في وقت تصر فيه
الإدارة الأمريكية على المضي قدمًا نحو تنفيذ ترتيبات جديدة في قطاع
غزة، حيث
تراهن حكومة
الاحتلال الإسرائيلي على فشل هذا المسار، أملاً في فتح الباب أمام
عودة الخيار العسكري واستعادة السيطرة على القطاع.
وأكدت صحيفة هآرتس
العبرية أن السياسة الإسرائيلية الحالية تجاه قطاع غزة تقوم عمليًا على رهان واحد لا
غير: فشل المساعي الأمريكية الرامية إلى فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في القطاع
خلال الأشهر المقبلة. وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة الإسرائيلية ترى في تعثر الخطة
الأمريكية فرصة محتملة للعودة إلى الخيار العسكري الكامل، بانتظار ضوء أخضر من الرئيس
الأمريكي دونالد ترامب.
وبحسب الصحيفة، فإن
دوائر صنع القرار في تل أبيب تأمل أنه في حال انهيار المسار الذي تقوده واشنطن، قد
يمنح ترامب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حرية التحرك مجددًا لمحاولة استعادة السيطرة
على قطاع غزة. وترى هذه الدوائر أن أي تحرك عسكري جديد سيكون مختلفًا عن سابقه، على
أساس السعي إلى نزع سلاح حركة حماس بصورة فعلية، بما يتيح الحديث عن “نصر كامل”، ولو
جاء متأخرًا. غير أن هآرتس شددت على أن نتنياهو لن يقدم على خطوة بهذا الحجم ما لم
تخدم هدفه الأهم، وهو البقاء في السلطة وتحقيق مكاسب انتخابية داخلية.
وفي سياق متصل، أشارت
الصحيفة إلى أن ملف الجنود والمستوطنين الإسرائيليين المختطفين أُغلق هذا الأسبوع مع
استعادة جثمان آخر جندي محتجز، الرقيب ران غويلي. وأوضحت أن غويلي قُتل خلال هجوم السابع
من أكتوبر أثناء دفاعه عن كيبوتس “ألوميم”، قبل أن يُعثر على جثمانه لاحقًا في مقبرة
جماعية شرقي مدينة غزة تضم مئات الجثث الفلسطينية.
اظهار أخبار متعلقة
ولفتت هآرتس إلى أن
استعادة الجثمان لم تتم عبر حركة حماس، بل جاءت بعد اختطاف جهاز الأمن العام الإسرائيلي
(الشاباك) عنصرًا من حركة الجهاد الإسلامي واستجوابه قبل نحو شهر. ومع إزالة هذا الملف
من جدول الأعمال، ترى الصحيفة أن الرئيس ترامب بات أكثر تصميمًا على الانتقال إلى التنفيذ
العملي للمرحلة الثانية من الاتفاق الذي فرضه على الأطراف في أكتوبر الماضي.
وبحسب ما أوردته الصحيفة،
تتضمن المرحلة الثانية البدء ببناء أحياء سكنية جديدة في مدينة رفح، على أن تمتد لاحقًا
إلى مناطق أخرى من قطاع غزة، خاصة في النصف الشرقي الخاضع حاليًا للسيطرة الإسرائيلية.
وفي الوقت ذاته، من المقرر أن تبدأ حكومة فلسطينية ذات طابع تكنوقراطي، بدعم وإشراف
هيئات دولية، في ممارسة مهامها داخل القطاع، إلى جانب قوة أمنية مكلّفة بالحفاظ على
الاستقرار.
وأكدت هآرتس أن أحد
المطالب الإسرائيلية المركزية في هذه المرحلة يتمثل في نزع سلاح حماس. ووفقًا للتقديرات
الإسرائيلية، ستُمنح الحركة مهلة تقارب مئة يوم لتنظيم هذه العملية. وإذا لم يتحقق
ذلك، فإن واشنطن قد تضطر للتدخل بنفسها، أو تترك المجال مفتوحًا أمام إسرائيل للتحرك
عسكريًا.
