نائب إسباني سابق لـ"عربي21": خطة ترامب تضع غزة تحت "الوصاية الأمريكية"

مانو بينيدا نائب إسباني سابق عن الحزب الشيوعي- عربي21
مانو بينيدا نائب إسباني سابق عن الحزب الشيوعي- عربي21
شارك الخبر
قال النائب الإسباني السابق في البرلمان الأوروبي، ومسؤول العلاقات الدولية في الحزب الشيوعي الإسباني، مانو بينيدا، إن ما يُسمّى بخطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن غزة "ليست خطة سلام على الإطلاق؛ لأنها تضع قطاع غزة فعليا تحت الوصاية الأمريكية، وفق منطق استعماري جديد ضمن شبكة المصالح الأمريكية والإسرائيلية".

وأكد، في حديث خاص ومطوّل مع "عربي21"، أن "النموذج المطروح لغزة لا يتمحور حول إعادة إعمار تخدم شعبها، بل حول عملية هندسة سياسية واقتصادية وعمرانية تهدف إلى تحويل القطاع إلى مساحة استثمار عقاري وسياحي تخدم مصالح خاصة كبرى، مع طمس هويته وإقصاء سكانه الأصليين. إنه منطق نزع للملكية يعيد إنتاج أنماط استعمارية كلاسيكية، وإن ارتدى هذه المرة خطابا اقتصاديا حداثيا في ظاهره".

وشدّد النائب الإسباني السابق في البرلمان الأوروبي، إن إسرائيل "تجاوزت جميع الخطوط الحمراء منذ وقت طويل، إلا أن المرحلة الراهنة بلغت مستوى غير مسبوق من الوحشية"، موضحا أن "ما يجري اليوم ليس حدثا معزولا بل امتداد لمسار تاريخي من نزع الملكية والعنف المنهجي وإنكار الحقوق، ودون اكتراث بالمحاسبة الدولية".

ودعا بينيدا إلى الدفع نحو إعادة تقييم جذرية للعلاقات بين إسبانيا وإسرائيل، مُعتبرا أنه "لا يمكن القول إن هذه العلاقات بلغت أسوأ مراحلها بعد، لكن ينبغي العمل من أجل أن تصل إلى نقطة الصفر؛ إذ لا يمكن تبرير استمرار حكومة ديمقراطية ملتزمة بحقوق الإنسان، مثل الحكومة الإسبانية، في الحفاظ على روابط مع نظام يُتهم بانتهاج سياسات إبادة وتطهير منهجي بحق شعب كامل".

اظهار أخبار متعلقة


وتاليا نص الحوار الخاص مع "عربي21":

كيف تقيّمون الموقف الرسمي والشعبي في إسبانيا من الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في غزة؟ ولماذا تقف إسبانيا دائما إلى جانب فلسطين؟

لقد مثّل موقف الحكومة الإسبانية تقدّما ملحوظا في السياق الغربي، حتى إذا ما قورن بمواقف العديد من دول العالم العربي التي تتبنى اليوم مواقف أكثر فتورا تجاه ما يجري في فلسطين. وفي هذا الإطار، تموضعت إسبانيا في طليعة المواقف الناقدة داخل الكتلة الأوروبية الأطلسية، إلا أن هذه المواقف، من وجهة نظرنا، تظل غير كافية بوضوح على المستوى المؤسسي والحكومي، لأن جسامة الجرائم المُرتكبة تفرض الذهاب إلى ما هو أبعد بكثير من الإيماءات الدبلوماسية والتصريحات السياسية.

ومن المؤسف أن نضطر إلى القول إنه في السياق الراهن، يُقدّم موقف يُفترض أن يكون الحد الأدنى وفقا لقواعد الشرعية الدولية والمبادئ الإنسانية على أنه استثناء يكاد يكون بطوليا. كنّا نأمل أن تُقدم إسبانيا على خطوات أكثر حزما واتساقا، من قبيل قطع العلاقات، وتعليق الاتفاقيات العسكرية، والدفع الحقيقي نحو فرض عقوبات، والدفاع الواضح غير الملتبس عن حقوق الشعب الفلسطيني في جميع المحافل الدولية.

