من المودة إلى السجن.. كيف انقلب قيس سعيّد على الغنوشي؟
لندن- عربي2127-Jul-2610:56 AM
الغنوشي دعم سعيّد في الانتخابات الرئاسية قبل أن ينقلب الأخير على الدستور- الرئاسة التونسية
شارك الخبر
كشفت أسرة زعيم حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي، وهيئة الدفاع عنه، عن تدهور خطير في وضعه الصحي داخل سجن المرناقية، وهو ما دفع جهات حقوقية وسياسية إلى المطالبة بالكشف عن مصير الرجل البالغ من العمر 85 عاما، في ظل تعتيم رسمي على ظروف اعتقاله.
وقبل ذلك ،وتحديدا في 30 نيسان/ أبريل الماضي، نُقل الغنوشي إلى المستشفى وسط تعتيم شبه كامل أيضا على وضعه الصحي.
لكن الغنوشي، ليس مجرد سجين مسن مريض. فهو رئيس البرلمان المنحل، وزعيم أكبر حركة إسلامية في تاريخ تونس، وأحد أبرز رموز السياسة قبل وبعد ثورة 2011.
واللافت أن الغنوشي يقضي حاليا أحكاما صادرة بحقه تتجاوز ثمانين عاماً في السجن، في قضايا تصفها حركة النهضة والمنظمات الحقوقية الدولية بأنها "سياسية بامتياز"، فيما تؤكد السلطات التونسية أنها ملفات قانونية مستقلة.
ولا يمكن فصل اسم الغنوشي عن الرئيس قيس سعيّد، الذي يُتهم بأنه من وجه بإقصاء زعيم "النهضة" من المشهد، عبر مجموعة من التهم، رغم أن العلاقة بين الرجلين ابتداء كانت ودية بشكل كبير.
دعم لا محدود في 2019
لم تجمع الغنوشي (85 عاما) وقيس سعيد (68 عاما) صداقة أو تاريخ مشترك قبل انتخابات 2019. كان سعيّد أستاذاً جامعياً للقانون الدستوري، مستقلاً من خارج منظومة الأحزاب، يحمل خطاباً شعبوياً رافضاً للطبقة السياسية بأسرها، بما فيها النهضة.
خسرت الحركة مرشحها عبد الفتاح مورو في الدور الأول، لتجد نفسها في الجولة الثانية أمام خيار بين سعيد ورجل الأعمال نبيل القروي. أصدر مجلس شورى الحركة في 25 أيلول/ سبتمبر 2019 قراراً رسمياً بدعم سعيد، باعتباره الأقرب إلى معسكر الثورة في مواجهة القروي الذي رأت فيه الحركة امتداداً للمنظومة القديمة.
فاز سعيّد بنحو 72 بالمئة من الأصوات، وبدا المشهد وكأن البلاد تسير نحو مرحلة جديدة. لكن هذا التحالف الظاهري كان يخفي تناقضاً جوهرياً منذ البداية: الغنوشي كان يدافع عن النظام البرلماني المعدّل الذي أقرّه دستور 2014، بينما كان سعيد يرى في هذا النظام نفسه السبب الرئيسي للشلل السياسي والفساد.
ثلاث حكومات.. ومعركة واحدة
تكشّف التناقض بسرعة عبر ملف تشكيل الحكومات. رشّحت النهضة الحبيب الجملي لرئاسة الحكومة، لكن حكومته سقطت في البرلمان في كانون الثاني/ يناير 2020 دون أن تنال الثقة. انتقلت المبادرة إلى سعيّد الذي كلّف إلياس الفخفاخ، قبل أن تتهاوى حكومته بعد أشهر على وقع اتهامات بتضارب المصالح، وسط خلاف حاد حول من يملك حق إجبارها على الاستقالة.
وجاءت حكومة هشام المشيشي في أيلول/ سبتمبر 2020 لتُعمّق الأزمة. كان المشيشي في البداية قريباً من سعيّد الذي اختاره، لكنه بعد نيل الثقة البرلمانية بدأ يعتمد على دعم النهضة وحلفائها.
رأى سعيّد في ذلك خروجاً عن الخط الذي رسمه له، ورأت النهضة في المقابل أن رئيس الحكومة بات يستمد شرعيته من البرلمان لا من الرئاسة. وحينها تحوّل الخلاف إلى سؤال دستوري مفتوح: من يملك فعلياً السلطة التنفيذية؟.
تصريح "زوم" وكسر الثقة
في كانون الثاني/ يناير 2021، أجرى المشيشي تعديلاً وزارياً حاز ثقة البرلمان، لكن سعيّد رفض استدعاء الوزراء الجدد لأداء اليمين، محتجاً بشبهات فساد وتضارب مصالح.
تمسّك الغنوشي بأن الدستور لا يعطي الرئيس هذا الحق بعد حصول الحكومة على الثقة البرلمانية، وأن ما يفعله سعيّد يمثّل تجاوزاً صريحاً للصلاحيات.
في خضمّ هذا الخلاف، أدلى الغنوشي بتصريح عبر تطبيق "زوم" قال فيه إن "دور رئيس الدولة دور رمزي وليس دوراً إنشائياً".
وأشعل التصريح أزمة واسعة؛ إذ اعتبره مؤيدو سعيّد تقليصاً صريحاً لصلاحيات رئيس انتخبه ثلاثة ملايين تونسي، فيما رأى المعارضون أنه لم يكن سوى وصف لما نصّ عليه دستور 2014 في نظامه شبه البرلماني.
شلّت هذه الأزمة الحكومة أشهراً، وبقيت وزارات تدار بالنيابة، فيما كشفت أن الخلاف لم يعد قابلاً للحل بالتفاوض، بل أصبح صراعاً على تفسير الدستور نفسه.
