قال الكاتب والمحلل الأمريكي ديفيد إغناتيوس إن السؤال البديهي بشأن الصراع المتأزم في الشرق الأوسط "كيف سينتهي هذا؟" قد تكون إجابته بالنسبة لإيران بسيطة، وهي أنه لن ينتهي، على الأقل في المستقبل القريب.
ورجح إغناطيوس، في
مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الخميس، أن يشهد الصراع نوعا من وقف إطلاق النار، ربما في وقت قريب، مع استئناف حركة ناقلات النفط عبر مضيق
هرمز، وتوقف قصف القاذفات الأمريكية من طراز بي-52 وبي-2.
ورأى الكاتب أن
إيران ووكلاءها قد يمتنعون عن شن هجمات بالمسيرات عبر الخليج العربي، وربما تتفاوض
طهران على شروط وقف إطلاق النار، إلا أن ذلك لن يغير كثيرا في الواقع، لأن قوتها العسكرية دمرت إلى حد كبير، على الأقل في الوقت الراهن.
وتوقع إغناتيوس أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب النصر كما يفعل دائما، حتى في الحالات التي يخسر فيها، مشيرا إلى أنه أعلن الأربعاء: "لقد انتصرنا"، مع تحذيره في الوقت نفسه بالقول: "علينا إتمام المهمة".
واعتبر الكاتب أن هذا "الانتصار" قد يكون مشابها للانتصارات التي أعلنتها إسرائيل على مدى عقود بعد حروبها التي ألحقت خسائر كبيرة بخصومها في غزة ولبنان، إذ أظهرت هذه الانتصارات تفوقا ساحقا في القوة النارية لكنها لم تقض على العدو.
وقال: "إذا كان هناك درس واحد ينبغي على أمريكا وإسرائيل استيعابه في العقود الأخيرة، فهو أن النجاح العسكري لا يترجم عادة إلى نصر سياسي، في غزة أو أفغانستان، أو الآن، إيران. فالخصم يعود مرارا وتكرارا".
وأضاف أن الإسرائيليين تعلموا أن عليهم الاستمرار في "جز العشب"، وهو التعبير الذي يستخدمونه لوصف دوامة العنف المتكررة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة، بعد تجنب مواجهة شاملة مع إيران لمدة 47 عاما، قد تجد نفسها الآن عالقة في دوامة مشابهة.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد إغناتيوس أن الحرب مع إيران قد تكون انتصارا تكتيكيا على المدى القصير، وأن الإشادات بالقوة العسكرية الأمريكية التي لا تضاهى ستظل صحيحة، موضحا أنه إذا انتهى الصراع غدا فإن إيران ستكون قد خسرت تقريبا جميع منشآتها النووية وعلماءها، ومعظم صواريخها ومنصات إطلاقها، ومعظم مصانع أسلحتها، ومعظم أسطولها البحري، إضافة إلى جزء كبير من مراكز القيادة والسيطرة لقواتها العسكرية والاستخباراتية والأمنية.
لكنه أوضح أن النظام الإيراني ما زال قائما وصامدا رغم تلقيه أقوى ضربة أمريكية، مشيرا إلى سقوط عدد من كبار القادة العسكريين والاستخباراتيين والسياسيين، إلا أنه تم استبدالهم بآخرين.
وأضاف أنه لا توجد أي مؤشرات على انتفاضة شعبية داخل إيران، وأن عناصر الحرس الثوري ما زالوا موجودين رغم اختبائهم بين الأنقاض.
وأشار إلى أن هذه المرحلة قد تمثل النسخة الثانية من الجمهورية الإسلامية، التي قد تتحول في المستقبل المنظور إلى دولة تابعة للحرس الثوري، تعمل ضمن تحالف براغماتي مع مصالح إيران التجارية.
وقال إن الطاقة السياسية للنظام الديني قد استنفدت، إذ لم يكن لدى المرشد الأعلى علي خامنئي خليفة واضح بعد وفاة إبراهيم رئيسي، الذي كان خليفته المفضل، في حادث تحطم مروحية عام 2024.