وإذا كانت إسبانيا قد بلغت ما بلغته من مواقف، فلم يكن ذلك بدافع العفوية أو نتيجة قناعة أولية راسخة لدى كامل الحكومة. بل جاء ذلك، إلى حدّ كبير، نتيجة ضغط واضح وصريح ومتواصل مارسه فضاؤنا السياسي دفاعا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومن أجل إنهاء الإبادة في غزة ووضع حدّ للاحتلال. وفوق ذلك، كان هناك حراك تضامني شعبي واسع النطاق تجاوز الأطر المعتادة للنقاش العام، وكسر العديد من القوالب السائدة، ومنحنا الزخم الاجتماعي والسياسي اللازم لدفع شركائنا في الحكومة، الذين لم يكونوا في البداية ميّالين إلى تبني موقف حازم ومتسق.

وخلاصة القول، نحن نُقرّ بوجود تقدّم ونقدّره في سياقه الدولي، لكننا لا نتخلى عن المطالبة بأن تكون إسبانيا على مستوى تصريحاتها والتكليف الأخلاقي الصادر عن مجتمعها حيث الدفاع عن القانون الدولي، وعن حياة الشعب الفلسطيني، وعن إنهاء الاحتلال، بأفعال ملموسة لا بالاكتفاء بالكلمات أو البيانات.

هل يمكن اعتبار موقف الحكومة الإسبانية من حرب غزة تحولا استراتيجيا طويل الأمد في السياسة الخارجية لها أم أنه مرتبط فقط بموقف بالائتلاف الحكومي الحالي؟

إن تضامن الشعب الإسباني مع الشعب الفلسطيني ليس ظرفيا ولا انتهازيا، بل هو موقف تاريخي متجذر بعمق في قطاعات واسعة من المجتمع؛ فثمة تعاطف تشكّل على مدى عقود، كرّسه التزام الحركات الاجتماعية والنقابات والمنظمات السياسية ومنصات التضامن، إلى جانب مواطنين نظروا إلى فلسطين بوصفها قضية عدالة وكرامة إنسانية. وهذا التيار الشعبي يفسّر إلى حدّ بعيد لماذا شهدت البلاد، في ظل المرحلة الراهنة من الإبادة في غزة وعملية الإبادة التي أطلقتها إسرائيل، تعبئة جماهيرية واسعة أثّرت بوضوح في الأجندة السياسية الوطنية.

وقد كانت هذه التحركات حاسمة في دفع حكومة إسبانيا إلى تبنّي موقف متقدم نسبيا في السياقين الأوروبي والغربي، ونحن لسنا أمام قناعة نظرية مجردة، بل أمام ضغط اجتماعي ترجم نفسه في قرارات سياسية ملموسة، وضيّق هامش الغموض المؤسسي. ومع ذلك، ينبغي التحلّي بالوضوح؛ فهذا الموقف ليس ثمرة سياسة دولة راسخة، بل نتيجة التوازن السياسي القائم داخل الائتلاف الحكومي الحالي، والدور الذي اضطلع به مَن دفعوا بثبات نحو تموضع إسبانيا في الجانب الصحيح من التاريخ.

لذلك، لا يمكن قراءة هذا الموقف بوصفه تحوّلا استراتيجيا طويل الأمد في السياسة الخارجية الإسبانية. إنه موقف هشّ تحكمه موازين القوى السياسية الداخلية، وإذا تغيّرت الحكومة ووصل إلى السلطة ائتلاف من اليمين واليمين المتطرف، وهو احتمال يبدو واقعيا اليوم، فقد تنقلب السياسة الإسبانية تجاه فلسطين بشكل جذري؛ فقد أظهر كل من الحزب الشعبي الإسباني وحزب "فوكس" القومي المتطرف مرارا اصطفافهما السياسي والأيديولوجي مع الليكود وحكومة بنيامين نتنياهو، مدافعين عن مواقف إسرائيل حتى في أكثر لحظات العدوان وحشية بحق المدنيين الفلسطينيين.

