بدأت
الإمارات خلال
السنوات الأخيرة تشديد إجراءاتها ضد شبكات الجريمة المنظمة التي اتخذت من بعض
مناطقها مقرات لأنشطتها، في ظل ضغوط دولية متزايدة مرتبطة بملفات
غسل الأموال
وسمعة المراكز المالية العالمية.
في تقرير موسع،
أكدت صحيفة "
ديلي تلغراف" البريطانية، وأشارت وتابعت أن دولة الإمارات
العربية المتحدة بدأت خلال السنوات الأخيرة اتخاذ خطوات متصاعدة لمواجهة شبكات
الجريمة المنظمة التي وجدت في بعض فتراتها ملاذًا آمنًا داخل أراضيها، في ظل ضغوط
دولية متزايدة مرتبطة بسمعة الدولة كمركز مالي وتجاري عالمي.
وأوضح التقرير
الذي أعده ماكس ستيفنز أن مدينة دبي كانت تُنظر إليها خلال نحو عقد من الزمن
باعتبارها مقرًا مثاليًا لعدد من أخطر العصابات الإجرامية الأوروبية، وعلى رأسها
عائلة كينهان، التي يُعتقد أنها أدارت إمبراطورية ضخمة لتجارة الكوكايين تُقدّر
قيمتها بنحو مليار جنيه إسترليني، انطلاقًا من شقق فاخرة في منطقة نخلة جميرا، أحد
أبرز المشاريع العقارية في الإمارة.
وأضافت الصحيفة،
وأشارت إلى مصادر أمنية، أن هذه
الشبكات الإجرامية استفادت من ازدهار سوق العقارات
الفاخرة في دبي، حيث جرى استخدامه في عمليات غسل أموال واسعة النطاق، وسط ما وصفه
التقرير بوجود ثغرات أو تسهيلات في مراحل سابقة سمحت بمرور أموال غير مشروعة دون تدقيق
كافٍ.
وتابعت "ديلي
تلغراف" أن عدداً من أفراد هذه العصابات كانوا يتحركون بحرية داخل المدينة،
ويظهرون في فعاليات عامة ومناسبات رياضية ومطاعم راقية، رغم إدراج بعضهم على قوائم
المطلوبين دوليًا، مشيرة إلى أن السلطات الأمريكية كانت قد رصدت مكافآت مالية مقابل
معلومات تؤدي إلى اعتقال قيادات بارزة في تلك الشبكات دون أن يتم توقيفهم في تلك
الفترة.
وأشارت الصحيفة
إلى أن نقطة التحول في التعامل مع هذا الملف بدأت خلال العامين الأخيرين، بعدما
أصبح هذا الوجود مصدر إحراج متزايد على المستوى الدولي، وألقى بظلاله على بعض
العلاقات التجارية والاتفاقيات الاقتصادية مع دول أوروبية وغربية، وفق ما ورد في
التقرير.
ونقلت "ديلي
تلغراف" عن دبلوماسي بريطاني سابق قوله إن ملف وجود عناصر من الجريمة المنظمة
في دبي تحول إلى قضية "ذات أهمية وطنية" بالنسبة للإمارات، مشيرًا إلى
أن مؤسسات في أبو ظبي عقدت اجتماعات متكررة لمناقشة تأثير هذا الملف على صورة
الدولة في الخارج.
وأضاف الدبلوماسي
السابق، وفق ما نقلته الصحيفة، أن هذه القضية لم تعد مجرد تغطيات إعلامية أو
عناوين عابرة، بل أصبحت تؤثر على العلاقات الثنائية مع بعض الدول، ما دفع إلى
إعادة تقييم السياسات المتعلقة بالإقامة والنشاط المالي داخل الدولة.
وأشارت الصحيفة
أيضًا إلى أن الإمارات كانت قد أُدرجت سابقًا ضمن "القائمة الرمادية"
الصادرة عن مجموعة العمل المالي المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، قبل
أن يتم رفع اسمها لاحقًا بعد تنفيذ إصلاحات وإجراءات رقابية استمرت نحو عامين.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح التقرير أن
طبيعة الحياة الاقتصادية في دبي، بما في ذلك انتشار العقارات الفاخرة، وتجارة
الذهب، وانخفاض الضرائب، ساهمت في جذب رؤوس أموال ضخمة، لكنها في الوقت ذاته
استُغلت من قبل بعض الشبكات الإجرامية في فترات سابقة.
