تحذيرات من "الجهل السياسي".. بريطانيا إلى أين بعد موجة الشعبوية؟

بريطانيا ليست حالة معزولة، بل جزء من موجة شعبوية عالمية - الأناضول
بريطانيا ليست حالة معزولة، بل جزء من موجة شعبوية عالمية - الأناضول
شارك الخبر
مع تصاعد الخطاب الشعبوي اليميني في الولايات المتحدة عقب عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وصعود أحزاب يمينية متطرفة في عدد من الدول الأوروبية، تتجدد التساؤلات حول مستقبل الديمقراطيات الغربية وقدرتها على مواجهة الخطاب الشعبوي الذي يشكك في المؤسسات الديمقراطية ويدعو إلى تجاوز قواعدها السياسية التقليدية.

ويعتمد اليمين الشعبوي على تقديم حلول مبسطة لقضايا معقدة، عبر وعود سريعة بحل الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وتشديد القيود على الهجرة، وتصوير المهاجرين باعتبارهم تهديداً للاستقرار والرفاه، إلى جانب تقديم قادته أنفسهم باعتبارهم المنقذين من "فشل النخب السياسية".

بريطانيا.. عقد من الاضطرابات

وفي بريطانيا، التي تستعد لاستقبال سابع رئيس وزراء خلال أقل من عشر سنوات، يرى باحثون أن حالة عدم الاستقرار السياسي لا يمكن فصلها عن صعود الشعبوية منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، الذي أعاد رسم المشهد السياسي البريطاني.

وقال الأستاذ في جامعة لندن، عاطف الشاعر، إن البنية الاقتصادية والسياسية البريطانية تعرضت لهزة عميقة بعد "بريكست".

اظهار أخبار متعلقة


وأضاف في حديثه لـ"عربي 21" أن خطاب الشعبوية الذي رافق حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي "هز ثقة المواطنين بالنظام السياسي، الذي استجاب لهذا الخطاب بدلاً من مقاومته".

ويرى الشاعر أن بريطانيا تعاني اليوم من غياب قيادات سياسية قادرة على تجاوز تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، مضيفاً: "ستتعمق الأزمات إلى أن يُصحح هذا المسار الشعبوي، وتقترب بريطانيا مجدداً من أوروبا، بما قد يساهم في تحسين الاقتصاد وتراجع المزاج الشعبوي."

"الجهل السياسي"

ورغم أن بريطانيا تعد من أكثر الدول تقدماً على الصعيدين العلمي والأكاديمي، وواحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم، فإن الشاعر يرى أن مستوى الوعي السياسي لدى قطاع من المواطنين يشهد تراجعاً.

ويعزو ذلك إلى ما يصفه بدور بعض وسائل الإعلام في  تجهيل الجمهور عبر تبسيط القضايا المعقدة وإعادة إنتاج الخطاب الشعبوي، مؤكداً أن ما يطرحه "ليس موقفاً نخبوياً، بل قراءة للواقع"، فنسبة الجهل السياسي بين الناس في بريطانيا في تصاعد بحسب الشاعر، ويعتقد الأكاديمي والمحاضر أن ذلك يعود لتغذية الإعلام للجمهور بالجهل، مؤكدا أن ما يقوله ليس نظرة نخبوية بقدر ما هي واقعية، "فمن وقفوا خلف الخروج الكارثي من الاتحاد الأوروبي ما زالوا يتصدرون المشهد كمخلصين من الأزمات الاقتصادية، بالرغم من كل شواهد النكوص الاقتصادي والفساد السياسي  التي أوجدوها".

شعبوية عابرة للحدود

ويخلص الشاعر إلى أن بريطانيا ليست حالة معزولة، بل جزء من موجة شعبوية عالمية يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيراً إلى أن هذا الخطاب وجد صدى داخل قطاعات من المجتمع البريطاني، مستفيداً من حالة الاستياء الاقتصادي والسياسي.

ارتدادات بريكست

ويرى مراقبون أن حملة بريكست، التي قامت على شعارات استعادة السيادة الوطنية وتشديد الرقابة على الهجرة ومواجهة "النخب السياسية"، غيرت قواعد المنافسة السياسية في بريطانيا.

فبعد نجاح حملة الخروج، اضطرت الأحزاب الكبرى إلى تبني خطاب أكثر حدة للحفاظ على قواعدها الانتخابية، الأمر الذي أدى إلى تراجع ثقافة التوافق التي ميزت السياسة البريطانية لعقود، وازدياد الانقسامات داخل الأحزاب نفسها.

اظهار أخبار متعلقة


كما رفعت الشعبوية سقف توقعات الناخبين من الحكومات، عبر وعود بتحقيق نتائج سريعة في ملفات الاقتصاد والهجرة واستعادة النفوذ البريطاني. لكن مع اصطدام هذه الوعود بالواقع، تراجعت شعبية الحكومات بوتيرة متسارعة، ما أدى إلى سقوط عدد من رؤساء الوزراء بفعل ضغوط داخل أحزابهم قبل وصولهم إلى صناديق الاقتراع.

ربما لن تكون بريطانيا التي نعرفها

من جانبه، قال الباحث السياسي والأكاديمي اللبناني أحمد عجاج إن الديمقراطية، رغم مزاياها في جعل الناخب صاحب القرار، تبقى عرضة لاستغلال الخطاب الشعبوي.
وأضاف لـ"عربي 21" أن "الشعبوية قد تخدع الناخب وتستولي على صوته عبر وعود غير قابلة للتطبيق، فتحول المواطن من حكم على الأداء السياسي إلى ضحية لهذا الخطاب."

وأوضح أن ما حدث في بريطانيا يعكس هذه الإشكالية، إذ منح الناخبون كير ستارمر أغلبية برلمانية كبيرة أملاً في تحسين أوضاعهم المعيشية، لكن تراجع الأداء أدى سريعاً إلى خسائر انتخابية في الانتخابات المحلية.

وحذر عجاج من أن فشل أي حكومة جديدة، بما فيها حكومة قد يقودها آندي بورنهام، قد يفتح الباب أمام صعود أكبر لليمين المتشدد، وهو ما قد يحدث تحولاً عميقاً في المشهد السياسي البريطاني “وربما لن تكون بريطانيا التي نعرفها".

وحذر محللون من أن استمرار صعود الشعبوية سيجعل تحقيق الاستقرار السياسي أكثر صعوبة، إذ تجد الأحزاب التقليدية نفسها مضطرة إلى ملاحقة المزاج الشعبي المتقلب بدلاً من التركيز على سياسات طويلة الأمد، بينما يؤدي الاستقطاب الحاد إلى إضعاف فرص بناء توافقات مستقرة داخل البرلمان وخارجه.

التعليقات (0)