وهذا يؤكد أن النقاش لا يتعلق بالسياسة الخارجية فحسب، بل بمشروع وطني وقيم ديمقراطية؛ فإما أن ترسّخ إسبانيا سياسة خارجية قائمة على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وإما أن تبقى رهينة تقلبات الانتخابات وخاضعة لتحالفات أيديولوجية مع قوى تبرّر اليوم جرائم لا يمكن للضمير الديمقراطي أن يقبلها.

هل تستطيع إسبانيا قيادة كتلة أوروبية ضاغطة داخل الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على إسرائيل أم أن ثقل دول مثل ألمانيا وإيطاليا سيحول دون ذلك؟

تحاول إسبانيا، بصورة صادقة، الدفع داخل الاتحاد الأوروبي نحو تبنّي نهج أكثر حزما تجاه إسرائيل؛ فقد طرحت ضرورة مناقشة فرض عقوبات، ومراجعة العلاقة المميّزة التي تربط الاتحاد بإسرائيل، والتشكيك في استمرار التطبيع السياسي والاقتصادي والأكاديمي مع دولة ترتكب جرائم واسعة بحق السكان المدنيين الفلسطينيين. هذا الجهد قائم وواقعي، إلا أن الإشكال بنيوي وسياسي؛ إذ إن قيادة الاتحاد اليوم، إلى جانب عدد وازن من الدول الأعضاء، تعرقل أي إجراء يتطلب توافقا جماعيا.

فالنهج السياسي الذي تتبناه المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين، وكذلك البرلمان الأوروبي برئاسة روبرتا ميتسولا، اتسم بانحياز واضح لإسرائيل منذ بداية الهجوم على غزة، ويضاف إلى ذلك الاصطفاف غير المشروط لحكومات محورية مثل ألمانيا والمجر وفرنسا، وغيرها، التي استخدمت ثقلها السياسي للحيلولة دون تمرير أي قرار يترتب عليه كلفة حقيقية على إسرائيل.

في هذا السياق، تصطدم مقترحات من قبيل تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، أو فرض عقوبات، أو حتى استبعاد إسرائيل من برامج يمولها الاتحاد مثل إيراسموس بلس أو أفق أوروبا، بجدار سياسي يبدو اليوم عصيّا على الاختراق؛ فالمشكلة لا تكمن في غياب الحجج القانونية أو الأخلاقية، بل في موازين قوى شديدة الاختلال داخل المؤسسات الأوروبية.

ولهذا، ورغم الإقرار بمحاولة الحكومة الإسبانية إحداث ثغرات في هذا التوافق المؤيد لإسرائيل، لا تتوافر أسباب حقيقية للتفاؤل على المدى القريب؛ فما يزال الاتحاد الأوروبي أسير منطق التبعية الجيوسياسية والتواطؤ السياسي، الأمر الذي يعجزه عن التصرف كفاعل مستقل وذي مصداقية في الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

هل ترون أن إسرائيل قد تجاوزت جميع الخطوط الحمراء؟ وكيف أصبحت صورتها اليوم على مستوى المجتمع الدولي؟

نعم، لقد تجاوزت إسرائيل جميع الخطوط الحمراء منذ وقت طويل؛ فالأمر لا يبدأ في اللحظة الراهنة، بل هو مسار تاريخي من نزع الملكية، والعنف المنهجي والوحشي، وإنكار الحقوق، يتفاقم بمرور الوقت، ويبلغ اليوم مستويات من الوحشية القصوى. في المرحلة الحالية لم يعد الأمر يقتصر على انتهاكات متكررة للقانون الدولي الإنساني، بل يتعلق بسياسة إبادة تستهدف السكان الفلسطينيين في غزة، تُطبّق بشكل علني ومن دون أدنى حرج دبلوماسي. إن إسرائيل لا تكتفي بانتهاك القانون الدولي، بل تتصرف كما لو كانت فوقه، وفي كثير من الأحيان تتباهى بذلك.