وأوضح أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الذي تم اختياره الأسبوع الماضي، يفتقر إلى الكاريزما والسلطة الدينية، لكن دافعه سيكون الكراهية والرغبة في الانتقام، مشيرا إلى أنه فقد والده وزوجته وابنه في هذه الحرب.
وأضاف إغناتيوس أنه قد يظهر شخص براغماتي مثل الرئيس الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي كان يدير السلطة الفعلية خلال معظم فترة حكم خامنئي الأب، وقد يجد طريقا للتواصل مع ترامب.
لكنه أشار إلى أن هذا ليس المستقبل الذي كان يتمناه آلاف المتظاهرين الذين قتلوا في كانون الثاني/ يناير، حين قال ترامب إنه سيأتي لإنقاذهم.
وعبر الكاتب عن أمنيته بتغيير النظام في إيران، قائلا إن هذه الحكومة جلبت البؤس لشعبها وجيرانها وتستحق الزوال، لكنه أشار إلى أن خبراء الاستخبارات الذين درسوا النظام الديني لعقود يجدون صعوبة في تصور حدوث ذلك.
ونقل عن مسؤول خليجي بارز معارض للنظام قوله: "لا أعتقد أننا سنكسر إرادتهم، سيعيدون البناء ما داموا على قيد الحياة".
كما نشر محمد مرندي، الأستاذ الإيراني الذي يتحدث باسم النظام، مقطع فيديو متحديا رغم القصف، قال فيه: "سيواصل الإيرانيون هذه الحرب حتى تقر الولايات المتحدة والغرب بأن مهاجمة إيران ليس خيارا مطروحا. لا الآن ولا في أي وقت لاحق. لذا، لن تنتهي هذه الحرب قريبا ما لم يستسلم الطرف الآخر".
اظهار أخبار متعلقة
وتساءل الكاتب عن سبب استمرار النظام الإيراني في القتال، مشيرا إلى أن قادته يستطيعون متابعة البيانات الاقتصادية ومراقبة نقاط ضعف الغرب في حرب طويلة، كما يمكنهم متابعة التطورات السياسية داخل الولايات المتحدة.
وأوضح أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الحرب لا تحظى بشعبية واسعة في الولايات المتحدة، إذ يؤيدها أقل من نصف الشعب الأمريكي، في وقت تقترب فيه الانتخابات النصفية.
وأشار إلى أن مقدم البودكاست الشهير جو روغان، المعروف بتأييده لترامب، وصف الحرب يوم الثلاثاء بأنها "جنونية".
وقال إن هناك سببا أعمق وراء إصرار إيران على القتال، يتمثل في أن الشعوب التي تشعر بأنها لم يتبق لها سوى كبريائها وكرامتها ستواصل القتال حتى في مواجهة خصم قوي.
وأضاف أن هذا الأمر يمثل لغزا متكررا في الحروب الحديثة، مشيرا إلى أن الجنرالات الإسرائيليين ربما تساءلوا أثناء قصف غزة لماذا لم تستسلم حركة حماس.
كما أشار إلى أن ستيف ويتكوف، مفاوض ترامب بشأن إيران، قال الشهر الماضي إن ترامب كان "متفاجئا.. لماذا لم يستسلموا" رغم التهديدات الأمريكية بالهجوم.
وأضاف أن جيلا سابقا طرح السؤال نفسه بشأن الفيت كونغ وفيتنام الشمالية.
وقال الكاتب: "دعونا نعترف بالبديهي: من الأنماط الواضحة في الحروب الحديثة أن القصف الاستراتيجي المصمم لكسر الإرادة الشعبية غالبا ما يأتي بنتائج عكسية".
وأوضح أن الناس غالبا ما يتمسكون بمواقفهم ويواصلون القتال حتى عندما تبدو المعركة خاسرة، مشيرا إلى أن الفخر الوطني والهوية والمقاومة للسيطرة الأجنبية تظل عوامل حاضرة حتى في ظل حكومة بائسة.
