تسعى
باكستان في الآونة الأخيرة إلى تعزيز حضورها على الساحة الدبلوماسية الدولية عبر طرح نفسها كوسيط محتمل في المحادثات بين
الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن قدرتها على لعب دور يتجاوز الاستضافة اللوجستية إلى التأثير الفعلي في مسارات التفاوض.
تناول موقع "ريسبونسيبل ستيتكرافت" سعي باكستان لإعادة تقديم نفسها كوسيط دبلوماسي عبر استضافة المحادثات الأمريكية
الإيرانية، مشيرا إلى أن صعود إسلام أباد في هذا الدور يواجه قيودا مؤسسية وسياسية، رغم وجود تفاؤل حذر بإمكانية تطوير هذا المسار مستقبلا.
وأوضح الموقع، في
تقرير ترجمته "عربي21"، أن باكستان وجدت نفسها مؤخرا في دائرة الضوء لأسباب غير معتادة، مع تصاعد شعور داخلي بالانتشاء نتيجة محاولة إعادة رسم صورتها من دولة ارتبط اسمها بالإرهاب وعدم الاستقرار إلى وسيط يسعى للسلام.
وأثارت استضافة المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران وسط حرب إقليمية غير مسبوقة تكهنات حول إمكانية تحول إسلام أباد إلى "أوسلو الشرق"، أي منصة دبلوماسية رفيعة المستوى، إلا أن الواقع أكثر تعقيدا، إذ إن استضافة المفاوضات لا تعني بالضرورة القدرة على التأثير في نتائجها.
اظهار أخبار متعلقة
وجاء اختيار باكستان مقرا للمحادثات نتيجة تلاقي عدة عوامل، من بينها اعتبار إيران لها طرفا موثوقا بحكم موقعها كدولة مجاورة وخارج دائرة الضغط الغربي المباشر، في حين خرجت سلطنة عمان من المعادلة بعد تعرضها لعدة هجمات إيرانية.
ولفت التقرير إلى أن الصين لعبت دورا محوريا في دعم الخيار الباكستاني، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع إسلام أباد وطهران، بينما ساهمت العلاقة القوية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في ترجيح كفة باكستان كمضيف للمحادثات.
ونقل عن الدكتور محمد محسن أبو النور، أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة قناة السويس، قوله إن باكستان "قادرة على الحفاظ على علاقات بناءة مع واشنطن وطهران في آن واحد"، مشيرا إلى أن قوتها تكمن في قدرتها على الموازنة بين الأطراف بدل الانحياز، وهي مهارة نادرة في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
جذور دبلوماسية ممتدة
استعرض التقرير سوابق باكستان في لعب أدوار الوساطة، موضحا أنها ساهمت في التوصل إلى اتفاقيات جنيف عام 1988 التي أنهت الحرب السوفيتية في أفغانستان، كما لعبت دورا في فتح قنوات سرية بين الولايات المتحدة والصين في السبعينيات، ما مهّد لزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أن هذه الجهود لم تكن منفردة، بل جاءت ضمن مسارات دبلوماسية متعددة شاركت فيها أطراف مختلفة، كما أن المبادرة الحالية تندرج ضمن تنسيق أوسع، يتجلى في الاجتماعات الموازية التي عقدت في إسلام أباد بين وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وجهات إقليمية أخرى، في محاولة لبناء منصة سياسية بديلة عن جامعة الدول العربية.
مقارنة بين أوسلو والنموذج الباكستاني
قارن التقرير بين تجربة النرويج في أوسلو والنموذج الباكستاني، مشيرا إلى أن نجاح أوسلو ارتبط بسمعة النرويج كدولة محايدة تمتلك مؤسسات ناضجة وقدرة دبلوماسية مستمرة.
وأوضح أن باكستان تقدم نموذجا مختلفا يعتمد على قنوات عسكرية راسخة ومعرفة دقيقة بالمنطقة ومرونة تكتيكية، إلى جانب خبرتها في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
ونقل عن أمينة خان من معهد الدراسات الاستراتيجية في إسلام أباد قولها إن باكستان لا تسعى لتقليد النموذج النرويجي، بل تتبنى نهجا أكثر انخراطا في محيطها الإقليمي، معتبرة أن قربها من بؤر النزاع قد يكون مصدر قوة.
ورغم ذلك، أشار التقرير إلى وجود قيود هيكلية، أبرزها صورة عدم الاستقرار السياسي وضعف المؤسسات الدبلوماسية، مؤكدا أن استضافة المفاوضات لا تعني امتلاك العملية السلمية، وأن وصف باكستان بـ"أوسلو الشرق" لا يزال مبكرا.
مكاسب على المستويين الداخلي والخارجي
يمنح هذا الدور القيادة المدنية فرصة لإظهار التماسك الداخلي في ظل أزمات سياسية، من بينها سجن رئيس الوزراء السابق عمران خان، حيث يُستخدم التنسيق بين الحكومة والجيش، مع بروز دور منير، كرسالة وحدة مؤسسية.
وأوضح أن هذه الرمزية تعكس تاريخا طويلا لدور الجيش كحارس للاستقرار في باكستان، بينما ترى إسلام أباد خارجيا أن تعزيز موقعها كوسيط يمنحها أوراق ضغط في علاقتها مع الهند.
وأشار إلى أن الانخراط الأمريكي المتجدد قد يشكل عاملا يمكن استثماره، فيما قال اللواء المتقاعد طارق رشيد خان إن الأداء العسكري الباكستاني في مواجهة الهند السنة الماضية عزز صورة البلاد، وأن دورها الحالي في تسهيل الحوار الأمريكي الإيراني يعزز مكانتها الدبلوماسية.
عقبات أمام التحول إلى مركز للسلام
شدد التقرير على أن التحول إلى مركز دائم لصنع السلام يتطلب أكثر من استضافة جولة محادثات، إذ يحتاج إلى بناء مؤسسات دبلوماسية قوية، واتساق في السياسة الخارجية، واكتساب ثقة دولية أوسع تتجاوز العلاقات مع الصين.
وأشار إلى أن ساحة الوساطة الدولية مزدحمة بفاعلين آخرين، من دول الخليج إلى الدول الأوروبية، وكل طرف يسعى للعب دور مماثل.
اظهار أخبار متعلقة
ونقل عن الخبير العسكري الدنماركي ستين كيارغارد قوله إن هناك "تفاؤلا حذرا" بشأن الدور الباكستاني، مع إشادته بنهجها البراغماتي واستعدادها للتعامل عبر الانقسامات، لكنه أعرب عن شكوكه في قدرتها على التحول إلى "أوسلو جديدة" بسبب محدودية شرعيتها الدولية وقربها من الهند، إضافة إلى افتقارها للقدرات المالية التي تملكها دول مثل قطر.
خلاصة الدور بين الوسيط والمضيف
اختتم التقرير بالتأكيد على أن صعود باكستان كوسيط عالمي لا يمكن إنكاره، غير أن الفارق بين الوسيط والمضيف يظل جوهريا، إذ إن الوسيط يحدد الأجندات ويضمن استمرارية العملية، بينما يقتصر دور المضيف على توفير المكان والدعم اللوجستي والسرية.
وأوضح أن باكستان تبدو حاليا أقرب إلى دور المضيف، لكنها قد تتمكن، إذا أحسنت استثمار اللحظة، من إعادة صياغة موقعها كقوة دبلوماسية أكثر تأثيرا مما كانت عليه خلال العقود الماضية.