تشهد الساحة
الإقليمية تحركات متزامنة تجمع بين التهديد العسكري والاتصالات الدبلوماسية، في ظل
مؤشرات على انخراط
الولايات المتحدة وإيران في محادثات غير مباشرة عبر وسطاء
إقليميين.
أكدت صحيفة يديعوت
أحرونوت العبرية، في تحليل للكاتب والمحلل العسكري رون بن يشاي، أن التصريحات التي
أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تكشف بوضوح
عن توجهه نحو فتح مسار تفاوضي مع النظام
الإيراني، يهدف بالأساس إلى نزع قدرات طهران
على تطوير وإنتاج السلاح النووي.
وأشارت الصحيفة إلى
أن ترامب لا يعلن، على الأقل في الوقت الراهن، مطالبته بإدراج ملفات أخرى على طاولة
التفاوض، مثل برنامج الصواريخ الباليستية أو ما تصفه إسرائيل بـ"النشاط التخريبي
الإقليمي" عبر الوكلاء، وهي مطالب تصر تل أبيب على إدراجها في أي اتفاق محتمل،
غير أن القراءة المتأنية لتصريحات ترامب الأخيرة، إلى جانب الرسائل الصادرة بكثافة
عن مسؤولين إيرانيين، تعكس أن مفاوضات معقدة وغير معلنة تجري حاليًا بين واشنطن وطهران،
لتهيئة الأرضية لحوار أوسع، بوساطة إقليمية تتصدرها السعودية، وتحديدًا ولي العهد محمد
بن سلمان.
وأكدت يديعوت أحرونوت
أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي لا يزال يرفض السماح بمفاوضات مباشرة مع الولايات
المتحدة، وهو ما أدى إلى تجميد قناة الاتصال المباشرة بين مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف،
ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلا أن ذلك، وفق الصحيفة، لم يوقف الاتصالات
غير المباشرة، إذ تتكثف حاليًا محادثات تمهيدية عبر وسطاء إقليميين، أبرزهم سلطنة عُمان
وقطر وتركيا، لتحديد شكل وشروط أي مفاوضات مستقبلية، ولفتت إلى أن مسؤولين إيرانيين
أقرّوا، مساء أمس، بإجراء اتصالات غير مباشرة مع واشنطن.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضحت الصحيفة أن
الحشود العسكرية الأمريكية، وعلى رأسها ما وصفه ترامب بـ"الأسطول الجميل"
في المنطقة، تشكل أداة ضغط سياسية تهدف إلى دفع القيادة الإيرانية المحافظة، بقيادة
خامنئي، إلى القبول بالجلوس إلى طاولة
المفاوضات، في المقابل، أظهرت طهران تشددًا ملحوظًا
ورفضًا لشروط واشنطن، خشية أن يُفسَّر أي تراجع على أنه ضعف داخلي قد يشعل الشارع الإيراني
مجددًا، وهو ما يجعل النظام – بحسب التحليل – عالقًا بين الخوف من التفاوض والخوف على
بقائه.
وفي السياق ذاته، أشارت
يديعوت أحرونوت إلى أن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تواصل استعداداتها لاحتمال
تنفيذ هجوم عسكري، لكنها تواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في نقص المعلومات الاستخباراتية
الدقيقة حول أهداف استراتيجية داخل إيران، ولفتت إلى أن واشنطن لا تعاني من نقص في
القوة العسكرية أو الذخائر الدقيقة المنتشرة في الشرق الأوسط، لكنها تفتقر إلى بنك
أهداف يضمن، في أفضل الأحوال، إضعاف النظام الإيراني بشكل حاسم، أو دفعه في أسوأ السيناريوهات
إلى القبول بالتفاوض.
وأكدت الصحيفة أن ترامب
يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي وأمني يثبت أنه يختلف عن الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي
– وفق الرؤية الإسرائيلية – قدم تنازلات واسعة لطهران في الاتفاق النووي السابق، دون
التصدي لبقية التهديدات الإيرانية. وفي هذا الإطار، أوضحت أن المناورات الجوية الأمريكية
الواسعة الجارية حاليًا في الشرق الأوسط تُعد بالأساس تدريبات دفاعية، تهدف إلى رفع
جاهزية القوات الأمريكية للرد السريع على أي هجوم إيراني محتمل ضد القواعد الأمريكية
وحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل.
وبحسب يديعوت أحرونوت،
فإن السيناريوهات المطروحة أمام صناع القرار في واشنطن اثنان: الأول يتمثل في ضربة
إيرانية استباقية تهدف إلى إفشال أي هجوم أمريكي محتمل، أما السيناريو الثاني – وهو
الأرجح – فيقوم على رد إيراني واسع بعد تنفيذ ضربة أمريكية، وهو السيناريو الذي تركز
عليه تدريبات القيادة المركزية الأمريكية حاليًا.
وأضافت الصحيفة أن
التصريحات الإيرانية الأخيرة توحي بأن طهران تستعد لإطلاق هجمات صاروخية واسعة تشمل
صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وصواريخ كروز، على غرار ما حدث في جولات المواجهة المباشرة
مع إسرائيل، لكن مع اختلاف جوهري في الأهداف، إذ ستتركز هذه المرة على القواعد العسكرية
والسفن والأصول الاقتصادية الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى منشآت الطاقة في دول الخليج.
كما حذرت الصحيفة من
أن إيران تستعد، على غير العادة، لخوض حرب بحرية محتملة، تشمل إغلاق مضيق هرمز باستخدام
الألغام البحرية والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية، وهو ما قد
يشل إمدادات النفط والغاز المتجهة إلى آسيا وأوروبا، ويلحق أضرارًا جسيمة حتى بدول
غير مشاركة في أي هجوم أمريكي.
وأشارت يديعوت أحرونوت
إلى أن هذه الخطط قد تمتد لتشمل استهداف الأسطول الخامس الأمريكي في الخليج، إلى جانب
تفعيل الحوثيين في اليمن لتشديد الحصار البحري في مضيق باب المندب.
أما فيما يتعلق بإسرائيل،
فأكدت الصحيفة أن التقديرات الحالية تشير إلى أنها ليست الهدف الأول في أي هجوم إيراني
محتمل، إلا أن الجيش الإسرائيلي يواصل منذ أسابيع رفع مستوى الاستعداد الدفاعي تحسبًا
لأي تطورات مفاجئة في المشهد الإقليمي المتصاعد.