ويتعزز هذا السلوك بالدعم السياسي غير المشروط الذي تتلقاه تل أبيب من واشنطن؛ فهي تحظى اليوم بحليف في البيت الأبيض هو دونالد ترامب، الذي يبدو اصطفافه مع أكثر توجهات الصهيونية تشددا أكثر صراحة من الموقف الذي اتخذه جو بايدن. هذا الدعم غير المقيد يعمّق شعور الإفلات من العقاب الذي يتصرف على أساسه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو؛ إذ يقرأ المساندة الأمريكية بوصفها تفويضا مفتوحا لمواصلة سياسة العقاب الجماعي والتطهير العرقي.

والنتيجة هي تدهور عميق في صورة إسرائيل لدى شعوب العالم؛ فملايين الأشخاص في مختلف القارات باتوا ينظرون إليها باعتبارها نظاما يمارس إرهاب الدولة والإبادة الجماعية، غير أن الصورة تختلف في مراكز القرار السياسي والإعلامي في الغرب، حيث ما تزال شبكة من أشكال التواطؤ تخفف من أثر الجرائم على عملية صنع القرار. كما لا ينبغي الاستغراب من أن التآكل في السمعة الدولية لا يعني الكثير لجزء واسع من النخبة الإسرائيلية التي تحكمها رؤية أيديولوجية تفوقية؛ فمَن يضع نفسه فوق القانون وفوق مبدأ المساواة بين الشعوب لا يرى حاجة إلى المساءلة أمام الرأي العام العالمي.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق مجتمعاتنا وحكوماتنا. لا يكفي رصد التراجع في مكانة إسرائيل دوليا، بل لا بد من تحويل هذا الرفض الشعبي إلى ضغط سياسي فعّال، وينبغي كسر علاقات التطبيع مع نظام ينتهك القانون الدولي بصورة منهجية، ووضعه في الموقع الذي يليق بالأنظمة التي بنت سلطتها على العنف البنيوي ونزع الإنسانية عن الآخر. وحده الضغط المتواصل - الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي - كفيل بفتح أفق لوقف الإفلات من العقاب وتهيئة شروط حقيقية لحل عادل ودائم للشعب الفلسطيني.

ما تقييمكم لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلقة بقطاع غزة؟ ولماذا رفضت إسبانيا الانضمام إلى "مجلس السلام" الذي طرحه ترامب؟

إن ما يُسمّى "خطة السلام" التي طرحها ترامب ليست على الإطلاق "خطة سلام" بأي حال من الأحوال، كما أن ما يُروّج له تحت مسمّى "مجلس السلام" لا يمت بصلة إلى آلية حقيقية لتسوية النزاع. إنها مبادرة تسعى إلى وضع نفسها فوق المنظومة متعددة الأطراف، وخصوصا فوق دور منظمة الأمم المتحدة، عبر استبدال القانون الدولي بفرض مباشر للمصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة وإسرائيل.

وتعني هذه المقترحات عمليا تحويل قطاع غزة إلى ما يشبه "وصاية أمريكية"، تتولى فيها واشنطن تقرير المستقبل السياسي والاقتصادي والجغرافي للقطاع، وفق منطق استعماري جديد واضح المعالم، ويدور في فلك هذا المشروع أشخاص يقدمون بوصفهم مسهّلين أو وسطاء، لكنهم في الواقع يتحركون ضمن شبكة المصالح الأمريكية والإسرائيلية، مثل جاريد كوشنر وتوني بلير، حيث يُطرح دورهم في سياق "إعادة الإعمار"، بينما ينطوي عمليا على فتح مجالات استثمارية وتكريس نموذج يقوم على إزاحة السكان الفلسطينيين عن أرضهم.

