كيف غيرت ولاية ترامب الثانية نظرة الصينيين إلى الولايات المتحدة؟

مستشار تعليمي صيني قال إن الولايات المتحدة باتت تُنظر إليها داخل الصين باعتبارها فوضوية للغاية- الأناضول
مستشار تعليمي صيني قال إن الولايات المتحدة باتت تُنظر إليها داخل الصين باعتبارها فوضوية للغاية- الأناضول
شارك الخبر
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا للصحفية لي يوان تناولت فيه التحول العميق في نظرة الصينيين إلى الولايات المتحدة خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيرة إلى أن صورة أمريكا بوصفها رمزا للثراء والتقدم والثقة المؤسسية تعرضت لاهتزاز كبير داخل الصين.

واستعادت الصحفية زيارة ترامب إلى الصين أواخر عام 2017، حين استقبله الرئيس الصيني شي جين بينغ بعرض ضخم للتاريخ والثقافة الصينية، شمل جولة خاصة استمرت أربع ساعات داخل المدينة المحرمة واختتمت بعرض لفرقة أوبرا بكين.

وأضافت أن ترامب يعود إلى بكين بعد ثماني سنوات، وبعد جائحة عالمية وحربين تجاريتين، في وقت باتت فيه أخبار الهيمنة المستقبلية للصين تتصدر المشهد الإعلامي المحلي والدولي، مع الحديث عن الروبوتات الراقصة وأسراب الطائرات المسيرة والسيارات الكهربائية.

وأوضحت أن الصين لم تعد تقدم نفسها باعتبارها حضارة تسعى للحاق بالغرب، بل كقوة عظمى تستعد لتجاوزه، مشيرة إلى أن قوميين صينيين ومعلقين موالين للدولة يرون أن ترامب أسهم بنفسه في تعزيز رؤية شي جين بينغ القائمة على فكرة "صعود الشرق وتراجع الغرب".

وقالت إن كثيرا من الصينيين كانوا ينظرون لعقود إلى الولايات المتحدة بمزيج من الإعجاب والحسد والاستياء، باعتبارها نموذجا للنجاح الاقتصادي والتكنولوجي، وحتى منتقدو واشنطن كانوا يفترضون نجاح النظام الأمريكي، إلا أن صعود ترامب وولايته الثانية المضطربة "حطما تلك الصورة".

وفي كانون الثاني/ يناير، نشر مركز أبحاث قومي تابع لجامعة رنمين في بكين تقريرا احتفاليا عن السنة الأولى لترامب بعد عودته إلى السلطة، اعتبر فيه أن تعريفاته الجمركية وسياساته المناهضة للهجرة وهجماته على الحلفاء والمؤسسة السياسية الأمريكية "عززت الصين دون قصد وأضعفت الولايات المتحدة"، تحت عنوان: "شكرا لترامب".

ووصفت ترامب بأنه "مسرّع للتدهور السياسي الأمريكي"، معتبرا أن الولايات المتحدة تنزلق نحو الاستقطاب والخلل المؤسسي وحتى "عدم الاستقرار على غرار أمريكا اللاتينية"، كما رأى معدّوه أن عداءه للصين تحول إلى "دافع عكسي" أسهم في توحيد البلاد وتعزيز الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي، مضيفة: "في هذه اللحظة الحاسمة من التاريخ، نسمع دقات جرس نهاية الإمبراطورية الثقيلة والمؤلمة".

اظهار أخبار متعلقة



وأشارت إلى أن هذا الخطاب، الذي كان محصورا سابقا في الزوايا القومية للإنترنت الصيني، أصبح يتسلل بشكل متزايد إلى الخطاب السياسي السائد.

وبحسب دراسة أجراها باحثان من معهد بروكينغز، فقد تضاعف تقريبا استخدام المصطلحات المرتبطة بـ"التراجع الأمريكي" في المصادر الرسمية الصينية خلال عام 2025.

وأكدت أن رواية "التراجع الأمريكي" لم تبدأ مع ترامب، إذ دأبت وسائل الإعلام الرسمية الصينية لسنوات على تسليط الضوء على حوادث إطلاق النار الجماعي والتشرد والاستقطاب السياسي والتفاوت الاقتصادي في الولايات المتحدة باعتبارها دليلا على إخفاق الديمقراطية الغربية.

وأضافت أن الإعلام الرسمي الصيني تبنى مؤخرا تعبير "خط القتل" المستعار من ثقافة ألعاب الفيديو لوصف ما يراه "انحدارا لا رجعة فيه" يواجه الطبقات العاملة الأمريكية، معتبرة أن الحزب الشيوعي يستخدم هذا الخطاب لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية في الصين.

وأوضحت أن عودة ترامب إلى السلطة وما رافقها من قرارات متقلبة في السياسة الداخلية والخارجية وفرت كما ضخما من المواد الدعائية الجديدة، مع انتشار صور مداهمات الهجرة وأحداث إطلاق النار في مينيابوليس والانقسامات السياسية الحادة على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، مصحوبة بتعليقات تتحدث عن "الخلل الوظيفي الأمريكي".

