وجدت
فنزويلا نفسها، فجأة، في قلب معادلة قاسية تجمع بين السياسة والنفط والعقوبات، بعد اعتقال الرئيس نيكولاس
مادورو وما تبعه من إعلان أمريكي بدخول "حظر نفطي" شامل حيّز التنفيذ.
لم يعد السؤال محصورا بكمية
النفط الخام أو القدرة على الإنتاج، في بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، بل بات مرتبطا بمصير الصادرات، وآليات تطبيق العقوبات، واستثناءات الشركات الأمريكية، وترتيبات مرحلة سياسية غامضة.
وبينما تتضارب المؤشرات بين استمرار التشغيل داخل الحقول وتوقف الشحن في الموانئ، يفتح المشهد الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل النفط الفنزويلي ودوره في الصراع الدولي الدائر حول البلاد.
توازي مساحة فنزويلا تقريبًا ضعفي مساحة ولاية كاليفورنيا، وتحتضن أكبر احتياطيات نفط في العالم، وبحجم يقدر بنحو 300 مليار برميل، أي ما يقارب 20 بالمئة من الإجمالي العالمي ونحو أربعة أضعاف احتياطيات
الولايات المتحدة، يتجاوز هذا المخزون ما تمتلكه أي دولة أخرى.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم ذلك، فقد قيّدت الأزمات الاقتصادية الحادة وعدم الاستقرار السياسي المتواصل قدرة البلاد بشكل كبير على تحويل هذه الاحتياطيات الضخمة إلى إنتاج نفطي مستدام، وهي معادلة تتكرر في دول مثل إيران وليبيا، حيث يحد الاضطراب والعقوبات وتراجع البنية التحتية من مستويات الإنتاج رغم وفرة الموارد.
وعمليًا، تجمّدت صادرات النفط الفنزويلية عقب اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من العاصمة كراكاس، في توقيت أعلنت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن "حظرًا نفطيًا" دخل حيّز التنفيذ الكامل.
وفي المقابل، أفادت وكالة "رويترز"، نقلا عن مصادر مطلعة، بأن إنتاج النفط وعمليات التكرير واصلا العمل بصورة طبيعية خلال الأسبوع الماضي، من دون تسجيل أضرار في أبرز منشآت شركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA نتيجة الهجمات الأمريكية التي استهدفت اعتقال مادورو، وفق تقييم أولي.
وقال مصدران لـ"رويترز" في 3 يناير/كانون الثاني، لديهما معرفة مباشرة بعمليات PDVSA، إن الإنتاج والتكرير سارا بشكل طبيعي خلال الأسبوع الماضي، وإن المنشآت الرئيسية لم تتعرض لأضرار جراء الضربات الأمريكية، فيما أشار أحد المصدرين إلى أن ميناء لا غوايرا قرب كراكاس، وهو من أكبر موانئ البلاد لكنه غير مستخدم في عمليات النفط، قيل إنه تعرّض "لأضرار جسيمة".
توقف الشحن وارتباك سلاسل الإمداد
وبحسب "رويترز"، توقفت عمليات الشحن فعليًا بعدما أصبحت صادرات النفط الفنزويلية "مشلولة"، إذ أفادت أربعة مصادر قريبة من العمليات، السبت، بأن قادة الموانئ لم يتلقوا طلبات لتفويض السفن المحملة بالإبحار، بعدما كانت الصادرات قد تراجعت إلى الحد الأدنى عقب إعلان ترامب فرض حصار على جميع الناقلات الخاضعة للعقوبات التي تدخل وتخرج من المياه الفنزويلية.
وجاء هذا الشلل بالتزامن مع إعلان
واشنطن اعتقال مادورو وزوجته من كراكاس، وإعلانها أنها ستشرف على انتقال سياسي في الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية، بينما قال ترامب، السبت، إن "حظرًا نفطيًا" على البلاد أصبح ساري المفعول بالكامل.
وأظهرت بيانات المراقبة، بحسب "رويترز"، أن عدة سفن محملة بالخام والوقود والمتجهة إلى وجهات تشمل الولايات المتحدة وآسيا لم تبحر بعد، في حين غادرت سفن أخرى كانت تنتظر التحميل وهي فارغة، ما عكس ارتباكًا مباشرًا في سلسلة الإمداد المرتبطة بالموانئ.
