لماذا فشل "المشروع المواطني" بعد الثورة التونسية؟

عادل بن عبد الله
"شعارات سيكون من باب التسطيح والاختزال أن نجعل نقيضها الموضوعي هو الواجهة السياسية لمنظومة الاستعمار الداخلي، أي نظام المخلوع بن علي"- الأناضول
"شعارات سيكون من باب التسطيح والاختزال أن نجعل نقيضها الموضوعي هو الواجهة السياسية لمنظومة الاستعمار الداخلي، أي نظام المخلوع بن علي"- الأناضول
شارك الخبر
بعد إعلان الرئيس التونسي عن "إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021"، كان الوضع التونسي ملتبسا إلى درجة خُيل للبعض من أنصار النهضة وحلفائها إمكانية تَونسة السيناريو التركي وتحرك الشعب من أجل إفشال ما أسمَوه بـ"الانقلاب" على الدستور وعلى عشرية الانتقال الديمقراطي، بينما ارتفع سقف مطالب آخرين -من أنصار استراتيجيتي الاستئصال الصلب والناعم- بحيث دعوا صراحة أو ضمنيا إلى تَونسة السيناريو المصري وتحويل "الإسلاميين" إلى ملف أمني-قضائي، باعتبارهم فائضا لا يحتاجه الحقل السياسي للاشتغال بصورة طبيعية داخل الدولة-الأمة بالمعنى البورقيبي.

وقد كنّا من أوائل من بيّن استحالة الفرضيتين بحكم خصوصية الوضع التونسي، كما كنا من الذين نبّهوا في أكثر من موضع إلى أنّ فشل الانتقال الديمقراطي سياسيا واقتصاديا؛ ليس في الحقيقة إلا فشلا للخيارات الكبرى التي قامت عليها المرحلة التأسيسية من جهة علاقتها بـ"الخطاب الكبير" -أي علاقتها بالبورقيبية وبالفلسفة السياسية اللائكية- وكذلك من جهة علاقتها بمنظومة الاستعمار الداخلي التي انبثقت عن تلك السردية وهيمنت على الدولة-الأمة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا.

مهما كانت مكاسب البورقيبية وإنجازاتها ضمن سياقها التاريخي، فإنها في جوهرها قد أسست لدولة الاستعمار الجديد أو منظومة الاستعمار الداخلي التي لا يستطيع أي منصفٍ أن ينكر أن الثورة قد قامت عليها وليس فقط على واجهتها السياسية

وسنحاول في هذا المقال أن نقدم بعض الأفكار التي قد تصلح لتعميق السجال العام حول فشل "عشرية الانتقال الديمقراطي"، وحول الأسباب التي حالت دون نجاح التأسيس الأول (خلال العشرية) والتأسيس الثاني (تصحيح المسار) في بناء مشروع مواطني جامع ذي شرعية غير قابلة للانتكاس ومشروعية غير قابلة للتشكيك.

منذ الأيام الأولى للثورة، نجحت منظومة الاستعمار الداخلي في هندسة المشهد التونسي بصورة تمنع تحويل شعارات الثورة والانتظارات المشروعة للمواطنين إلى تهديد وجودي لنواتها الصلبة وأجسامها الوظيفية وشبكاتها الزبونية. فكان أن اعتمدت خطة اتصالية كاملة أساسها حرف الصراع السياسي والاجتماعي عن مداراته الأصلية (تأسيس جمهورية ثانية تتجاوز الجمهورية الأولى بمرحلتيها الدستورية والتجمعية وتقطع مع خياراتها اللاوطنية وبنيتها الجهوية-الزبونية القمعية)؛ إلى مدار هوياتي ثقافوي أساسه التقابل بين "الحداثيين" و"الإسلاميين". ولذلك عمل وكلاء تلك المنظومة وورثتها على حصر "الفساد المُمأسس" في عائلة الرئيس المخلوع وبعض أصهاره والقليل من رجال الأعمال والإداريين، فكان هؤلاء كالشجرة التي أريد لها أن تخفيَ الغابة (العائلات الريعية والتشريعات الموضوعة لحماية احتكاراتهم وهيمنتهم الكاملة على الاقتصاد).

