامي عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، حين تحوّلت القاعدة إلى رمز عالمي لما سُمّي بـ "الحرب على الإرهاب".  فقد ارتبط اسم غوانتانامو في الإعلام الدولي، وخاصة العربي، بمركز احتجاز مثير للجدل احتُجز فيه مشتبه بهم من دول إسلامية عدة دون محاكمات تقليدية لفترات طويلة، وسط تقارير ومنظمات حقوقية تحدثت عن انتهاكات ومعاملة قاسية وظروف احتجاز استثنائية.

هذا الإرث جعل من اسم غوانتانامو أكثر من مجرد قاعدة عسكرية، بل رمزاً سياسياً وإنسانياً حادّ الدلالة، يستحضر في الذاكرة الجماعية العربية والإسلامية جدلاً واسعاً حول حقوق الإنسان وحدود القوة في زمن ما بعد 11 سبتمبر، وهو ما يضيف طبقة إضافية من الحساسية لأي نشاط أو اجتماع يُعقد في هذا المكان.
التعليقات (0)