العقوبات والتصعيد العسكري
وفرضت الولايات المتحدة أواخر العام الماضي عقوبات على أربع شركات قالت إنها تعمل في قطاع النفط الفنزويلي، إضافة إلى ناقلات نفط مرتبطة بها، في إطار تكثيف الضغط على قطاع الطاقة، معتبرة أن هذه الخطوة مثلت أحدث إجراء ضمن حملة ترامب ضد مادورو قبل اعتقاله.
وشملت حملة الضغط، زيادة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتنفيذ أكثر من عشرين ضربة على سفن زعمت واشنطن تورطها في تهريب المخدرات في المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، ما وضع قطاع الطاقة في قلب التصعيد السياسي والأمني.
وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنها فرضت عقوبات على متداولي النفط في فنزويلا قالت إنهم تحايلوا على العقوبات لصالح حكومة مادورو، وذكرت أن من بين الأهداف أربع ناقلات، واتهمت بعضها بالانتماء إلى ما يعرف بـ"أسطول الظل".
ويشير هذا المصطلح إلى سفن تنقل نفطًا خاضعًا للعقوبات، وغالبًا ما تكون قديمة، ذات ملكية غير شفافة، وتبحر دون تغطية تأمينية من الدرجة الأولى، بما لا يتوافق مع معايير الامتثال الدولية الخاصة بشركات النفط الكبرى والعديد من الموانئ.
اظهار أخبار متعلقة
ومن جانبه، قال وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت: "كان الرئيس ترامب واضحًا: لن نسمح للنظام غير الشرعي لمادورو بالاستفادة من تصدير النفط بينما يُغرق الولايات المتحدة بالمخدرات القاتلة".
رد فنزويلي وتوقعات الإغلاق
وقبل اعتقاله، رفض مادورو وحكومته أي تورط في أنشطة إجرامية، وقالوا إن الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير النظام "للسيطرة على احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة".
وفي منتصف كانون الأول/ديسمبر، رجحت "بلومبرغ"، نقلًا عن أشخاص مطلعين، أن فنزويلا قد تضطر إلى البدء في إغلاق بعض آبار النفط مع اقتراب نفاد طاقة التخزين عقب مصادرة ناقلة نفط وخطط واشنطن لمنع سفن أخرى خاضعة للعقوبات. وأضافت الوكالة أن مخازن النفط الرئيسية والناقلات الراسية في المرافئ امتلأت بسرعة، وقد تبلغ طاقتها القصوى خلال نحو 10 أيام.
شيفرون الأمريكية.. الاستثناء المثير للجدل
وبين تقرير لـ"يورونيوز" صورة موازية، أشار فيها أن استمرار عمل شركة شيفرون الأمريكية في فنزويلا بدا "حالة شاذة" في ظل تشديد العقوبات، مرجعًا ذلك إلى تطبيق انتقائي للعقوبات بهدف الحفاظ على النفوذ الأمريكي على كراكاس، وإلى عقود طويلة من سياسات النفط.
وأمضت واشنطن سنوات في تشديد العقوبات لخنق عائدات النفط التي أبقت حكومة مادورو قائمة، وفرضت قيودًا واسعة على صناعة النفط الحكومية، وهددت بمصادرة أو عرقلة ناقلات، وحذرت شركات حول العالم من التعامل مع فنزويلا.
وصادرت الولايات المتحدة في أوائل كانون الأول/ديسمبر ناقلة نفط خاضعة للعقوبات قبالة سواحل فنزويلا، في أول عملية من هذا النوع ضمن حملة الضغط الحالية، وأثارت إدانة شديدة من كراكاس وصفت فيها العملية بأنها "سرقة".
واستحوذت واشنطن لاحقًا على ناقلة ثانية شرق بربادوس، وسعت لملاحقة ناقلة ثالثة مرتبطة بفنزويلا حاولت التهرب من الصعود على متنها وكانت خاضعة لأمر مصادرة قضائي، موضحًا أن السفن جزء من "أسطول الظل"، وأن الولايات المتحدة إذا استولت عليها تعتزم الاحتفاظ بالسفينة وحمولتها.
