كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن التوترات الناتجة عن الحرب في
إيران بدأت تلقي بظلالها على العلاقة بين
الإمارات وباكستان، في وقت تواجه فيه إسلام آباد تداعيات دبلوماسية واقتصادية متصاعدة بعد محاولاتها للمساعدة في إنهاء الحرب.
وقالت الصحيفة، في
تقرير لها الجمعة، ترجمته "عربي21": إن الإمارات بدأت حملة واسعة النطاق لترحيل عمال
باكستانيين، في خطوة تهدد مصدرا أساسيا للتحويلات المالية وفرص العمل بالنسبة لباكستان.
وأشارت إلى أن أبوظبي تبدو منزعجة من عدم إدانة إسلام آباد للهجمات الإيرانية على الإمارات "بقوة أكبر"، رغم أن باكستان كانت تحاول لعب دور الوسيط بين
الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق سلام، إذ تحملت الإمارات الجزء الأكبر من تلك الهجمات، بعدما تعرضت لآلاف الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأجرت الصحيفة مقابلات مع أكثر من 20 باكستانيا من الطائفة الشيعية كانوا يعملون لدى شركات إماراتية، وقالوا جميعا إنهم اعتُقلوا بصورة مفاجئة ثم احتُجزوا قبل ترحيلهم خلال الشهر الماضي، موضحة أن ثمانية رجال أعمال يملكون شركات في الإمارات أكدوا أن موظفين باكستانيين لديهم تعرضوا للترحيل خلال الأسابيع الأخيرة.
وبحسب رجال دين شيعة في باكستان، فإن آلاف الشيعة الباكستانيين ربما رُحّلوا من الإمارات منذ منتصف نيسان/ أبريل الماضي، مضيفة أن الشيعة في باكستان، الذين يقدر عددهم بنحو 35 مليون نسمة، يواجهون بشكل متكرر أعمال عنف طائفية داخل البلاد، رغم ارتباطهم الروحي العميق بإيران.
ورغم اتساع نطاق عمليات الترحيل، فإن أسبابها لا تزال غير واضحة، فيما يواصل البلدان التأكيد على قوة العلاقات الثنائية بينهما.
وبدوره، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، وجود عمليات ترحيل جماعية بحق المواطنين الباكستانيين، مؤكدا أن المرحّلين "ارتكبوا جرائم في الإمارات".
وفي المقابل، قال المعلق الإماراتي اللبناني المقرب من الحكومة، نديم قطيش: "لقد شرعت باكستان في هذه المبادرة دون تنسيق كاف مع الإمارات".
والشهر الماضي، استدعت الإمارات قرضا بقيمة 3.5 مليار دولار كانت قد منحته لباكستان، وهو ما يعادل نحو خُمس احتياطياتها الأجنبية، فيما تدخلت السعودية عبر تقديم وديعة بقيمة 3 مليارات دولار لدعم احتياطيات باكستان من العملات الأجنبية.
اظهار أخبار متعلقة
ونقلت الصحيفة عن حسين حقاني، الدبلوماسي الباكستاني السابق والباحث في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، قوله: "لقد صُدمت الإمارات لأن باكستان لم تدعمها ضد إيران، وصُدمت باكستان لأن الإمارات صُدمت".
ويعيش في الإمارات أكثر من مليوني باكستاني، حوّلوا أكثر من 8 مليارات دولار إلى بلادهم خلال العام الماضي.
وقال وزير المالية الباكستاني السابق مفتاح إسماعيل إن الحفاظ على علاقات جيدة مع الإمارات "أمر مهم لباكستان"، لكنه أضاف: "لا أعرف ما هو المسار الآخر الذي كان يمكن لباكستان أن تختاره في الحرب".
وفي ظل هذه الأزمة، وجد العمال الباكستانيون أنفسهم في قلب التوتر السياسي، حيث قال قادة مجتمعيون إن عددا من المرحّلين عادوا إلى بلادهم دون ممتلكاتهم أو أي تفسير رسمي.
ومن جانبه، أكد النائب السابق نديم أفضل تشان أن ما لا يقل عن 100 عامل في دائرته الانتخابية بإقليم البنجاب، ومعظمهم من الشيعة، تعرضوا للترحيل خلال الأسابيع الماضية.
وفي شمال غرب باكستان، عاد نحو 900 رجل إلى قراهم ذات الغالبية الشيعية خلال الأسابيع الأخيرة، بحسب قادة محليين.
