لماذا تأجل مؤتمر "الحوار الجنوبي" بالرياض؟.. مصادر تكشف الأسباب لـ "عربي21"

السلطات اليمنية طلبت تأجيل المؤتمر في الرياض- الأناضول
السلطات اليمنية طلبت تأجيل المؤتمر في الرياض- الأناضول
شارك الخبر
تراجع النشاط والحراك السياسي للمكونات والقوى السياسية جنوب اليمن، بشأن مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده في العاصمة السعودية، بناء على طلب من السلطات اليمنية، وهو يثير أسئلة عدة عن أسباب ودلالات ذلك.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، قد وجه في كانون الثاني/ يناير الفائت، طلبا للمملكة العربية السعودية، باستضافة "حوارا بين المكونات والقوى الجنوبية" تلبية لدعوة وجهتها إليه، قيادات وشخصيات سياسية وحكومية، لوضع حلولا لما يسمى " القضية الجنوبية"، وذلك إثر الهزيمة الساحقة التي مني بها الانفصاليون المدعومون من الإمارات في محافظتي حضرموت والمهرة، شرقي البلاد. 

بدورها، رحبت الخارجية السعودية بطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، استضافة المملكة مؤتمرا لجميع المكونات الجنوبية بهدف "وضع تصور شامل لحلول عادلة للقضية الجنوبية".

اظهار أخبار متعلقة



إرجاء مؤتمر الحوار الجنوبي

وفي السياق، كشف مصدران يمنيان مطلعان لـ"عربي21" أن الحوار الجنوبي بين المكونات والقوى السياسية اليمنية الجنوبية، تم تأجيله بشكل غير معلن، وسط تباينات في الرؤى والتمثيل، في ظل أحاديث عن محاولات إقصاء وتهميش القوى الأخرى.

وقال المصدران إن التعقيدات الأمنية والعسكرية ما بعد إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في كانون الثاني/ يناير المنصرم، فرضت عملية إرجاء لمؤتمر الحوار الذي استجابت المملكة العربية السعودية لطلب السلطات اليمنية باستضافته، لبلورة رؤية موحدة للأوضاع في محافظات جنوب اليمن أو ما يسمى " القضية الجنوبية".

وبحسب المصدرين أن  الأولوية الراهنة هي لتطبيع الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية على الأرض في المحافظات الجنوبية التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي المنحل (المنادي بانفصال جنوب البلاد عن شماله).

وتابع بأن السعودية لديها خطة أولويات تتمثل في "توفير الخدمات ودفع مرتبات الموظفين العموميين ودمج التشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي المنحل في القوات الحكومية".

رؤى متعددة وغياب موعد زمني

يأتي ذلك في ظل تعدد الرؤى بشأن شكل الحوار والقضايا المطروحة وطريقة تمثيل القوى والمكونات الجنوبية. إلى جانب البيئة السياسية لانعقاد مؤتمر الحوار المعقدة، حيث لا يزال زعيم المجلس الانتقالي المنحل، عيدروس الزبيدي ( المتهم بالخيانة العظمي) بعد إسقاط عضويته من مجلس القيادة الرئاسي، يمانع ويرفض أن يسلم بالأمر الواقع.

وعاد المجلس الانتقالي المنحل إلى التحرك من جديد، من خلال اللجوء إلى حشد أنصاره في محافظات المهرة وحضرموت وشبوة وأبين ولحج وعدن، وهو الأمر الذي يضيف تعقيدات وعراقيل أمام محاولات تطبيع الأوضاع في هذه المناطق من بينها العاصمة المؤقتة عدن. 

ومع غياب أي موعد محدد أو جدول زمني لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي الذي وافقت السعودية على استضافته، شهدت عاصمتها، لقاءات وفعاليات في هذا السياق في وقت سابق من يناير الماضي، قبل أن ينحسر هذا الحراك لمصلحة الترتيبات الأمنية والعسكرية التي تجريها المملكة، وتمثل أولوية بالنسبة لها، والحكومة اليمنية بعد إعادة تشكيلها برئاسة، شائع الزنداني.

اظهار أخبار متعلقة



لحظة مفصلية

وتعليقا على ذلك ، يرى مبارك محمد هدنه، المنسق العام المساعد لحلف أبناء وقبائل محافظة شبوة ( أكبر تكتل قبلي بالمحافظة الواقعة جنوب شرق اليمن)، أن الجنوب اليمني يواجه لحظة فاصلة في تاريخه السياسي الحديث؛ تتسم بتشظٍ غير مسبوق في المواقف، وتعدد في الكيانات، وتضارب في المشاريع، حتى بات المشهد الجنوبي وكأنه مجموعة "جزر سياسية" منفصلة، لكل منها علمها  ونشيدها وخطابها الخاص.

