تناول
تقرير لصحيفة "ازفيستيا" الروسية المناورات
النووية التي تجريها
روسيا وبيلاروسيا باعتبارها رسالة ردع في مواجهة توسع الناتو وتزايد احتمالات المواجهة الاستراتيجية.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن روسيا وبيلاروسيا أعلنتا في 19 آيار/ مايو بدء مناورات عسكرية تستمر لثلاثة أيام، تركز على اختبار الجاهزية في استخدام وإدارة القوات النووية الاستراتيجية.
وتضيف الصحيفة أن هذه التدريبات تأتي بالتزامن مع الزيارة الرسمية التي يقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير
بوتين إلى
الصين، وهو ما اعتبره خبراء مؤشراً على استقرار منظومة القيادة والسيطرة للقوات الاستراتيجية الروسية، حتى في حال تواجد الرئيس خارج البلاد.
وبحسب وزارة الدفاع الروسية، تشارك في المناورات أكثر من 7.8 آلاف وحدة من المعدات العسكرية، و13 غواصة، وأكثر من 140 طائرة.
وتهدف هذه التحركات إلى التأكد من جاهزية جميع مكونات
الثالوث النووي، وتعزيز التنسيق الدفاعي بين موسكو ومينسك في إطار "دولة الاتحاد"، إلى جانب توجيه رسالة ردع واضحة إلى حلف شمال الأطلسي، في ظل استمرار توسع نطاقه.
اظهار أخبار متعلقة
إشارة من بكين
ونقلت الصحيفة عن الخبير العسكري دميتري كورنيف أن تزامن هذه المناورات مع زيارة بوتين إلى الصين ليس أمراً عشوائياً، بل يحمل دلالات تتجاوز التدريب العسكري البحت، ليشكّل في الوقت نفسه رسالة موجهة إلى الغرب.
وأوضح كورنيف أن وجود القائد الأعلى خارج البلاد لا يفرض أي قيود على إدارة الترسانة النووية، مؤكداً أن منظومة القيادة الحديثة للقوات الاستراتيجية الروسية تستبعد تماماً أي "منطقة عمياء"، إذ تتيح تقنياً إصدار الأوامر من أي مكان في العالم، سواء من على متن طائرة أو من خارج أراضي روسيا.
وأضاف كورنيف أن اختبار قنوات الاتصال في مثل هذه الظروف قد يكون أحد العناصر الأساسية، وإن كانت غير المعلنة، ضمن عملية التحقق من جاهزية المنظومة.
ونسبت الصحيفة الى الخبير العسكري والإستراتيجي فيكتور ليتوفكين أنه على خلاف ما يُروَّج من تكهنات حول "عنصر المفاجأة"، فإن نهج موسكو في قضايا الاستقرار الاستراتيجي يتسم بالشفافية.
إذ تم، وفقاً للمصادر، إبلاغ الطرف المحتمل بالاختبارات المخطط لها مسبقاً عبر القنوات الدبلوماسية المغلقة بين وزارة الخارجية الروسية ووزارة الخارجية الأمريكية.
وفي هذا السياق، أشار ليتوفكين إلى أنه حتى في ظل تعليق العمل بمعاهدة "ستارت" للحد من الأسلحة الاستراتيجية، لا تزال التزامات الإخطار المتبادل تُنفذ بدقة. كما أكدت وزارة الدفاع في روسيا البيضاء أن هذه المناورات مدرجة ضمن الخطة التدريبية السنوية.
اختبار الثالوث النووي
وذكرت الصحيفة أنه وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية، يشارك في هذه المناورات أكثر من 64 ألف فرد من القوات، وما يزيد على 7.8 آلاف وحدة من المعدات العسكرية، وأكثر من 200 منصة إطلاق صواريخ، وما يزيد على 140 طائرة، إضافة إلى 73 سفينة سطحية و13 غواصة.
ويتوقع خبراء أن تتضمن مراحل المناورات تنفيذ إطلاقات تدريبية قتالية لصواريخ داخل ميادين الاختبار الروسية.
وفي هذا السياق؛ رجّح كورنيف تنفيذ تجربة إطلاق من منظومة الصواريخ المتحركة "يارس" من قاعدة بليسيتسك الفضائية باتجاه ميدان "كورا" في كامتشاتكا.