"فراغ دستوري"
ارتبط انقلاب قيس سعيّد على السلطة في 25 تموز/ يوليو 2021 بملف المحكمة الدستورية التي نصّ عليها دستور 2014، ولم تُشكّل حتى اليوم.
نصّ الدستور على إرساء المحكمة خلال سنة من الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، لكن الخلافات الحزبية الحادة حول توزيع المقاعد أعاقت تشكيلها لسنوات.
وفي آذار/ مارس 2021، صادق البرلمان على تعديل قانون المحكمة يخفّض نصاب الانتخاب، لكن سعيد رفض التوقيع عليه.
انقلاب 25 تموز.. من المادة 80 إلى الدبابة
استند سعيد في إجراءاته إلى المادة 80 من دستور 2014، التي تتيح للرئيس اتخاذ تدابير استثنائية حين "يتعذّر السير العادي لدواليب الدولة"، بشرط أن تكون مؤقتة وأن يُشعر بها رئيسَي الحكومة والبرلمان.
وحينها برر أنصار سعيد خطوة الانقلاب بأن أن شروط المادة كانت متوفرة في ظل شلل برلماني وأزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة فاقمتها جائحة كوفيد، وأن الرئيس أنقذ الدولة من انهيار وشيك.
لكن النهضة والمعارضة، ومعهم عدد من فقهاء القانون الدستوري، رأوا أن سعيد تجاوز شروط المادة من اليوم الأول، معتبرين أنه لم يكن ثمة "خطر داهم" يهدد وجود الدولة، ولم يلتزم بالإشعار السليم لرئيس البرلمان.
ولاحقا، مدّد سعيّد التدابير في آب/ أغسطس 2021 إلى أجل غير مسمى بدلاً من إعادتها في ثلاثين يوماً كما يقضي الدستور.
وقال الغنوشي إن ما جرى كان "هدية بشعة" للشعب في ذكرى "عيد الجمهورية"، وإن المشهد أمامه كان "مريعاً ومزعجاً وفضائحياً"، مسمياً ما جرى "ليلة الانقلاب" التي "نقلت نظاماً تعددياً فيه فصل للسلطات إلى النظام الفردي".
اظهار أخبار متعلقة
من التجميد إلى الحل إلى السجن
في غضون شهور، قام سعيّد بسلسلة إجراءات ثبتت انقلابه. في آب/ أغسطس 2021 مدّد سعيد تجميد البرلمان إلى أجل غير مسمى. وفي آذار/ مارس 2022، حاولت كتل برلمانية عقد جلسة افتراضية لإلغاء إجراءاته، فردّ بحل المجلس نهائياً.
وفي تموز/ يوليو 2022 أجرى استفتاءً على دستور جديد يمنحه صلاحيات رئاسية موسّعة، فاز بنعم 94 بالمئة لكن بنسبة مشاركة لم تتجاوز 30 بالمئة.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2022، جرت انتخابات تشريعية قاطعتها كبرى أحزاب المعارضة.
وفي تصريحات خاصة لـ"عربي21" حينها، قال الغنوشي إن مقاطعة نحو 90 بالمئة من الشعب التونسي لتلك الانتخابات "يمثل الجواب الشعبي الأكثر مصداقية عن رفض الشعب التونسي للمسار الذي أطلقه الرئيس قيس سعيد في 25 من تموز/ يوليو 2021".
ودعا في الحوار ذاته الاتحادَ العام التونسي للشغل إلى "الاضطلاع بدوره الوطني ورعاية حوار وطني لا يستثني أحداً"، مؤكداً أن النهضة "لن تكون عائقاً أمام أي حوار وطني"، وأنها لا تقدم نفسها بديلاً عن الوضع الحالي، ولا تعمل من أجل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل تسعى إلى التمكين للديمقراطية التي تحفظ حقوق الجميع، وتُبقي تونس جزءاً من عوامل الأمن والاستقرار الإقليمي.
"اقتحام موعد الإفطار"
في 17 نيسان/ أبريل 2023، فاجأت قوات أمنية الغنوشي باقتحام منزله عند موعد الإفطار في شهر رمضان، واقتادته إلى جهة غير معلومة.
تتالت بعدها محاكمات الغنوشي التي لم يحضرها الأخير اعتراضا على مشروعية المحكمة.
حيث صدر بحقه حكم ثلاث سنوات في قضية تمويل أجنبي، و22 عاماً في قضايا فساد مالي، و20 عاماً في قضية "التآمر على أمن الدولة"، فضلاً عن أحكام أخرى في قضيتي "الجهاز السري" و"المسامرة الرمضانية"، حتى بلغ مجموع ما صدر بحقه نحو 80 عاماً.
رفض الغنوشي الطعن في الأحكام احتجاجاً على "انعدام أدنى شروط المحاكمة العادلة"، وفق ما قالت هيئة دفاعه.
اظهار أخبار متعلقة
سعيّد: أنقذنا الدولة.. ولا سجناء رأي
قال الرئيس قيس سعيّد في أكثر من خطاب وتصريح رسمي إن "الدولة كانت على وشك الانهيار، وسننقذها من الفوضى والفساد".
وشدد على أن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها منذ 25 تموز/ يوليو 2021 جاءت لـ"استعادة الدولة" بعد سنوات من الشلل السياسي والفساد المستشري، حسب وصفه.
وفي سياق المحاكمات التي طالت راشد الغنوشي وقيادات النهضة، زعم سعيّد مراراً أن "لا يوجد سجناء رأي في تونس"، وأن جميع القضايا المرفوعة هي ملفات قانونية عادية تتعلق بالفساد والتآمر على أمن الدولة وتمويل أجنبي، وأن القضاء مستقل تماماً ولا يتلقى أوامر من أحد.