مجال سياسي إسلامي موحد بين الحلم والإمكان

نور الدين العلوي
"لا يسهل العمل على بناء مجال إسلامي، لقد تحول الاستقلال إلى انفصال"- إكس
"لا يسهل العمل على بناء مجال إسلامي، لقد تحول الاستقلال إلى انفصال"- إكس
شارك الخبر
ضاعفت الحرب الظالمة على إيران مشاعر القهر، وأعادت في ذات الوقت الآمال في قيام قوة سياسية إسلامية تجمع قوة الدول الإسلامية وطاقاتها شعوبها. وهذه الفكرة قديمة نعثر على بدايتها في فكر النهضة، وهو الفكر المتولد من تاريخ الخلافة الجامعة للأمة، وقد كتب فيها الكثير من بلاد المغرب إلى بلاد السند. هل يملك هذا الأمل أن يتحول إلى واقع معيش يرد به كل عدوان على أمة ذات قدرات عالية؟ ما هي العوائق التي تسد الطريق على بناء هذا المجال السياسي الذي يوحده الدين والجغرافيا وكثير منه ينطلق لغة واحدة وموحدة؟ وكله خاض حروب التحرير من العدوان الغربي بعد أن خضع لهذا الاستعمار عقودا طويلة تدمرت فيها إمكاناته ونُهبت ثرواته.

الدولة القطرية خربت حلم الشعوب

هذا الأمل يسكن مهج الشعوب ولا يفوّت فرصة ليعبر عن نفسه بصيغ مختلفة أدناها كرة القدم في اللقاءات الدولية، لكنه يصطدم بعائق جبار وهو تحول الدولة القُطرية إلى أمة موهومة تحارب من أجل حدودها التي سطرها الاستعمار وتؤلف مهجة شعبها على الانعزال عن محيطه، سواء في المجال العربي أو في المجال الإسلامي الأوسع. ونحن نكتب هذا نتابع حرب باكستان وأفغانستان على قضايا حدودية صنعها الاستعمار الإنجليزي بالتفريق الشرير بين مكونات قبيلة حدودية واحدة. وغير بعيد منا حرب الجزائر والمغرب على قضية الصحراء التي خرّبت قيام أي نوع من الاتفاقات بين أقطار المنطقة ولو في حدود اقتصادية دنيا.

الحديث عن مجال إسلامي يبدو لي مبكرا جدا وهو أقرب إلى أحلام الشعوب الخاضعة للقهر منه إلى برنامج سياسي قابل للتنزيل في الزمن الحاضر، مع التنبيه إلى أننا لا نعني هنا قيام كيان سياسي واحد ولو في شكل فيدرالية، إنما نرى إمكانات تعاون تتجاوز عار الجامعة العربية

لقد حولت الأنظمة التي حكمت بعد الاستقلال أقطارها إلى أمم في حالة حرب مع جيرانها، وما من دولة عربية إلا وقد خاضت حربا مع دولة عربية جارة، والأمر نفسه مع الدول الإسلامية ولو عددنا الحروب البينية لما كفانا المجال، وقد تركت كل هذه الحروب عداوات بين الشعوب تتفجر بسهولة حتى في مقابلة كرة قدم. ونظن أن الأنظمة قد سعت إلى ذلك وتقصدت أن تصنع هذه العداوات لأنها تريحها من خطاب التوحيد والقوة التي هي مهج الشعوب نفسها كما أسلفنا. هذه العدوات المصطنعة مفيدة للأنظمة، فهي تعفيها من قضية فلسطين مثلا بزعم حماية شعوبها من العقاب الصهيوني والغربي المناصر للكيان. لا تشعر هذه الدول (الأنظمة) بالعار عندما تبرر لشعوبها حمايتهم مقابل التخلي عن الفسطيني في معركته وأحيانا بيعه مقابل التطبيع.

عائق التوحيد كان الاستعمار المباشر، فلما حلت الدولة القُطرية (الوطنية) استثمرت في التفريق، فتحولت إلى عائق جبار وخونت الشعوب التي تطمح إلى أكثر من وجود قُطري مسيّج بأيديولوجيا انفصالية. تحت تسلط الدولة (المسماة وطنية) لا يسهل العمل على بناء مجال إسلامي، لقد تحول الاستقلال إلى انفصال، ونشأ واقع حال معاد لكل وحدة سياسية، وسيُبذل جهد جبار في تلطيف هذه النزعة القطرية، وسيأخذ ذلك وقتا طويلا، لذلك فإن الحديث عن مجال إسلامي يبدو لي مبكرا جدا وهو أقرب إلى أحلام الشعوب الخاضعة للقهر منه إلى برنامج سياسي قابل للتنزيل في الزمن الحاضر، مع التنبيه إلى أننا لا نعني هنا قيام كيان سياسي واحد ولو في شكل فيدرالية، إنما نرى إمكانات تعاون تتجاوز عار الجامعة العربية.

