قبل أن
تسترسل في قراءة هذه الكلمات، توقف لثانية واحدة واسترجع تلك القناعات التي تدافع
عنها بحماس في نقاشاتك اليومية؛ آرائك في السياسة، موقفك من الأزمات الاقتصادية،
وحتى تعريفك الشخصي لما هو صواب وما هو خطأ. واجه الآن ذلك السؤال المقلق الذي
يتجنبه الكثيرون: هل هذه الأفكار نابعة حقا من قرارك الحر وتفكيرك المستقل، أم
أنها مجرد بضاعة ذهنية صُممت وغلفت بعناية فائقة، ثم وُضعت على رفوف وعيك لتعتقد
واهما أنها ملكك؟ إننا نعيش في عصر وهم السيادة
العقلية، فبينما نظن أننا الأكثر
حرية بفضل تدفق المعلومات اللا متناهي، نجد أنفسنا في الحقيقة داخل مختبر كبير،
حيث لم يعد
الرأي العام مجرد صدى لعواطف الناس العفوية، بل أصبح حقلا يخضع لما
يمكن تسميته بـ هندسة
الوعي.
هذه
الهندسة تختلف جذريا عن الدعاية التقليدية؛ فالفرق بينهما كالفرق بين من يصرخ في
وجهك ليقنعك بشراء سلعة ما، ومن يصمم لك بيئة كاملة تجعلك تشعر بحاجة غريزية لتلك
السلعة دون أن ينطق بكلمة واحدة. إنها فن قيادة الجماعة دون أن يشعر بوجود القائد،
حيث لا يُعطيك المهندس أوامر مباشرة، بل يحيطك بمعلومات وصور ومشاعر مرسومة بدقة
تقودك حتما إلى الاستنتاج الذي يريده هو، وهنا تكمن العبقرية والخطورة معا، فأنت
تشعر بلذة الاكتشاف الشخصي بينما أنت في الواقع تنفذ مسارا وُضع لك سلفا.
ولنتخيل
هنا مثال الجسر الشهير؛ فلو أراد المهندس منع الناس من عبور جسر معين، فبدلا من
وضع جندي بسلاح يثير كراهيتهم ومقاومتهم، يقوم بنشر قصص متواترة عن اهتزاز
أساساته، ويستضيف خبراء يتحدثون بلغة علمية عن خطورة الانهيار، ويصنع دراما
إنسانية عن ضحايا مفترضين سقطوا من جسور مشابهة. النتيجة الحتمية هي أن الناس
سيمتنعون عن العبور من تلقاء أنفسهم، بل وسيتحولون إلى رقابة شعبية تهاجم أي شخص
يحاول العبور حفاظا على سلامته، وهنا يتحول الضحية إلى حارس لسجن نفسه، ومدافع شرس
عن قضبان ذهنية لم يرها قط.
هذا
الانصياع الطوعي ليس مجرد صدفة عابرة، بل هو تجسيد لما أثبته عالم النفس سولومون
آش في تجاربه الشهيرة حول الامتثال، حيث وجد أن الفرد مستعد لإنكار حقيقة يراها
بعينه لمجرد أن الجماعة المحيطة به أجمعت على رأي مخالف؛ فنحن نضحي بحقائقنا
لنتجنب عزلة مخالفة القطيع. ومن هذا المدخل النفسي، تبدأ عملية اختطاف الوعي عبر
تكتيك خنق السياق، حيث يُعزل الحدث عن جذوره التاريخية والمنطقية لتفسيره بما يخدم
الرواية اللحظية المراد تمريرها.
تخيل مثلا
لقطة فيديو لشخص يرفع سكينا في وجه آخر؛ مهندس الوعي يعطيك هذه اللقطة المجردة فقط
ليصم الشخص بالعدوانية، لكنه يخفي عنك اللقطة السابقة التي تظهر دفاعه عن نفسه ضد
وحش كاسر. هذا ما يعرف علميا بتأثير التأطير؛ فالناس يتخذون قرارات متناقضة لنفس
القضية بناء على كيفية عرض المعلومات، فالإطار هو الذي يحدد الرؤية، والمهندس لا
يغير الحقيقة المادية بالضرورة، بل يغير البرواز الذي يسمح لك بالنظر من خلاله،
مما يجعل الدفاع اعتداء، والتبعية استقلالا، والفقر صبرا جميلا.
