رحلة صعود الذهب من ظلّ الدولار إلى عرش الملاذ الآمن

في عام 2026.. الذهب مؤشر هشاشة النظام المالي العالمي - جيتي
في عام 2026.. الذهب مؤشر هشاشة النظام المالي العالمي - جيتي
شارك الخبر
شهدت أسعار الذهب، الجمعة، تراجعا حادا لتكسر حاجز خمسة آلاف دولار للأوقية (الأونصة)، وسط تكهنات متزايدة بأن الرئيس المرتقب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيكون أكثر ميلا إلى تشديد السياسة النقدية، ما عزز صعود الدولار وأثار موجة جني أرباح واسعة في أسواق المعادن النفيسة.

ورغم هذا الهبوط القوي، فإن المعدن الأصفر لا يزال في طريقه لتسجيل أقوى مكاسبه الشهرية منذ عام 1999، مدفوعا باستمرار الطلب عليه كملاذ آمن في ظل تصاعد القلق الاقتصادي والجيوسياسي عالميا.

وانخفضت أسعار الذهب بأكثر من 7% خلال تعاملات الجمعة، لتتراجع في المعاملات الفورية بنسبة 7.5% إلى 4,992.05 دولارا للأونصة بحلول الساعة 09:47 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم شباط/فبراير بنسبة 6.4% إلى 4,985 دولارا.

كما سجلت المعادن النفيسة الأخرى خسائر حادة، في وقت اتجه فيه المستثمرون إلى جني الأرباح بعد موجة صعود تاريخية دفعت الذهب إلى مستويات غير مسبوقة.

وكان الذهب قد بلغ أعلى مستوى له على الإطلاق عند 5,594.82 دولارا للأونصة الخميس، ولا يزال متجها لتحقيق مكاسب شهرية تتجاوز 15%، مسجلا سادس شهر متتال من الارتفاع، وأكبر مكسب شهري له منذ عام 1999.

وبحسب بيانات الأسواق، تجاوزت مكاسب الذهب 20% منذ بداية الشهر الجاري، في أكبر ارتفاع شهري منذ كانون الثاني/يناير 1980. كما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية تسليم شباط/فبراير بنسبة 2.7% إلى 5,176.40 دولارا للأوقية.


من بريتون وودز إلى صدمة نيكسون

لكن هذا التراجع الآني لا يمكن فصله عن المسار التاريخي الطويل الذي قطعه الذهب منذ ستينيات القرن العشرين، حين كان لا يزال ركيزة أساسية في النظام النقدي العالمي، في إطار نظام “بريتون وودز” الذي ثبت سعره عند 35 دولارا للأونصة، وربط الدولار الأمريكي به، وربط العملات الأخرى بالدولار.

وخلال تلك المرحلة، بدأت التصدعات تظهر في النظام النقدي، مع توسع الولايات المتحدة في طباعة الدولار لتمويل حرب فيتنام وبرامج الرفاه الاجتماعي، ما أدى إلى تآكل الثقة بقدرتها على الحفاظ على غطاء الذهب. ودفعت هذه المخاوف دولا عدة، أبرزها فرنسا، إلى المطالبة باستبدال احتياطياتها من الدولار بالذهب.

وفي عام 1971، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون إنهاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، في خطوة تاريخية عرفت بـ”صدمة نيكسون”، أنهت فعليا نظام بريتون وودز، وحررت الذهب من قيود التسعير الرسمي.

اظهار أخبار متعلقة


انفجار السبعينيات وانحسار الثمانينيات

عقب هذا التحول، انفجرت أسعار الذهب صعودا، مدفوعة بانهيار الثقة في الدولار، وارتفاع التضخم، وأزمتي النفط في السبعينيات، إلى جانب التوترات الجيوسياسية. 

وقفز سعر الأونصة من 35 دولارا إلى نحو 850 دولارا بحلول عام 1980، في واحدة من أعنف موجات الصعود في تاريخه.

غير أن الثمانينيات والتسعينيات شهدت تراجعا نسبيا للذهب، مع نجاح السياسات النقدية المتشددة التي قادها مجلس الاحتياطي الفيدرالي بقيادة بول فولكر في كبح التضخم، وعودة الثقة إلى الدولار، وصعود الأسواق المالية العالمية، ما قلل من جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائدا دوريا.

الألفية الجديدة وعودة الذهب

مع مطلع الألفية الجديدة، عاد الذهب إلى الواجهة، متأثرا بانفجار فقاعة الإنترنت، وهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ثم الحروب والتوترات العالمية. 

لكن القفزة الكبرى جاءت عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين لجأت البنوك المركزية إلى سياسات التيسير الكمي وضخ السيولة، ما أعاد المخاوف من التضخم وانهيار العملات.

وفي هذا السياق، ارتفع الذهب من نحو 250 دولارا للأونصة عام 2000 إلى أكثر من 1,900 دولار في عام 2011، مسجلا حينها أعلى مستوى تاريخي له.

اظهار أخبار متعلقة


من الجائحة إلى التفكك الجيوسياسي

ورغم دخول الذهب مرحلة تصحيح بعد 2011، فإنه حافظ على دوره كأداة تحوط، لا سيما مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، والحروب التجارية، وعودة البنوك المركزية، خصوصا في روسيا والصين، إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب.

ومع تفشي جائحة كورونا عام 2020، عاد الذهب بقوة، مدفوعا بحالة الركود العالمي وضخ السيولة غير المسبوق، متجاوزا حاجز 2,000 دولار للأونصة. ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 لتضيف بعدا جديدا، مع تسييس النظام المالي العالمي وتصاعد المخاوف من تجميد الاحتياطيات الأجنبية.

2026 الذهب مرآة القلق العالمي

في السنوات الممتدة حتى عام 2026، رسخ الذهب مكانته في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، وسط تصاعد الديون، واستمرار التضخم، وتراجع الثقة في العملات الورقية. وبلغت مشتريات البنوك المركزية مستويات قياسية، في إشارة إلى تحول استراتيجي طويل الأمد.

وبحلول عام 2026، لم يعد الذهب مجرد أداة استثمار، بل أصبح مؤشرا على هشاشة النظام المالي العالمي، ومرآة تعكس حجم القلق من المستقبل الاقتصادي والسياسي.

منذ عام 1960 وحتى 2026، قطع الذهب رحلة طويلة من التقلبات، لكنه أثبت في كل مرحلة أنه الملاذ الأخير حين تتزعزع الثقة بكل شيء آخر. وبينما تتغير الأنظمة النقدية وتتبدل موازين القوى، يبقى الذهب شاهدا صامتا على تاريخ الأزمات، وركيزة أساسية في عالم يزداد اضطرابا، ما يوحي بأن فصول قصته لم تكتب نهايتها بعد.


التعليقات (0)