وزعمت الصحيفة أن توقعتها
تدور حول محاولة حماس الوصول إلى تسوية جزئية عبر تسليم أسلحة ثقيلة، بما في ذلك ما
تبقى من ترسانة الصواريخ التي كانت بحوزتها قبل اندلاع الحرب، إلا أن الخلاف الأساسي،
بحسب هآرتس، سيتركز حول تعريف السلاح المسموح به، والتمييز بين الأسلحة الخفيفة مثل
المسدسات، والأسلحة الهجومية كالبنادق الآلية. وذكرت أن إسرائيل قد تقبل بحمل عناصر
الشرطة التابعة لحماس للمسدسات بدعوى الدفاع عن النفس، لكنها تعتبر بنادق الكلاشينكوف
سلاحًا هجوميًا أثبت خطورته خلال هجوم السابع من أكتوبر.
وفي هذا السياق، كشفت
الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي أعد بالفعل خططًا عملياتية لاحتلال قطاع غزة بالكامل في
حال انهيار الاتفاق، لكنها أوضحت أن التعليمات الصادرة للجيش لا تهدف في هذه المرحلة
إلى عرقلة تنفيذ التفاهمات أو الدخول في صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية.
وأشارت هآرتس إلى أن
بؤرة التوتر التالية قد تكون معبر رفح، الذي تسعى واشنطن إلى إعادة تفعيله قريبًا،
وأكدت الصحيفة أن إسرائيل تنظر بقلق بالغ إلى هذا الملف، وتصر على ضرورة التحكم في
حركة دخول البضائع من مصر إلى الجانب الفلسطيني، معتبرة أن المعبر شكّل منذ الانسحاب
الإسرائيلي عام 2005 مسارًا رئيسيًا لتهريب السلاح، بمساعدة مصرية وفق التقديرات الإسرائيلية.
وبتوجيهات أمريكية،
يسمح الاحتلال الإسرائيلي حاليًا بدخول نحو 4200 شاحنة مساعدات أسبوعيًا إلى قطاع غزة،
محملة بالغذاء والمواد الإنسانية، غير أن آلية تنسيق العمليات الإسرائيلية في القطاع
تزعم أن الاحتياج الفعلي لا يتجاوز ربع هذا العدد، ورغم أن الأوضاع المعيشية في غزة
لا تزال صعبة بعد وقف إطلاق النار، فإن الصحيفة تشير إلى أن مستوى النقص في الاحتياجات
الأساسية بات أقل حدّة مقارنة بفترة الحرب، مع تسجيل وفرة في بعض السلع.
اظهار أخبار متعلقة
هآرتس شددت على
أن صدمة هجوم السابع من أكتوبر لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المؤسسة العسكرية
الإسرائيلية، ولا سيما القيادة الجنوبية، ما دفع الجيش إلى التعامل مع الحادث باعتباره
محاولة تسلل محتملة. وعلى إثر ذلك، جرى استدعاء طائرات مقاتلة، ونقل قوات من وحدات
النخبة إلى المنطقة عبر مروحيات، قبل أن تتضح حقيقة الموقف من خلال الاتصالات مع الجانب
الأردني.
وأكدت الصحيفة أن هيئة
الأركان العامة لم تقدم اعتذارًا عن هذا التصعيد، مبررة ذلك بأن الوضع الأمني الراهن
لا يسمح بالمجازفة أو التهاون. ولفتت إلى أن هذه الحادثة تعكس أيضًا الدروس المستخلصة
من هجوم حماس، ومنها إنشاء وحدة عملياتية جديدة داخل شعبة الاستخبارات العسكرية مختصة
بالتعامل مع الإنذارات المبكرة.
وفي ختام تقريرها،
انتقدت هآرتس التغطية المبالغ فيها لبعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي ذهبت إلى
حد الحديث عن احتمال هجوم للحوثيين انطلاقًا من الأردن. وأكدت الصحيفة أن التقدير السائد
لدى الأجهزة الأمنية يتمثل في احتمال سعي الحوثيين إلى تنفيذ تهديداتهم مستقبلًا عبر
هجمات بعيدة المدى، رغم المسافة الشاسعة بين اليمن وإسرائيل، إلا أن ما جرى على الحدود
الأردنية لا علاقة له بتلك السيناريوهات، مشيرة إلى أنه لم تُرصد حتى الآن أي مؤشرات
ميدانية تدعم مثل هذه المخاوف.