لإحكام هذا الحصار، يتم سجن الوعي داخل مصطلحات وثنائيات حادة تمنع رؤية البدائل، كمن يخيرك بين السجن في الظل أو الحرية وسط النيران، وهي مغالطة "المعضلة الزائفة" التي تجبر العقل على الاستنزاف في المفاضلة بين السيء والأسوأ، مما يغلق تماما إمكانية التفكير في خيار ثالث قد يكون هو الحل المنطقي
ولا يكتفي
المهندس بتغيير الإطارات، بل يعمد إلى برمجة الأوتار العاطفية لتعطيل مراكز
التحليل المنطقي في الدماغ، مستغلا ما يعرف في علم الأعصاب باختطاف اللوزة
الدماغية. ففي حالات التهديد المفتعل، تؤدي إثارة مشاعر الخوف الشديد إلى سيطرة
مراكز العاطفة البدائية على الدماغ وتعطيل القشرة الجبهية المسؤولة عن
التفكير
العقلاني والنقد؛ تماما كما تُستخدم قصص الأهوال الوشيكة أو العدو المتربص لتمرير
قوانين تقيد الحريات الشخصية، فيتوقف العقل عن تحليل بنود القانون وتداعياته
المستقبلية، ويندفع مدفوعا بغريزة الحماية البدائية للقبول بأي شيء يزيل الخوف
الآن، حتى لو كان ثمنه العبودية غدا. ولإحكام هذا الحصار، يتم سجن الوعي داخل
مصطلحات وثنائيات حادة تمنع رؤية البدائل، كمن يخيرك بين السجن في الظل أو الحرية
وسط النيران، وهي مغالطة "المعضلة الزائفة" التي تجبر العقل على
الاستنزاف في المفاضلة بين السيء والأسوأ، مما يغلق تماما إمكانية التفكير في خيار
ثالث قد يكون هو الحل المنطقي الوحيد، لكنه يقع خارج حدود الدوائر المرسومة سلفا.
وعلاوة
على هذا الحصار الذهني، تأتي الهندسة المادية لتكمل الدائرة وتغلق منافذ الهروب،
حيث يُستخدم الضغط الاقتصادي والإفقار المتعمد والفساد المقنن كأدوات لتطويع
الإرادة وتوجيه البوصلة الأخلاقية. لنتمثل هنا مثال العصفور في القفص؛ فمهندس
الوعي لا يحتاج لتعليمه الولاء، بل يكفي أن يتحكم في موعد وضع الحبوب والماء ليربط
بقاء العصفور بوجود المهندس. بمرور الوقت، سيتوقف العصفور عن محاولة الطيران أو
التغريد بحرية، وينحصر كامل وعيه في مراقبة اليد التي تطعمه، وهو ما يقودنا إلى
ظاهرة العجز المتعلم التي وصفها مارتن سيليجمان. فعندما يُغرق المجتمع في أزمات
معيشية متلاحقة وتلاعب مقنن بالأسعار وصلاحية الغذاء، يصل الأفراد إلى حالة من
الاستسلام النفسي، حيث يتوقفون عن محاولة تغيير واقعهم حتى لو فُتحت لهم الأبواب،
لأن عقولهم بُرمجت على أن لا جدوى من المحاولة، وأن قصارى الأماني هي الحفاظ على
ما تبقى من رمق الحياة، مما يجعلهم مادة خصبة لأي عملية غسيل وعي تعدهم بالاستقرار
الموهوم مقابل التخلي عن الإرادة.
إن هذا
التشابك المعقد بين هندسة الفكرة وهندسة الخبز يخلق إنسانا منمّطا يظن أنه يختار
وهو في الحقيقة يُساق، ويدافع عن قيوده بظن أنها دروعه الحصينة. ولكن، يبقى الأمل
قائما في أن أول خطوات التحرر من هذا السجن غير المرئي تبدأ بالوعي بوجود الخدعة
نفسها، وبفهم ميكانيكا التلاعب التي تحرك عواطفنا وتصيغ كلماتنا.
إن
استرداد ملكية العقل لا يعني بالضرورة تبني موقف معارض لكل ما يُقال، بل يعني
استعادة أدوات الفحص المفقودة، وممارسة الشك المنهجي تجاه كل ما يُسوّق إلينا بصفة
البديهية المطلقة. إن العقل الحر، اليقظ، والناقد هو التهديد الوجودي الأكبر لكل
مهندس رأي عام، والتحرر الجدي يبدأ من اللحظة التي تدرك فيها أن الحقيقة تكمن
دائما خارج الدوائر التي رُسمت لك بعناية، وأن الطريق إلى وعيك يجب أن تمر عبر
تساؤلاتك أنت، لا عبر إجاباتهم الجاهزة التي صُنعت في غرف مغلقة لتفكر بدلا عنك.