النخب القُطرية عائق إضافي

لقد صنعت الدولة القطرية نخبة سياسية قُطرية على شاكلتها، تفكر داخل ما رسمه الاستعمار من حدود. ولذلك كثيرا ما نطّلع على اشتباك نخبوي قُطري لا يختلف في شيء عن اشتباك الجمهور الكروي في الملاعب. وقد تصدت نخب قومية إلى محاولات توحيد المجال العربي، فاكتشفنا أن الأنظمة القومية التي بنتها كانت أشد انعزالية من الأنظمة التي وصمتها بالرجعية والعمالة للاستعمار. وقد ترك القوميون العرب وفكرهم أسوأ الأثر في نفوس كل من يطمح إلى أي نوع من أنواع الوحدة. إن نموذج القذافي القومي ونموذج بشار البعثي هما أبشع الصور السياسية التي يتذكرها العرب إذا ذكرت لهم وحدة الأمة. ومثل القوميين كمثل اليسار العربي الذي دخل الساحة بمشروع أممي فإذا هو رديف لأنظمة منغلقة على نفسها يبرر لها عزلتها باسم الوطنية.

يُستخلص من النخب الحديثة التيار الإسلامي الواسع من غير السلفية الذي يتجاوز الفكرة القومية إلى فكرة الأمة الإسلامية؛ أن هذا التيار لم تصبه لوثة القُطرية وما زال يصدر عنه قول يوحد الأمة في معارك استقلال وسيادة، ولذلك لا نجد عنده الخطاب القومي العرقي ولا الوطنية المنغلقة على نفسها. ولأنه لم يمارس السلطة مثل القوميين العرب فإننا لا نستطيع الحكم عليه من خلال تجربة، إنما مازلنا نتابع خطابه فيظهر أنه الأعلى صوتا في مطلب التوحيد أو بناء المجال السياسي الإسلامي الموحد. وهذا سر التعاطف الكبير من جماعات إسلامية عربية وتركيا أردوغان، وسر الغبطة بسلاح ردع باكستاني وتحرر أفغاني وبناء تجربة ديمقراطية في السنغال بيد إسلاميين. إن المجال السياسي الإسلامي قائم في مهج التيار الإسلامي الواسع ولكنه لم ينزل الأرض بعد، فالعائق الذي وضعته الدولة الوطنية يشتغل ضد هذا المشروع بل يخون كل من يفكر فيه.

من المشاعر الفياضة إلى المؤسسات

في الزمن القصير الذي أتيح فيه لإسلاميين بعض السلطة اقتحموا غزة المحاصرة بوفود رسمية وشعبية، ولا يمكن وضع تلك الأفعال إلا في سياق توحيد المجال السياسي العربي. غير أن ذلك لم يدم طويلا، لقد ارتدت الوطنية على الأممية وحوصرت غزة من الدول الوطنية أكثر من العدو المحتل فتبين من ذلك طريق للمستقبل.

الدويلات الوطنية لن تحرر فلسطين ولن توحد المجال العربي، وهي أعجز من أن تفكر في توحيد مجال إسلامي بأية صيغة كانت

الدويلات الوطنية لن تحرر فلسطين ولن توحد المجال العربي، وهي أعجز من أن تفكر في توحيد مجال إسلامي بأية صيغة كانت.

ودون التبرير للدولة العربية القُطرية الانعزالية، وجب التنويه إلى أن الرسائل السياسية التي تصل إلى المجال العربي من المجال الإسلامي غير العربي غير مطمئنة وتدفع إلى الحذر البالغ، من ذلك أن التوسع الإيراني في المجال العربي (باسم الإسلام وتحرير فلسطين) يثير ريبة كبيرة ويتحول إلى عداوة صريحة فهو احتلال يتخفى خلف فلسطين. وغير بعيد من ذلك السعي التركي في المجال العربي وإن كان يتقدم بلا مليشيا ولا ديماغوجيا تحرير.

هنا يقتضي الأمر التوقف للتفكير في تحويل حماس الشعوب ورغبتها في الاستقواء ببعضها من المشاعر إلى المؤسسات، مؤسسات تجمع الشعوب وتقرب الأنظمة عبر العمل السياسي المشترك في قضايا جامعة وتحد من كل رغبة استحواذ وتسلط باسم مشروع توحيد الأمة، فلا معنى أن تتوحد الشعوب ضد احتلال غربي فتقاومه فتجد نفسها تحت احتلال تركي أو إيراني.

من سيبني هذه المؤسسات الفوق قُطرية، ويوجه مهج الشعوب ويحول الضغط على الأنظمة ويدفعها بقوة الشوارع إلى صيغ من الوحدة السياسية والاقتصادية؟

لا نجزم باقتراح إجابة وتسمية تيار، ولكن نذكر بأن آلام غزة في حرب الطوفان وما سبقها وما يتلوها ناتج عن خذلان عربي أكثر من عدوان المعتدي. ونحن نكتب هذا ونرى إيران تحارب وحدها ولا تجد نصيرا إسلاميا، كما نرى تمزق السودان في حرب أهلية لا يقوم لها إخوة يضعون لها حدا.

إننا قادرون على حساب كلفة الفرقة والتمزق وقادرون على تخيل ثمرة الوحدة، ونصل دوما إلى اللحظة التي نحول فيها الخطة الممكنة إلى حلم لنحفظ الفكرة من الزوال، فنحن واعون بأن الدولة القُطرية جرثوم اكتسب مناعة عظيمة ضد أحلام الشعوب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)