وأشار إلى أن مخططي الحرب في إدارة ترامب يدركون مخاطر تسميم الرأي العام الإيراني على المدى الطويل، موضحا أنهم حذروا إسرائيل من استهداف منشآت الطاقة أو شبكة الكهرباء، لما قد يسببه ذلك من شلل طويل الأمد في البلاد.
لكنه أشار إلى وجود تصريحات من مسؤولين أمريكيين تعكس توجها مختلفا، مثل قول وزير الدفاع بيت هيغسيث: "نحن نضربهم وهم في أضعف حالاتهم، وهذا هو الوضع الأمثل".
كما انتقد اقتراح ترامب بأن صاروخ توماهوك إيراني هو الذي دمر مدرسة للبنات، إضافة إلى تقارير تحدثت عن أضرار لحقت بمواقع تراثية ثقافية إيرانية بسبب القنابل الأمريكية.
وأشار إلى أن مثل هذه الأحداث قد تولد غضبا دائما داخل إيران.
اظهار أخبار متعلقة
وتساءل الكاتب عما سيحدث بعد أن قاد ترامب الولايات المتحدة إلى هذه المواجهة، مشيرا إلى أن الحرب غيرت الوضع القائم بشكل يصعب معه التنبؤ بالمستقبل.
وأوضح أن بعض المعطيات تبدو واضحة، منها أن دول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية ستضطر إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، سواء من خلال تطوير الدفاعات ضد الطائرات المسيرة الإيرانية أو إعادة فتح قنوات دبلوماسية مع طهران، أو الجمع بين الخيارين.
وأضاف أن الإمارات العربية المتحدة، التي تعرضت لهجمات صاروخية ومسيرات أكثر من إسرائيل، قد تتجه إلى بناء درع دفاعي متطور.
وأشار إلى أن بعض الدول المجاورة قد تميل إلى التقارب مع طهران، لافتا إلى أن سلطنة عمان هنأت المرشد الأعلى الجديد.
وقال إن الولايات المتحدة، بصفتها القوة الرئيسية في الصراع، قد تعمل على إعادة ضمان حرية الملاحة في الخليج، لكن ذلك سيكون مكلفا للغاية وسيبقي القيادة المركزية الأمريكية في حالة تأهب دائم.
وأضاف أن ترامب يفضل استعراض القوة الأمريكية، لكنه يميل إلى تحميل الآخرين تكلفة ذلك، مشيرا إلى أنه أضعف الثقة بين الحلفاء من خلال فرض تعريفات جمركية والحديث عن ضم غرينلاند، ما قد يعقد أي خطة مشتركة لإدارة الأزمة.
وحذر إغناتيوس من احتمال عودة الإرهاب المرتبط بإيران أو المتعاطفين معها، معتبرا أن هذا السيناريو لم يتحقق بعد لكنه قد يكون شديد الخطورة.
وأشار إلى أن مراقبي شؤون الشرق الأوسط يتذكرون منظمة أيلول الأسود التي ظهرت بعد حرب 1970، موضحا أن الشبكات المرتبطة بإيران قد تكون أكثر فتكا بكثير.
وأضاف أن متابعة أحداث الشرق الأوسط لعقود طويلة تعطي أحيانا شعورا بأن التاريخ يعيد نفسه.
واستشهد بمقولة وردت في مذكرات كيرميت روزفلت، الذي نظم انقلاب عام 1953 الذي أعاد الشاه إلى السلطة، والتي قال فيها: "إذا كنا سنحاول فعل شيء كهذا مرة أخرى، فيجب أن نكون على يقين تام بأن الشعب الإيراني وجيشه يريدان ما نريده. وإلا فمن الأفضل إسناد المهمة إلى قوات المارينز".
وختم الكاتب بالقول إن إيران قد تبنى من جديد يوما ما، لكن ذلك لن يحدث إلا على يد الشعب الإيراني نفسه، داعيا إلى التفكير منذ الآن في كيفية مساعدته.