وقال هدنه في حديث خاص لـ"عربي21" إنه لم يعد الحديث عن التوافق مجرد كلمات عابرة، بل أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمن سيمثل المحافظات الجنوبية والشرقية وبأي شرعية ستُعتمَد أصوات هؤلاء في مسار يُفترض أن يؤسس لتوافق جامع يمثل مختلف الأطياف والمناطق، ويخلق رؤية موحدة تجد طريقها إلى طاولة الحلول النهائية "كمسار خاص"، وفقاً لما نص عليه اتفاق الرياض.

وأشار إلى أن الجميع يدرك أن أي حوار "جنوبي - جنوبي" يحتاج لنجاحه إلى تهيئة الظروف والبيئة الآمنة والصحية.. لذا، سارعت المملكة العربية السعودية - كحاضنة للحوار وقائدة للتحالف- إلى دعم هذا المسار عبر حزمة من الإجراءات التنموية والأمنية في المناطق الجنوبية والشرقية تتمثل في "الدعم الخدمي والاقتصادي" عبر "تأمين الرواتب، ودعم البنى التحتية المتهالكة في قطاعات الكهرباء، والتعليم، والصحة".

ونوه إلى ضرورة العمل على توحيد وترتيب الملف الأمني والعسكري، وإخراج المعسكرات من عدن "لخلق بيئة أمنية ملائمة".

وبحسب المنسق العام المساعد لحلف قبائل شبوة فإن توحيد جميع القوات الأمنية والعسكرية تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية بإشراف سعودي مباشر "لضمان تحييد القوة العسكرية عن أي أطراف مشاركة في الحوار".

 وأكد القيادي الجنوبي على أن هناك إشكالية مركزية تواجه الحوار الجنوبي تتمثل في "طبيعة الحضور السياسي" الذي يعكس إرادة الجنوب الحقيقية.

وقال : "ففي عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية، تتصاعد محاولات لاختزال إرادة المجتمعات المحلية في كيانات بعينها، مقابل تهميش قوى اجتماعية وقبلية وسياسية فاعلة، ترى أن حضورها يتم تجاوزه عمداً لصالح ترتيبات سياسية مسبقة".

وأردف : هذا النمط لا يعكس تعددية الجنوب بقدر ما يعيد إنتاج "منطق الهيمنة"، محذرا من تبعات هذه الإشكالية التي قد تهدد بتحويل الحوار من مسار توافقي إلى أداة لشرعنة واقع مفروض، ويعمّق الشكوك حول جدية الشراكة في ظل غياب معايير شفافة تضمن مشاركة عادلة لكل محافظة.

وأوضح القيادي في حلف قبائل محافظة شبوة أن الحوار الجنوبي في الرياض يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في الانتقال من إدارة الصراع على التمثيل إلى معالجة جوهر القضية الجنوبية.

وأضاف أن ذلك يأتي في ظل مساعي سعودية لإعادة ترتيب البيت الجنوبي وتوحيد الخطاب، ومحاولات بعض الأطراف لترسيخ نفوذها الأحادي، تبرز الحاجة الملحّة إلى إطار يضمن مشاركة شاملة ومتوازنة.

ولفت هدنه إلى أنه إذا لم تُصحَّح خريطة الحضور السياسي، ويُعترف بخصوصية وتعددية المحافظات الجنوبية والشرقية، فإن مخرجات الحوار قد تأتي هشة وقابلة للتآكل، بل قد تُسهم في تكريس الانقسام بدلاً من تجاوزه.

اظهار أخبار متعلقة



ثلاث نقاط رئيسية

من جانبه، قال وكيل محافظة لحج، هاني بن كرد إن القضية الجنوبية مرت بمراحل عدة بدءا بخروج الناس من أجل قضايا وحقوق معينة، قبل أن تقوم  بعض الأطراف السياسية وأيضا دول باستغلال هذا الزخم والمظالم لتحقيق أجندات خاصة بها.

وأضاف بن كرد في حديثه لـ"عربي21" أنه  في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في صنعاء عام ٢٠١٣، برعاية من الأمم المتحدة وتم مناقشة القضية الجنوبية" وتم وضع الحلول المناسبة لها، إضافة إلى أسس ومحددات لأجل ذلك.

وأشار إلى أن مؤتمر الحوار الوطني وضع أسس و محددات لحل القضية الجنوبية لكن هناك من لم تعجبه هذه الحلول و المرجعيات التي خرجت من مؤتمر الحوار الوطني، فانقلب الحوثي في صنعاء، وعارضت أطراف في الجنوب مخرجات الحوار الوطني.

وتابع بأنه وبعد ذلك وجد من يدعم هذه القوى التي عارضت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني وما قدم للقضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني، لم يعطى لها من قبل، موضحا أن أبناء المحافظات الجنوبية يحكمون أنفسهم، فالوظائف من سنوات كانت فيها متوازنة، إضافة إلى إعادة المبعدين وصرف مستحقات المبعدين عقب حرب 1994.

وبحسب وكيل محافظة لحج فإن القضية الجنوبية ليس حكرا على مجموعة أو طائفة معينة، فجنوب اليمن لم يخلق كي يصنع طاغية أو يصنع دكتاتور يعبث به وبمقدراته، ويعمل في أبنائه قتلا وتهجيرا.

