ورد عن الإمام الشافعي: "إنما العلم
علمان: علم الدين وعلم الدنيا، علم الأديان وعلم الأبدان، فالعلم الذي للدين هو
الفقه، والعلم الذي للدنيا هو الطب".. كما نُقل عنه قوله: "لا تسكنن بلداً لا
يكون فيه عالم يفتيك عن دينك، ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك". ..
وقد وردت عن عدد من العلماء والحكماء عبر
العصور أقوال تحمل المعنى ذاته، وتؤكد أن صلاح الإنسان لا يكتمل إلا بصلاح دينه
وبدنه معاً.
وتعكس هذه المعاني إدراكاً مبكراً لأهمية
التخصص والمعرفة المنظمة، وأن لكل مجال أهله وأدواته وحدوده، وأن الخلط بين
المجالات أو التصدي لها بغيرعلم يؤدي إلى فساد في الفهم أو الضرر في التطبيق.
غير أن ما نشهده في العصر الحديث من حملات
استهزاء وتشكيك وغمز ولمز لا يمس أصحاب هذه التخصصات فحسب، بل يمتد أحياناً ليطعن
في أصل فكرة العلم ذاته، وفي قيمة الخبرة، وفي
مكانة المعرفة المتخصصة.
ففي المجال الديني، كثر الجدل غير المنضبط،
وبرزت محاولات للتفسير دون أدواته، أو للاجتهاد دون شروطه، أو للانتقاء من النصوص
وفق الأهواء، مع ما يرافق ذلك أحياناً من تشكيك في الثوابت أو تجاوز للضوابط
العلمية في الفهم والاستنباط.
وفي المقابل، لم يسلم الطب والعلوم الطبية
من موجة مشابهة، حيث أصبح من السهل على البعض الطعن في الأطباء وأهل الاختصاص، أو
تقديم
الرأي الشخصي والتجربة الفردية أو المحتوى المتداول على وسائل التواصل على
حساب المعرفة العلمية المبنية على البحث والدليل والتجربة..
لا تنهض المجتمعات إلا عبر احترام العلم وأهله، والتمييز بين الرأي والمعرفة، وبين الانطباع والدليل، وبين النقد البنّاء والهدم غير المنضبط. فحين يُفقد هذا التوازن، لا يخسر الأطباء أو العلماء وحدهم، بل يخسر المجتمع قدرته على الفهم الصحيح واتخاذ القرار السليم.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن هذه
العلوم تقوم
على تراكم معرفي طويل ومنهجية دقيقة لا يمكن استبدالها بالانطباع أو الحدس أو
التجربة المحدودة.
ولا يعني ذلك بالطبع أن العلماء أو الأطباء
بمنأى عن الخطأ، فالعصمة ليست لأحد بعد الأنبياء، والنقد العلمي الرصين والمراجعة
المستمرة جزء أساسي من تطور المعرفة.
إلا أن الفرق جوهري بين النقد المبني على
الأدلة والمنهج، وبين الهجوم القائم على الجهل أو التعميم أو الرغبة في الإثارة.
ويبقى السؤال: لماذا يتركز هذا النوع من
التهجم في كثير من الأحيان على أهل الدين والطب تحديداً؟
لعل ذلك يعود إلى أن هذين المجالين يرتبطان
بأهم ما يملكه الإنسان: دينه الذي يوجه منظومته القيمية ويشكل وعيه الأخلاقي،
وبدنه الذي تقوم عليه حياته وصحته، وبالتالي فإن أي تشكيك فيهما لا يبقى في حدود
الجدل النظري، بل يمتد تأثيره إلى حياة الناس اليومية وقراراتهم الأساسية.
كما أن حالة الضغط الاجتماعي والاقتصادي
والسياسي التي تعيشها بعض المجتمعات تسهم في خلق بيئة من التوتر وفقدان الثقة، ما
يدفع بعض الأفراد إلى إعادة التشكيك في كل ما يمثل سلطة معرفية أو مرجعية مستقرة.
ومع تراجع الثقة بالمؤسسات نتيجة أخطاء أو إخفاقات حقيقية أو متصورة، يحدث أحياناً
تعميم يؤدي إلى رفض الخبرة نفسها بدلاً من مراجعة الأداء وتصحيحه.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق
هذا التحول، إذ ألغت عملياً الفوارق بين المتخصص وغير المتخصص في الظهور والتأثير،
فأصبح الصوت العالي أو الانتشار السريع بديلاً في نظر البعض عن التخصص والمعرفة.
ومع تراكم المحتوى السريع والمختصر، تراجعت
القدرة على التمييز بين الرأي العلمي المبني على الأدلة والانطباع الشخصي أو
المحتوى المثير.
ومن العوامل المهمة كذلك تنامي انتشار
نظريات المؤامرة، حيث أصبح جزء من الخطاب العام يميل إلى تفسير الأحداث والظواهر
عبر شبكات خفية غير مرئية.
ولا يمكن إنكار أن وجود حالات تاريخية من
التضليل أو إخفاء المعلومات، سواء من قبل جهات رسمية أو غير رسمية، قد ساهم في
تغذية هذا الميل نحو الشك، إلا أن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا الشك إلى منهج
شامل، بحيث يتم إنكار كل حقيقة أو تفسيرها باعتبارها جزءاً من مؤامرة دائمة، بما
في ذلك المعرفة العلمية والخبرة التخصصية.
وفي هذا السياق، يمكن أن يصبح الطبيب في نظر
البعض جزءاً من مخطط، والعالم الديني امتداداً لجهة خفية، وتفقد الخبرة معناها
الموضوعي لمصلحة تفسيرات مسبقة لا تخضع لأي معيار علمي أو منهجي.
إن النقد العلمي مطلوب وضروري، بل هو شرط
لتطور المعرفة وتصحيح الأخطاء..
لكن حين يتحول النقد إلى هدم شامل، أو إلى
رفض لكل مرجعية، أو إلى تشكيك دائم بكل ما هو مثبت، فإن النتيجة تكون تآكل الثقة
بالمعرفة نفسها، لا تطويرها.
وفي النهاية، لا تنهض المجتمعات إلا عبر
احترام العلم وأهله، والتمييز بين الرأي والمعرفة، وبين الانطباع والدليل، وبين
النقد البنّاء والهدم غير المنضبط. فحين يُفقد هذا التوازن، لا يخسر الأطباء أو
العلماء وحدهم، بل يخسر المجتمع قدرته على الفهم الصحيح واتخاذ القرار السليم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.