كما قال رجل الدين الشيعي محمد أمين شهيدي، المقيم في إسلام آباد، إن منظمته سجلت 5000 أسرة مرحّلة، مضيفا: "هناك تصور في الخليج بأن كل شيعي يدعم إيران"، مشيرا إلى أن التواصل مع الحكومة الباكستانية "لن يكون مجديا بالنظر إلى سوء العلاقة".
وأوضح شهيدي وآخرون أن عمليات الترحيل بدأت بعد أن ساعدت باكستان في التوسط لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 نيسان/ أبريل.
كما غادر عدد غير معروف من العمال الباكستانيين الإمارات بعد فقدان وظائفهم بسبب الحرب.
وروى علي حمزة، البالغ من العمر 25 عاما، والذي كان يعمل مسؤولا أمنيا في شركة لوجستية إماراتية، أنه اقتيد في 13 نيسان/ أبريل من مكتبه بواسطة ضابط بملابس مدنية إلى مركز احتجاز العوير، قبل ترحيله إلى باكستان في 21 من الشهر نفسه.
كما تحدث 12 باكستانيا آخرين عن تجارب مشابهة، موضحين أنهم احتُجزوا أياما دون إبلاغهم بأسباب الاعتقال، قبل ترحيلهم بواسطة وثائق سفر طارئة أصدرتها القنصلية الباكستانية في الإمارات تعرف باسم "أوت باس"، حيث حيدر علي بانغاش، وهو سائق أجرة من شمال غرب باكستان: "لم يعطونا أي سبب، لكننا فهمنا. جريمتنا الوحيدة هي أننا شيعة".
وأضاف التقرير أن وثائق قنصلية اطلعت عليها الصحيفة تضمنت عبارة "مسجون/هارب" كسبب للترحيل.
اظهار أخبار متعلقة
وقال أحد سائقي الأجرة في دبي إن راتبه الشهري البالغ 1000 دولار كان يعيل 14 فردا من أسرته، لكنه رُحّل في 19 نيسان/ أبريل مع عشرات آخرين.
كما كشف مالك شركة مقاولات في أبوظبي أن سلطات الهجرة طلبت منه إحضار موظف باكستاني شيعي إلى مركز احتجاز، قبل إلغاء تأشيرته وإمهاله 48 ساعة لمغادرة البلاد.
وتحدثت الصحيفة إلى 12 من مديري الأعمال في الإمارات، بينهم أصحاب مدارس خاصة ومطاعم، أكدوا أن سلطات الهجرة إما رحّلت موظفين باكستانيين أو أوقفت إصدار وتجديد التأشيرات لهم.
وربطت الصحيفة بين ما يتعرض له الباكستانيون الشيعة وبين ما واجهه بعض الإيرانيين في الإمارات، الذين قالوا إن تأشيراتهم ألغيت وشُكك في ولائهم رغم العلاقات الطويلة بين البلدين، وساهمت الحرب في تأجيج الخطاب الطائفي داخل بعض دول الخليج، حيث اتُهم بعض المواطنين، ومعظمهم من الشيعة، بتمرير معلومات إلى إيران وحلفائها.
وأشارت إلى أن شعارات "كلنا إماراتيون" التي انتشرت في دبي بعد الهجمات الإيرانية تحولت لاحقا إلى "شكل إقصائي من القومية" يشكك في ولاء المقيمين والمواطنين.
ورغم ذلك، أوضحت الصحيفة أن جماعات شيعية أخرى في الإمارات، مثل العراقيين واللبنانيين، لم تواجه عمليات ترحيل مشابهة، ما يشير إلى أن الأزمة ترتبط أكثر بالخلاف السياسي بين الإمارات وباكستان.
كما حذرت الصحيفة من أن تجد باكستان نفسها عالقة بين الإمارات والسعودية، في ظل اتساع الخلافات بين البلدين بشأن ملفات إقليمية متعددة.
ووقعت باكستان والسعودية العام الماضي اتفاقية دفاع مشترك تنص على اعتبار أي هجوم على أحد البلدين اعتداء على الآخر.
ونقلت عن الباحث في المجلس الأطلسي مايكل كوغيلمان قوله إن الإمارات "غير راضية عن استمرار العلاقات الدافئة بين باكستان والسعودية، كما أنها غير راضية عن الخطوات التي اتخذتها باكستان لوضع نفسها في موقع أقرب إلى إيران".