ونقلت عن مستشار تعليمي صيني يبلغ من العمر 31 عاما، يعمل في تقديم الاستشارات للعائلات الراغبة بإرسال أبنائها للدراسة في الخارج، قوله إن الآباء الذين كانوا يحلمون سابقا بإرسال أبنائهم إلى جامعات أمريكية مرموقة باتوا يرون أمريكا "فوضوية للغاية".

وأوضح المستشار، الذي عرّف عن نفسه باسم عائلته فقط "وانغ" خوفا من انتقام الحكومة، أن أكثر من 80 بالمئة من طلابه كانوا يفكرون قبل عقد بالدراسة في الولايات المتحدة، بينما انخفضت النسبة حاليا إلى نحو 45 بالمئة.

وقال وانغ إن مشاهد اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 كانون الثاني/ يناير 2021 ذكّرته بالحرس الأحمر الذين استخدمهم ماو تسي تونغ خلال الثورة الثقافية لتفكيك مؤسسات الدولة، مضيفا أن هذا الشعور عاد بقوة مع حملات مداهمة المهاجرين واستهداف الخصوم خلال ولاية ترامب الثانية.

وأضاف: "أمريكا التي كانت تمثل الثروة والحرية والثقة المؤسسية تبدو وكأنها تنتمي إلى عصر آخر".

اظهار أخبار متعلقة



ولفتت الصحفية إلى أن نقاشات محللي السياسة الخارجية في الصين باتت تركز على ما يمكن أن تكسبه بكين من العلاقة "النفعية" مع واشنطن في عهد ترامب مقارنة بفترة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

وخلال فعالية إعلامية بُثت مباشرة أواخر عام 2025، قال أستاذ جامعة شنغهاي للدراسات الدولية هوانغ جينغ: "الصين وحدها قادرة على إنقاذ ترامب"، معتبرا أن الرئيس الأمريكي يحتاج إلى إنجازات اقتصادية ملموسة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وأوضح أن شراء الصين لفول الصويا والذرة والغاز الطبيعي الأمريكي يمكن أن يساعد ترامب انتخابيا في الولايات المتأرجحة، مضيفا: "منذ عهد ترامب، أصبحت الولايات المتحدة أكثر ميلا إلى التنازلات".

كما قدم الباحث في الدراسات الأمريكية بجامعة فودان، وو شينبو، تقييما مشابها خلال الفعالية نفسها، قائلا إن خسارة الجمهوريين المحتملة لمجلس النواب قد تدفع ترامب للتركيز على إرثه في السياسة الخارجية، ما قد يفتح الباب أمام تقارب أكبر مع بكين.

وأضاف وو أن على الصين "استغلال هذه الفرصة على أكمل وجه".

وأشارت الصحفية إلى أن الحرب مع إيران عززت الاعتقاد داخل الصين بأن بكين تمتلك "اليد العليا" في مواجهة ترامب، إذ قال وو خلال مؤتمر عقد أواخر نيسان/ أبريل إن الحرب استنزفت الجهود العسكرية والدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط وقلصت نفوذ واشنطن على الصين.

وذكرت أن هذا المنطق يفسر كون الخطاب الرسمي الصيني تجاه ترامب أقل عدائية مقارنة بخطابه تجاه بايدن.

وبحسب مشروع استخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل نحو 7000 بيان رسمي صيني منذ عام 2021، فإن بايدن قُدم داخل الخطاب الصيني باعتباره تهديدا أكثر شمولية، حتى إن شي جين بينغ اتهم واشنطن سابقا بمحاولة "التطويق والقمع".

في المقابل، أشارت الدراسة إلى أن "نهج ترامب النفعي مفهوم لدى بكين ويمكنها التعاون معه".
ورغم ذلك، أكدت الصحيفة أن اقتناع الصين بتراجع الولايات المتحدة لم يتحول إلى سياسة مواجهة مباشرة على غرار ما فعلته روسيا قبل غزو أوكرانيا.

اظهار أخبار متعلقة



وأضافت أن بكين أصبحت أكثر حزما عبر ممارسة الضغوط على حلفاء واشنطن وتوسيع أنشطتها العسكرية حول تايوان، إلى جانب فرض قيود على صادرات المعادن النادرة ردا على تعريفات ترامب الجمركية، لكنها لا تزال حذرة من مواجهة مباشرة مع واشنطن.

وأوضحت أن هذا الحذر يعود إلى اعتقاد عدد من الاستراتيجيين الصينيين بأن إدارة ترامب ستواصل التعثر من تلقاء نفسها، إضافة إلى خشية بكين من أن تصبح الولايات المتحدة "الأكثر اضطرابا" أكثر تقلبا وخطورة.

ونقلت عن الخبيرة الاقتصادية في مجلس العلاقات الخارجية، زونغ يوان زوي ليو، قولها إن الاقتصاد الصيني المعتمد على التصدير يحتاج إلى نظام دولي مستقر، مضيفة: "إن الولايات المتحدة المتقلبة تهدد هذا الاستقرار بطرق لم تفعلها أمريكا الواثقة والمستقرة قط".

واعتبرت: "أن الرئيس شي جين بينغ يحصل على الولايات المتحدة التي طالما أرادها، وفي الوقت نفسه، على أمريكا التي كان يخشاها أكثر".
التعليقات (0)