كتاب عربي 21

حين تحوّل الفلسطيني من متّهم إلى قاضٍ

حلمي الأسمر
"غزة لم تقدّم خطابا، بل وقائع"- جيتي
"غزة لم تقدّم خطابا، بل وقائع"- جيتي
شارك الخبر
لم يدخل الفلسطيني التاريخ بوصفه طرفا متكافئا في صراع، بل أُدخل إليه متّهما قبل أن تُسمع شهادته، ومُدانا قبل أن تُعرض الوقائع. منذ النكبة، وُضعت القضية الفلسطينية داخل محكمة مختلّة: القاضي فيها هو القوة، والادّعاء هو المنتصر، والحكم مكتوب سلفا.

سُئل الفلسطيني دائما: لماذا تقاوم؟ لماذا لا تقبل؟ لماذا لا تصمت؟ ولم يُسأل السؤال الجوهري الذي تُبنى عليه العدالة: من بدأ الجريمة؟

على مدار عقود، حُمِّلت الضحية عبء الإثبات، فيما أُعفي الجلاد من عبء التبرير. تحوّل الاحتلال إلى "نزاع"، والاستعمار إلى "تعقيد سياسي"، والمقاومة إلى "مشكلة أمنية". هكذا أُديرت الرواية، لا بوصفها قضية عدالة، بل كملف قابل للإدارة الإعلامية. لكن التاريخ، مهما طال صمته، لا يُصاب بالعمى.

للمرة الأولى، لم يُطلب من الفلسطيني أن يشرح لماذا يموت، بل أصبح العالم هو المطالب بتفسير قبوله بالموت الجماعي، والحصار، والتجويع

ما جرى في غزة لم يكن حدثا عسكريا عابرا، بل لحظة كاشفة لانهيار السردية. للمرة الأولى، لم يُطلب من الفلسطيني أن يشرح لماذا يموت، بل أصبح العالم هو المطالب بتفسير قبوله بالموت الجماعي، والحصار، والتجويع، ومحو معنى الحياة.

غزة لم تقدّم خطابا، بل وقائع؛ وقائع تتراكم، وتتكرر، وتثبت النمط: حصار طويل الأمد، استهداف المدنيين، تدمير البنية الحياتية، وإنكار مستمر لحق الوجود. وفي منطق القانون، حين تتكرر الجريمة وتُثبت نيتها، لا يعود الضحية شاهدا فقط، بل يتحوّل إلى مدّعٍ أخلاقي وقانوني.

هنا حدث التحوّل الجوهري: لم يعد الفلسطيني في موقع الدفاع، بل انتقل -بفعل الوقائع لا الشعارات- إلى موقع توجيه الاتهام.

الإعلام الغربي، الذي اعتاد لغة "التوازن"، وجد نفسه أمام صور لا تقبل التأويل، وأرقام لا تُختصر، وأطفال لا يمكن تسميتهم "أضرارا جانبية". أما الإعلام العبري، فكشف دون قصد حالة أعمق: ارتباك المعنى، وتآكل اليقين الأخلاقي، وخوف الوجود لا خوف الأمن، وانهيار الرواية التي حاول أن يصدقها الآخرون، فإذا به يحتاج هو إلى إثبات كي يصدقها!

لم يعد السؤال: كيف نُقنع العالم؟ بل: كيف ننجو من حكمه؟ القاضي الحقيقي لا يصرخ، ولا يتوسّل، ولا يحتاج إلى بلاغة. القاضي يضع الوقائع ثم يصمت، لأنه يعرف أن الزمن سيكمل المرافعة. والفلسطيني، في هذه اللحظة من التاريخ، لم يعد بحاجة إلى شرح نفسه، يكفي أنه بقي، وصمد وقاوم، وأن الجريمة استمرت،
الفلسطيني، في هذه اللحظة من التاريخ، لم يعد بحاجة إلى شرح نفسه، يكفي أنه بقي، وصمد وقاوم، وأن الجريمة استمرت، وأن العالم رأى
وأن العالم رأى. من هنا فصاعدا، تغيّر السؤال جذريا، لم يعد: ماذا فعل الفلسطيني؟ بل: كيف سيحاكم العالم نفسه؟

لكن هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، ولا من تعاطف مفاجئ في ضمير العالم، بل كان ثمرة فعلٍ تاريخي صلب اسمه المقاومة. فلو ظلّ الفلسطيني حبيس دور الضحية الصامتة، لما تغيّرت الحكاية، ولما انهارت السردية، ولما ارتبك القضاة الزائفون. المقاومة -بكل أشكالها- هي التي كسرت التوازن المزيّف، وفرضت على العالم أن يرى ما كان يفضّل تجاهله، هي التي انتزعت الفلسطيني من صورة "المشكلة الإنسانية" وأعادته إلى موقع الفاعل التاريخي، القادر على تعطيل المشروع الاستعماري، لا الاكتفاء بتوصيف آلامه.

لم تكن المقاومة ترفا ولا انتحارا أخلاقيا، بل ضرورة وجودية أعادت تعريف الصراع من جديد: من قضية تُدار إلى جريمة تُحاكم. بها فقط تهاوت اللغة المضلِّلة، وبها انكشفت حقيقة القوة حين تفقد شرعيتها، وبها تحوّل السؤال من: لماذا يقاوم الفلسطيني؟ إلى: لماذا يُطلب منه أصلا أن يتنازل عن حقه في المقاومة؟

المقاومة لم تُحرج الاحتلال وحده، بل أحرجت العالم الذي اعتاد إدانة الضحية حين ترفض الموت بهدوء. ولهذا بالذات، كانت المقاومة هي اللحظة التي انقلب فيها الفلسطيني من متّهم دائم إلى قاضٍ أخلاقي، لا لأن العالم منحه هذه المكانة، بل لأنه فرضها بفعل الصمود والاشتباك وكسر الخوف.
التعليقات (0)

خبر عاجل