كما أشار إلى أن السيناريو البحري قد يشمل استخدام صواريخ باليستية من طراز "بولافا" أو "سينيفا" تُطلق من غواصات استراتيجية، إضافة إلى اختبار صواريخ كروز "كاليبر" المزودة برؤوس نووية. أما في المجال الجوي، فمن المتوقع أن تنفذ أطقم القاذفات الإستراتيجية من طراز "توبوليف تو 95" أو "توبوليف تي يو 160" تدريبات على إطلاق صواريخ دقيقة التوجيه من طراز "خا 101".
وبحسب ليتوفكين؛ فإن الانتشار المتزامن لـ13 غواصة، من بينها ثماني غواصات صاروخية استراتيجية وخمس غواصات نووية متعددة المهام، يعكس مستوى عالياً من الجاهزية القتالية.
وأوضح ليتوفكين أن الغواصات متعددة المهام تتولى مهمة حماية حاملات الصواريخ الإستراتيجية وتأمين قدراتها على التخفي، مشيراً إلى أن تسليحها بصواريخ فرط صوتية من طراز "تسيركون" وصواريخ كروز "أونيكس" يمنحها القدرة على التصدي لأي تهديد محتمل، بما في ذلك مجموعات حاملات الطائرات.
اظهار أخبار متعلقة
وفي سياق متصل؛ كان قائد قوات الصواريخ الإستراتيجية في روسيا سيرغي كاراكايف قد قدّم تقريراً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن نجاح اختبار الصاروخ الباليستي العابر للقارات الثقيل "سارمات". ووصف بوتين هذا النظام بأنه الأقوى في العالم، مشيراً إلى أن قدراته تفوق نظيراتها الغربية بأكثر من أربعة أضعاف.
الرد على انتهاكات "شنغن العسكرية" ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية
وفي هذا السياق؛ أشار الخبير العسكري فاديم كوزيولين إلى ما وصفه ببناء "شنغن عسكري" على حدود روسيا، إلى جانب إنشاء مراكز لوجستية لتسريع نقل القوات، فضلاً عن توسع الحلف عبر انضمام السويد وفنلندا.
وأضاف أن بعض وزراء الدول الأوروبية يوجهون تهديدات مباشرة إلى منطقة كالينينغراد، في حين يجري داخل الحلف نقاش علني حول احتمال مواجهة مباشرة مع روسيا في أفق 2028–2030.
وفي ظل هذه التطورات، يرى كوزيولين أن تدريب موسكو ومينسك على استخدام الأسلحة النووية المتمركزة في بيلاروسيا يُعدّ أمراً منطقياً ومبرراً، مؤكداً أن القوات المشتركة يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع أي تصعيد محتمل، وأن تمتلك القدرة العملية على استخدام هذه القدرات الدفاعية عند الضرورة لحماية حدودها.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب كوزيولين بدأ الغرب ينظر بشكل متزايد إلى إمكانية الانخراط العملي لحلف شمال الأطلسي في المواجهة الجارية.
وحذّر من أنه في حال دخول دول الحلف بشكل مباشر في الصراع الأوكراني، فإن ذلك قد يؤدي حتماً إلى انتقاله إلى مستوى نووي، مؤكداً ضرورة أن تكون موسكو ومينسك على أتم الاستعداد لمثل هذا السيناريو.
وفي الوقت نفسه؛ شدد على عدم جواز المبالغة أو المضاربة في هذا الملف، لافتاً إلى أن العقيدة العسكرية الروسية واضحة وعلنية، وتتضمن بشكل دقيق جميع الشروط التي تحدد طبيعة الرد المحتمل في حال التصعيد.
من جانبه، يستبعد ليتوفكين أن يأتي رد مماثل من جانب حلف شمال الأطلسي على المدى القريب، في ظل غياب قدرة موحّدة ومتكاملة داخل الحلف تضاهي هذا المستوى من الجاهزية.
ويشير إلى أن البنية النووية الأوروبية تظل محدودة؛ إذ تعتمد بريطانيا بشكل كامل على صواريخ "ترايدنت" الأمريكية، بينما تحتفظ فرنسا بسياسة نووية مستقلة نسبياً وخارج إطار التكامل النووي للحلف.
ويضيف ليتوفكين أن الحلف، بحسب تعبيره، يواصل خرق معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بشكل منهجي، من خلال نشر نحو 150 قنبلة نووية تكتيكية أمريكية في كل من إيطاليا وهولندا وبلجيكا وألمانيا وتركيا، إلى جانب تدريب طيّارين محليين على استخدامها.
وفي ختام التقرير تنقل الصحيفة عن ليتوفكين قوله إن المناورات الدفاعية الروسية تبدو خطوة منسجمة مع طبيعة التوازنات العسكرية الراهنة وضروراتها.