وبالتوازي مع ذلك استغلت منظومةُ الاستعمار الداخلي الصراعات الأيديولوجية بين أهم الفاعلين الجماعيين والخطر المتزايد للجماعات السلفية على السلم الأهلية، مع ما صاحب ذلك من استضعاف مُمنهج للدولة بدءا من البناء الفوضوي، مرورا بالتغول النقابي وانتهاء بالانفلات الأمني والقضايا الإرهابية المرتبطة بالمكوّن الوهابي التكفيري، لفرض "البورقيبية" باعتبارها الخطاب الكبير الذي يضمن "استمرارية الدولة" ظاهريا، ولكنه في الحقيقة يمنع أي سردية "ما بعد استعمارية" من هندسة الحقل الاجتماعي بعيدا عن هيمنة النواة الصلبة لدولة الاستعمار الجديد.

رغم عدم استناده إلى أية شرعية انتخابية أو "ثورية"، فإن الراحل الباجي قائد السبسي لم يجانب الحقيقة عندما قال أمام الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي: "نحكم وحدي وما يحكم معايا حد" (أنا من يحكم ولا يحكم معي أحد). لقد عبّر الراحل قائد السبسي عن واقع العلاقة اللامتكافئة بين السلطتين السياسية والتأسيسية بلا مجاز (انظر مقالنا: ما هو العمر الافتراضي للانقلاب في تونس؟). لقد كانت المنظومة القديمة هي من يحكم واقعيا بينما كان "التأسيس" يقع بعيدا عن أجهزة الدولة ومواقع القرار فيها، وهو واقع لن يتغير كثيرا حتى خلال حكم "الترويكا" والمجلس التأسيسي. فالدولة بقيت "بورقيبية" في رساميلها البشرية وتشريعاتها وفلسفتها السياسية، ورغم العداء التاريخي بين "النهضة" و"البورقيبية" بلحظتيها الدستورية والتجمعية فإنها قد طبّعت معها بصورة براغماتية بحثا عن "الاعتراف المستحيل" من لدن من يُسمّون أنفسهم "عائلة ديمقراطية" وبحثا عن دور ثابت في خدمة منظومة الاستعمار الداخلي، أي بحثا عن موقع في ديمقراطية صورية لم تطرح على نفسها يوما الخروج عن هيمنة تلك المنظومة، أو على الأقل تحجيمها وتعديل العلاقة بينها وبين الدولة وعامة التونسيين والتونسيات بمراجعة التشريعات التي استنزفت الإنسان والكيان.

مهما كانت مكاسب البورقيبية وإنجازاتها ضمن سياقها التاريخي، فإنها في جوهرها قد أسست لدولة الاستعمار الجديد أو منظومة الاستعمار الداخلي التي لا يستطيع أي منصفٍ أن ينكر أن الثورة قد قامت عليها وليس فقط على واجهتها السياسية. ولا شك في أن أي مقارنة بين نموذج "التحديث" في تونس وبين أي تجارب مشابهة -خاصة في جنوب شرقي آسيا أو حتى في بعض الدول الأفريقية- سيجعلنا أمام محصول اقتصادي واجتماعي وسياسي لا يمكن الدفاع عنه إلا من منظور القلة المستفيدة منه أو من الفئات الاجتماعية التي وقع تزييف وعيها، بحيث أصبحت تدافع عن مصالح غيرها وامتيازاتهم وكأنها حتمية تاريخية أو استحقاق لا يقبل المساءلة والمراجعة.