كما لفتت الصحيفة
إلى أن المجرمين كانوا يتباهون بأنماط حياتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من
خلال صور لسيارات فارهة وشقق مطلة على معالم المدينة، في حين سمح نظام
"الحوالة" بتحويل مبالغ مالية كبيرة دون تتبع واضح في بعض الحالات، مع
عدم التحقق من مصادر الأموال المرتبطة بعائلات إجرامية معروفة.
وأشار التقرير إلى
أن قادة هذه الشبكات وجدوا في دبي بيئة جذابة، خصوصًا مع انخفاض الضرائب وتوافر
نمط حياة فاخر، فيما قدرت مصادر دولية أن نسبة كبيرة من تجار المخدرات في بعض
الدول الأوروبية اتجهت إلى الإقامة هناك خلال السنوات الماضية.
وتناول التقرير
أيضًا حفل زفاف دانيال كينهان في عام 2017 في أحد الفنادق الفاخرة بدبي، والذي
حضره عدد من الشخصيات المرتبطة بملفات جنائية دولية، بحسب ما أورده التقرير، في
إشارة إلى شبكة علاقات واسعة جمعت شخصيات من عالم الجريمة المنظمة في أوروبا.
وبحسب ما نقلته
"ديلي تلغراف"، فقد قدرت أجهزة أمنية أن هذه المجموعة كانت تسيطر بشكل
أو بآخر على جزء كبير من تجارة الكوكايين المتجهة إلى أوروبا، والتي تقدر قيمتها
بعشرات المليارات سنويًا، قادمة من أمريكا الجنوبية.
وأضاف التقرير أن
عام 2026 شهد تطورًا لافتًا، حيث جرى تسليم أو توقيف عدد من أبرز زعماء العصابات
الذين كانوا يقيمون في الإمارات، بعد سلسلة من الإجراءات الأمنية، مشيرًا إلى أن
نقطة التحول كانت اعتقال شون ماكغفرن في أكتوبر 2024، المطلوب دوليًا بموجب نشرة
حمراء.
ونقلت الصحيفة عن
مسؤول قوله إن دبي بدأت في تلك المرحلة استهداف الأفراد الذين يعيشون حياة مترفة
رغم ملاحقتهم دوليًا، معتبرًا أن هذا التحول جاء بعد إدراك أن استمرار هذا الوضع
يمثل استخفافًا بصورة الدولة.
كما أشار التقرير
إلى أن السلطات نفذت هذه العمليات الأمنية بشكل تدريجي وحذر، مع الحفاظ على مستوى
عالٍ من السرية في بعض الملفات الحساسة.
وذكر التقرير أن
ماكغفرن تم تسليمه لاحقًا في مايو 2025، وهو ينتظر حكمًا قضائيًا في أيرلندا بعد
إقراره ببعض التهم المرتبطة بإدارة أنشطة منظمة إجرامية.
وتعود جذور الملف،
وفق ما أوردته الصحيفة، إلى انتقال مقر عائلة كينهان من إسبانيا إلى دبي بعد
محاولة اغتيال في أيرلندا عام 2016، ما دفعها إلى البحث عن بيئة أكثر أمانًا
لنشاطها.
كما أشار التقرير
إلى أن زعيم العصابة المزعوم جيري هاتش يواجه بدوره ملفات قضائية وسياسية في
أيرلندا، وسط صراعات طويلة بين عصابات متنافسة أدت إلى سقوط عشرات القتلى في
الشوارع خلال سنوات سابقة.
اظهار أخبار متعلقة
وفي سياق آخر،
أوضح التقرير أن دانيال كينهان حاول خلال فترة وجوده في دبي إعادة تقديم نفسه
كشخصية في مجال تنظيم مباريات الملاكمة، حيث ارتبط بعلاقات مع أسماء بارزة في عالم
الرياضة، رغم الجدل المحيط به.
واختتمت
"ديلي تلغراف" تقريرها بالإشارة إلى أن مستقبل قيادات الجريمة المنظمة
في أوروبا لا يزال غير واضح، وسط ترجيحات أمنية بأن بعضهم قد يلجأ إلى وجهات أخرى،
إلا أن أيًا منها لا يوفر نفس مستوى الجاذبية أو البنية المالية التي كانت متاحة
في دبي خلال السنوات الماضية.