فالنموذج المطروح لغزة لا يتمحور حول إعادة إعمار تخدم شعبها، بل حول عملية هندسة سياسية واقتصادية وعمرانية تهدف إلى تحويل القطاع إلى مساحة استثمار عقاري وسياحي تخدم مصالح خاصة كبرى، مع طمس هويته وإقصاء سكانه الأصليين. إنه منطق نزع للملكية يعيد إنتاج أنماط استعمارية كلاسيكية، وإن ارتدى هذه المرة خطابا اقتصاديا حداثيا في ظاهره.

وانطلاقا من ذلك، يُعدّ موقف إسبانيا بعدم الانضمام إلى لما يُسمّى "مجلس السلام" خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن الاكتفاء بعدم المشاركة لا يكفي؛ إذ ينبغي لإسبانيا أن تعلن رفضها الصريح لهذه المبادرة، وأن تعمل على مواجهتها داخل أروقة الأمم المتحدة وفي سائر الأطر متعددة الأطراف؛ فمثل هذه السوابق لا تهدد مستقبل فلسطين فحسب، بل تؤسس لسابقة خطيرة تشرعن فرض حلول استعمارية بالقوة في أي مكان من العالم، خارج إطار القانون الدولي وبمعزل عن إرادة الشعوب.

كيف كانت رؤيتكم الشخصية داخل البرلمان الأوروبي للإسهام في حل سياسي دائم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ وهل تعتقدون بوجود فرص لاعتماد مقاربة أوروبية مستقلة وأخلاقية بعيدة عن ضغوط القوى الكبرى؟

خلال فترة عملي في البرلمان الأوروبي، بذلتُ كل ما في وسعي للدفع من داخل المؤسسة نحو موقف منسجم مع القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، لكن يجب التحلي بالصدق؛ فقد كان السياق آنذاك بالغ الصعوبة. لم تكن موازين القوى في ذلك التفويض مواتية لسياسة أوروبية جريئة ومستقلة تجاه إسرائيل وتجاه ضغوط القوى الكبرى. ومع ذلك، لم نستسلم يوما ولم نتخل عن خوض المعركة سياسيا ومؤسسيا وإعلاميا.

واليوم تبدو الصورة أكثر قتامة؛ فالانزياح العام نحو اليمين المتطرف في أوروبا عزّز أكثر المواقف رجعية ونزوعا إلى الحروب واصطفافا مع المصالح الجيوسياسية لواشنطن وإسرائيل، وهذا يقلّص أكثر فأكثر هامش تحرك الاتحاد الأوروبي كفاعل مستقل ذي سياسة خارجية قائمة على المبادئ لا على التبعية. وفي ظل هذا المشهد، يبدو من السذاجة التعويل على أن تقود المؤسسات الأوروبية، بمفردها، تحولا عميقا في هذا المسار.

لذلك، فإن مفتاح التغيير لا يكمن داخل المؤسسات فحسب، بل خارجها أيضا. لا يمكن إيداع الأمل لدى مراكز النفوذ الفعلية أو غير المعلنة التي تؤثر اليوم في القرار الأوروبي. إن الرافعة الحاسمة هي الضغط الاجتماعي المنظم من خلال المجتمع المدني، وحركات التضامن، والتنظيمات الاجتماعية، والحراك الشعبي؛ فهم القادرون على دفع الحكومات إلى تعديل مواقفها، ومن هناك فقط يمكن فرض تحول سياسي حقيقي يضع الدول الأوروبية في صف الضحايا لا الجلادين، وفي صف القانون الدولي لا المصالح الاقتصادية والجيوسياسية أو النزعات الإمبراطورية والنيوفاشية التي تطبع الأجندة العالمية.