لقد كانت شعارات "الثورة التونسية" هي الشغل والحرية والكرامة الوطنية، وهي شعارات سيكون من باب التسطيح والاختزال أن نجعل نقيضها الموضوعي هو الواجهة السياسية لمنظومة الاستعمار الداخلي، أي نظام المخلوع بن علي. ولكنّ عقل الدولة العميقة نجح في هذا التسطيح والاختزال، بحيث أبعد النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي عن أي مساءلة وجعل التشريعات الحامية لمصالحها خارج أي مراجعة. ومن جهة ثانية،
حرصت هذه المنظومة على تضخيم سردية "النمط المجتمعي التونسي" باعتباره نمطا استثنائيا يحمي المرأة ويضمن الحريات الفردية، لإخفاء حقيقة أن ذلك "النمط المجتمعي" ليس في الحقيقة إلا نمطا جهويا-زبونيا-استبداديا لا وظيفة له إلا إدارة التخلف والتبعية، وإنتاج الشروط الفكرية والموضوعية لتأبيد هذه الوضعية
نجحت تلك المنظومة في جعل إعادة بناء العقيدة الإدارية أو الأمنية -أي تحويلها من خدمة النظام/الحاكم إلى خدمة المواطن- مسألة خارج دائرة المفكر فيه منذ الثورة إلى الآن. وهو ما يجعل من أي "واجهة سياسية" سواء أكانت "مجلسا تأسيسيا" أم "تصحيحَ مسارٍ" عاجزة عن تهديد مصالح تلك المنظومة، بل مضطرة إلى التطبيع معها وبناء علاقة تعامد وظيفي مع نواتها الصلبة.

كان "المشترك الوطني" سواء بالنسبة إلى "الديمقراطيين" أو حتى بالنسبة للنهضة "التوافقية" هو مشترك تحت سقف البورقيبية وخياراتها "التحديثية". هي خيارات تكاد تحصر المكاسب في "مجلة الأحوال الشخصية" لتحجب بنية السلطة وفلسفتها السياسية الاستبدادية، ولتخفيَ سائر "المجلات" التجارية والتشريعات الاقتصادية التي يمكننا اعتبارها الدستور الحقيقي للجمهورية التونسية. ونحن لا نوافق القائلين بأن الدستور التونسي الحقيقي هو مجلة الأحوال الشخصية، بل نذهب إلى أن تلك المجلة ليست إلا مجرد حصن متقدم للدفاع عن منظومة الاستعمار الداخلي والتشريعات الاقتصادية التي تحمي مصالحها المادية. فالقوة الرمزية لمجلة الأحوال الشخصية لا تأتي من فاعليتها الاجتماعية، بل من دورها في الهندسة الاجتماعية التي تكفل مصالح منظومة الاستعمار الداخلي. ولذلك حرصت هذه المنظومة على تضخيم سردية "النمط المجتمعي التونسي" باعتباره نمطا استثنائيا يحمي المرأة ويضمن الحريات الفردية، لإخفاء حقيقة أن ذلك "النمط المجتمعي" ليس في الحقيقة إلا نمطا جهويا-زبونيا-استبداديا لا وظيفة له إلا إدارة التخلف والتبعية، وإنتاج الشروط الفكرية والموضوعية لتأبيد هذه الوضعية.

ونحن لا نشك في أن جميع مشاريع المعارضة، إذا لم تفكر بمنطق "الكتلة التاريخية" وتنقل مركز التفكير والاستعارة السياسية من "الوطن" إلى "المواطن"، وإذا لم تراجع بصورة نقدية علاقتها بالبورقيبية وأساطيرها التأسيسية وما كرّسته في المستويين الرمزي والمادي، وإذا لم تحدد أخيرا عدوها/حليفها الحقيقي بعيدا عن الكراريس الأيديولوجية المفوّتة، ستبقى مجرد ديكور سياسي في خدمة النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وأساطيرها التأسيسية، ولو بلغت ادعاءاتها الذاتية ومزايداتها على شركائها في الوطن والمصير عنانَ السماء.

x.com/adel_arabi21
التعليقات (0)