الخلفية التاريخية والنفط والسياسة
وتشير المعطيات منذ بدايات القرن العشرين، مرورًا بتأميم القطاع عام 1976 وتأسيس PDVSA، ثم الأزمات الاقتصادية، وصعود هوغو تشافيز، وإعادة التفاوض القسري على العقود، وصولا إلى العقوبات الأمريكية الواسعة منذ 2017 واستهداف قطاع النفط مباشرة في 2019، إلى أن الأنظار الأمريكية تتجه مرارا إلى مصادر الطاقة في الأراضي الفنزويلية.
اظهار أخبار متعلقة
وبقيت شيفرون في فنزويلا بترخيص خاص من وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، سمح لها بالإنتاج والتصدير بشروط صارمة، من دون بدء مشاريع جديدة أو زيادة كبيرة في الإنتاج، مع تصميم العمليات بحيث لا تعود العائدات بفائدة مباشرة على PDVSA أو الدولة.
وأعاد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي تنبؤات تحدث بها الرئيس الراحل هوغو تشافيز حول الأهداف الأمريكية تجاه النفط الفنزويلي.
تصريحات أمريكية
ادعى ترامب أن فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي معروف في العالم، "سرقت" نفط الولايات المتحدة، مستشهدا بمصادرة معدات عقب تأميم قطاع النفط الفنزويلي.
وقال ترامب، السبت، بعد اعتقال مادورو، إن بلاده ستعيد البنية التحتية النفطية الفنزويلية، وستعوض الشركات الأمريكية التي تكبدت خسائر نتيجة عمليات المصادرة.
وتعهد ترامب بإعادة الولايات المتحدة إلى صناعة النفط الفنزويلية بعد اعتقال مادورو، متهمًا الحكومة الاشتراكية بالاستيلاء على أصول الطاقة الأمريكية، كما نقلت عن متحدث باسم شيفرون تأكيده الامتثال الكامل للقوانين ورفضه التعليق على الوضع الأمني.
وقدمت NPR قراءة للسياق، مشيرة إلى أن ترامب ربط العملية الأمريكية جزئيًا بالسيطرة على النفط، فيما نقلت تحليلات حول صعوبة إعادة إحياء القطاع، واستحضرت تجارب تاريخية مماثلة. كما طرحت تقارير "المجلس الأطلسي" تساؤلات حول من سيحكم، وكيف ستدار العائدات، ومصير العقوبات، والوضع الأمني.
وقال ترامب خلال مؤتمر صحفي في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا: "لقد بنينا صناعة النفط في فنزويلا بالمواهب والدافع والمهارة الأمريكية، وسرقها منا النظام الاشتراكي"، مضيفا: "استولت فنزويلا من جانب واحد على النفط الأمريكي، والأصول الأمريكية، والمنصات الأمريكية وباعتها، ما كلفنا مليارات ومليارات الدولارات. لقد أخذوا كل ممتلكاتنا".
واعتبر أن شركات الطاقة الأمريكية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في إعادة بناء قطاع النفط في البلاد، مؤكدا : "سنقوم بإدخال شركات النفط الأمريكية الكبرى جدًا لدينا، لتنفق مليارات الدولارات، وتُصلح البنية التحتية النفطية المدمرة بشدة، وتبدأ في جني الأموال لصالح البلاد".
وترى واشنطن أن احتياطيات فنزويلا الكبيرة من الذهب ساعدت الحكومة على الصمود لسنوات أمام الضغوط الأمريكية، من خلال استخدامها في شراء الأسلحة أو الوقود أو توفير السيولة النقدية.
وتشكلت صورة مصير النفط الفنزويلي بعد اعتقال مادورو بين واقع تشغيلي طبيعي داخل منشآت PDVSA، ومسار تصديري أصيب بالشلل نتيجة توقف تفويض النقل والإبحار، ومقاربة أمريكية شددت العقوبات ورفعت شعار الحظر، مع استثناء شيفرون عبر تراخيص مؤقتة، وسط جدل مفتوح حول الحكم، والعائدات، والعقوبات، ومستقبل الصادرات، ربطتها جميع المصادر بمسار الانتقال السياسي والوضع الأمني.