وحده حراك اجتماعي قوي ومثابر وواع يمكن أن يفتح أفقا لنهج أوروبي مستقل وأخلاقي فعليا تجاه
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

هل تعتزمون زيارة فلسطين في المرحلة المقبلة؟ وهل تعتقدون أن إسرائيل قد تسمح لكم بذلك؟

للأسف، ما دام الاحتلال قائما فلن أتمكن من زيارة فلسطين مُجددا. كانت زيارتي الأخيرة لفلسطين في شباط/ فبراير 2020، عندما كنت أتولى رئاسة وفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع فلسطين، على رأس بعثة ضمّت تسعة نواب أوروبيين، وقد جاءت تلك الزيارة في إطار مهمة مؤسسية لمتابعة الأوضاع السياسية والإنسانية ميدانيا في الأراضي المُحتلة.

ومنذ ذلك الحين، جرى منع كل محاولة للعودة من قِبل إسرائيل؛ ففي عام 2022 منعتني السلطات الإسرائيلية من الدخول، رغم سماحها لبقية أعضاء الوفد بالوصول. وفي عام 2024 كان الحظر أكثر صراحة؛ إذ أُبلغت بأني لن أعود إلى فلسطين مرة أخرى، وهذه القرارات ليست حالات معزولة أو عرضية، بل تندرج ضمن سياسة منهجية تهدف إلى منع دخول ممثلين دوليين ينتقدون الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان، بقصد التحكم في السرد ومنع المراقبة المباشرة لما يجري على الأرض.

وعليه، ما دام الاحتلال مستمرا فلن أستطيع العودة. إنها حقيقة مؤلمة، لكنها تكشف أيضا إلى أي مدى تخشى إسرائيل الرقابة الدولية المستقلة. ومع ذلك، لدي قناعة راسخة بأن هذا الوضع لن يدوم إلى الأبد؛ فكل نظام يقوم على ظلم دائم وإنكار للحقوق لا يمكن أن يستمر بلا نهاية.

هل يوجد لوبي إسرائيلي في إسبانيا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما مستوى تأثيره في الظرف الراهن؟

نعم، يوجد لوبي مؤيد لإسرائيل داخل إسبانيا، بأشكال متعددة ومستويات متفاوتة من الحضور العلني؛ فهناك هياكل ومنصات تنشط بصورة صريحة على المستوى الوطني وكذلك في الإقليم الكتالوني، وتتدخل في النقاش العام ووسائل الإعلام وبعض الفضاءات السياسية والثقافية، وهذا اللوبي يمكن رصده بوضوح، وهو يتحرك علنا دفاعا عن مواقف حكومة بنيامين نتنياهو.

وإلى جانب هذه التعبيرات الأكثر ظهورا، توجد شبكات تأثير أقل وضوحا، تعمل بأساليب أكثر تحفظا داخل دوائر اقتصادية وإعلامية وأكاديمية ومؤسسية، وفي كثير من الحالات تكون أدوات الضغط غير المباشر هذه أكثر فاعلية من الحملات العلنية، لأنها تؤثر في تشكيل أطر الرأي العام، وتُهمّش أصواتا ناقدة، أو تفرض كلفة على من يندد بانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل. لا يتعلق الأمر بنظريات مؤامرة، بل بديناميات ضغط معروفة في مجالات عديدة من السياسة الدولية، تسعى في هذه الحالة إلى تحصين إسرائيل من المساءلة داخل النقاش العام الإسباني.

كما أن لهذا الاصطفاف بُعدا مؤسسيا واضحا؛ فأحزاب مثل "فوكس" وقطاعات وازنة داخل الحزب الشعبي الإسباني تبنّت مواقف دفاعية صريحة عن سياسات الحكومة الإسرائيلية. وأعربت شخصيات بارزة مثل رئيسة إقليم مدريد، إيزابيل دياز أيوسو، وعمدة مدريد، خوسيه لويس مارتينيث ألميدا، مرارا عن اصطفافها السياسي مع أطروحات الصهيونية الحكومية في إسرائيل، حتى في لحظات أثارت فيها العمليات ضد السكان الفلسطينيين موجة إدانة واسعة في قطاعات كبيرة من المجتمع.