وقال المسؤول اليمني إن المجلس الانتقالي وقيادته تعاملت مع الجنوب بمنهجية مقيتة وبغيضة، بل تعاملوا مع عدن معاملة المحتل، وهو الأمر الذي أثار رفض محافظات جنوبية وشرقية لمشروعه وتصرفاته الرعناء.

وأوضح أن مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده في الرياض سيناقش ثلاث نقاط رئيسية  بالنظر إلى القوى والأطراف المشاركة فيه، فالنقطة الأولى "الانفصال" وهو الشعار الذي يرفعه المجلس الانتقالي قبل حله، والنقطة الثانية : "الأقاليم"، وهو المشروع الذي جاء نتاج مؤتمر الحوار الوطني الشامل في صنعاء، أما النقطة الثالثة : الوحدة بصيغتها الراهنة، وهو مشروع تتمسك به قوى جنوبية، لكنها تنتهج الصمت حاليا، بسبب البطش والعنف الذي طالها خلال سيطرة المجلس الانتقالي ودولة الإمارات الداعمة لها.

الخطابات المغلقة

بموازاة ذلك، قال وكيل وزارة الشباب والرياضة في الحكومة اليمنية، شفيع العبد، إن أعضاء وأنصار المجلس الانتقالي ( المنحل) لايزالون يتعاملون مع فكرة الحوار بوصفها امتدادًا لنهجهم الإقصائي، لا باعتبارها أداة وطنية جامعة.

وأضاف العبد في منشور له عبر موقع "فيسبوك"، أن الحوار ـ وفق تصورهم ـ يجب أن يُدار بالآلية ذاتها التي صاغوا بها ما سُمّي حوارًا مع بعض القوى الجنوبية، حيث كانوا الخصم والحَكَم، والرؤية والنتيجة سلفًا.

وبحسب المسؤول الحكومي والناشط في الحزب الاشتراكي اليمني فإن هذا الفهم المختزل للحوار يعكس اعتقادا راسخا لديهم بأنهم لجنة الحوار الوحيدة، وأن ما عدا رؤيتهم لا يعدو كونه تفاصيل هامشية، على أن ينتهي أي نقاش — مهما تعددت أطرافه أو تغيرت ظروفه — بتأييد مشروعهم السياسي.

وقال أيضا: اليوم، يعاد إنتاج الخطاب نفسه، بذات اللغة والمفردات، في تجاهلٍ لافت لما شهدته الساحة الجنوبية من تحولات عميقة ومتغيرات سياسية لا يمكن القفز عليها"، متابعا القول : "وكأن الزمن توقف عند لحظة بعينها، وكأن الفاعلين الجدد، والتوازنات المختلفة، والوقائع المستجدة، لا وجود لها".

وأوضح وكيل وزارة الشباب أن أخطر ما في هذا الطرح أنه يقلب المعادلة رأسًا على عقب"، لافتا إلى أن الحل ليس شرطًا مسبقًا للحوار، ولا نتيجة مفروضة عليه، بل هو ثمرة طبيعية لمسار حواري حقيقي، قائم على الندية والاعتراف المتبادل واحترام التعدد.

 أما الحوار الذي يُراد له أن يكون مجرد بوابة للالتحاق بمشروع جاهز، وفقا للعبد "فليس حوارًا، بل وصاية سياسية مرفوضة".

وأكد على أنه في هذه المرحلة الدقيقة، لا تحتمل القضية الجنوبية مزيدًا من الخطابات المغلقة، ولا محاولات احتكار التمثيل أو مصادرة المستقبل، مشيرا إلى أن ما تحتاجه هو حوار جاد، مفتوح، يعترف بتغير الواقع، ويؤمن بأن الحلول تُصاغ على طاولة النقاش، لا في بيانات مُسبقة الصياغة أو تغريدات عبر وسائل التواصل.

وشهد اليمن في كانون الثاني/ يناير الفائت، تحولا استراتيجيا حاسما مع نجاح قوات تابعة للجيش اليمني وبدعم سعودي في فرض معادلة جديدة بعد طرد قوات انفصالية مدعومة من الإمارات من محافظتي حضرموت والمهرة، شرقا، إثر تلقيها هزيمة ساحقة، الأمر الذي مهد الطريق أمام التوسع نحو المعاقل السياسية والعسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في الضالع ولحج، جنوبا، وصولا إلى العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن.

وفي يناير أيضا، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي حل نفسه وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية وإلغاء مكاتبه في الداخل والخارج، وفق بيان مصور بثته "قناة اليمن" الحكومية، وتلاه الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس (قبل حله) عبد الرحمن الصبيحي.

وقال الصبيحي إن حل المجلس جاء على خلفية التطورات الأخيرة في محافظتي حضرموت والمهرة، وتمهيدا للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده بالسعودية، عقب طلب من العليمي.
التعليقات (0)