ويُنتج هذا كله شبكة تأثير حقيقية تؤثر في طبيعة النقاش العام داخل إسبانيا. وأمام ذلك، تبقى الاستجابة الديمقراطية الممكنة هي الشفافية، وفتح المجال لنقاش سياسي صريح، وتعزيز الحراك المجتمعي لضمان ألا تُصاغ السياسات العامة تحت ضغط جماعات نفوذ، بل على أساس احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

كيف تتوقعون مستقبل العلاقات بين إسرائيل وإسبانيا في المرحلة المقبلة؟ وهل بلغت هذه العلاقات أسوأ مراحلها؟

لا يمكن القول إن العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل قد بلغت حدّها الأقصى من التدهور. ومن وجهة نظرنا، ينبغي العمل من أجل أن تصل هذه العلاقات إلى نقطة الصفر؛ إذ نرى أنه من غير المقبول ولا الممكن تبريره أن تحافظ حكومة ديمقراطية ملتزمة بحقوق الإنسان، مثل الحكومة الإسبانية، على روابط مع نظام يُتهم بانتهاج سياسات إبادة وتطهير منهجي بحق شعب كامل.

لقد نسجت إسبانيا تاريخيا علاقات قائمة على التضامن مع الشعوب التي تعاني الاضطهاد، مثل الشعب الفلسطيني والشعب الصحراوي، ودافعت عن العدالة الدولية والتعددية الثقافية. إن الإبقاء على أي شكل من أشكال العلاقة الطبيعية مع إسرائيل يتعارض مع هذه المبادئ ومع الدفاع المتسق عن القانون الدولي. لذلك، فإن هدفنا واضح يتمثل في العمل ليس فقط من أجل تدهور هذه العلاقات، بل من أجل قطعها فعليا، بما يضع إسبانيا في موقع منسجم مع العدالة ومع الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، اتساقا مع تاريخها وقيمها الديمقراطية.

هل تعتقدون بوجود فرصة حقيقية لحشد المجتمع الدولي من أجل ممارسة ضغوط جدية على إسرائيل لوقف عملياتها؟

لا أرى أن هناك فرصة ظرفية أو "اختيارية" لتحريك المجتمع الدولي؛ فالحقيقة أنه لا بديل عن ذلك. نحن أمام لحظة تاريخية بالغة الخطورة، تتجلى فيها الفاشية بلا أقنعة، وتُمثل إسرائيل اليوم صورتها الأكثر درامية وإجراما وحدّة، وإلى جانبها تمضي الولايات المتحدة في خط دعم مطلق يضفي شرعية على سياسات الإبادة والهيمنة ويعززها.

وإذا لم نتحرك بحزم، فلن يكون الشعب الفلسطيني وحده في دائرة الخطر، بل الإنسانية جمعاء؛ فالجرائم التي يجري تطبيعها اليوم، والإفلات من العقاب الذي يترسخ، قد يؤسسان لسابقة عالمية تهدد الأمن والسلم والاستقرار الدوليين، بل يمكن القول إن ذلك يطال صورة العالم كما نعرفه، لأن أنظمة القوة التي تشرعن الإبادة لا تعترف بحدود ولا تلتزم بضوابط.

لذلك، فإن الحشد الدولي ليس خيارا، بل واجب تاريخي. علينا أن نعمل بلا كلل، جامعين بين الضغط الشعبي والدبلوماسي والسياسي، حتى تلتزم الحكومات بالقانون الدولي وتنحاز إلى الضحايا. وحدها هذه الإرادة الجماعية المستدامة قادرة على كبح الإفلات من العقاب، ووقف دوامة العنف، وبناء إطار من العدالة يفتح أفقا لحل دائم لفلسطين وللإنسانية بأسرها.
التعليقات (0)

خبر عاجل