قررت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي تجميد معالجة ملفات
الهجرة لـ75 دولة من مختلف القارات، وعلى رأسها الدول العربية ذات الدخل المحدود. قرار يدخل ضمن ما تعتبره الدولة العميقة في واشنطن مواجهة «الاستبدال العظيم» للمجتمعات الغربية. وهذا القرار قد تتبناه، بمستويات مختلفة، دول أوروبية، بما فيها تلك التي تدير حكوماتها أحزاب يسارية.
وقدمت واشنطن لتبرير القرار، بأن نسبة كبيرة من الأمريكيين من أصول هذه الدول الـ75، أو من الذين يقيمون بطريقة قانونية يعيشون على المساعدات الاجتماعية، وبالتالي لا يساهمون في تقدم المجتمع الأمريكي. والقرار يعني تجميد ملفات المرشحين للهجرة عن طريق القرعة، وكذلك التجمع العائلي، إلا في حالات استثنائية. وستستمر السفارات والقنصليات الأمريكية في منح التأشيرات للطلبة والسياحة والمستثمرين، ويوجد إحساس بأنه حتى التأشيرات العادية ستعرف تراجعا كبيرا.
تركز الإدارة الأمريكية الحالية على مواجهة الهجرة من منظور أمن قومي متشدد ومتطرف، ومن شعاراتها التي صاغها مستشار الأمن القومي النافذ ستيفن ميلر، «إذا جلبت الهجرة من العالم ستتحول إلى العالم الثالث».
ويؤمن
ترامب بهذه الأطروحة، غير أنه يركز أساسا على اللاتينيين أكثر في الوقت الراهن. وفي مقال يعود إلى 7 أغسطس/آب 2015، عندما كان القليلون يؤمنون بحظوظه للفوز بترشيح الحزب الجمهوري، ويستبعدون رئاسته للبيت الأبيض، نشرت مقالا بعنوان «المرشح الرئاسي للبيت الأبيض دونالد ترامب ينقل خطاب الجبهة الوطنية الفرنسية في الهجرة، ويجعل من اللاتينيين مغاربيي أمريكا».
كان وقتها الفريق المساعد لترامب، قد مزج بين أطروحتين في غاية الخطورة بشأن مستقبل الهجرة في الغرب، لا تقوم على بحث علمي، بل على الجمع بين الطرح السياسي والأيديولوجي، المرتبط بتفوق الإنسان الأبيض، خطر الهجرة على وحدة البلاد الثقافية والإثنية، وشبح الهجرة في علاقاتها، بما يعرف «الاستبدال الكبير»، أي تغيير تركيبة المجتمع عددا وثقافة وإثنيا. اعتمد هذا الطرح في جزء منه على ما يمكن اعتباره وصايا صاموئيل هنتنغتون، في كتابه الأخير قبل رحيله، «من نحن» الصادر سنة 2006، والذي كان تحريضا أكثر منه بحثا علميا محضا.
في هذا الكتاب، يؤكد أن وحدة وقوة الولايات المتحدة تعتمدان على هوية ثقافية مشتركة، تستند إلى العناصر التالية: اللغة الإنكليزية، التراث الأنكلو ـ بروتستانتي، ثم قيم مثل الفردية والعمل وسيادة القانون والحكومة المحدودة، محذّرا من أنه إذا تآكلت هذه العناصر سيتعرض التماسك الوطني للخطر. في الوقت ذاته، يفسر بأن الهجرة الجماعية، خاصة من أمريكا اللاتينية، ونمو التعددية الثقافية، يهددان الهوية الأنكلوسكسونية المشتركة. وينتهي إلى أنه من دون ثقافة مشتركة، تصبح الديمقراطية والمؤسسات الأمريكية أكثر هشاشة. هنتنغتون لم يكن ضد الهجرة، ولكنه ضد الهجرة الثقافية والدينية، التي تهدد الطابع الأنكلوسكسوني للمجتمع الأمريكي التقليدي.
والتقى هنتنغتون مع أطروحات باحثين آخرين سبقوه إلى إرساء أسس هذه الأفكار، وعمل هو على تطويرها وإبرازها بحكم شهرته. ويتعلق الأمر بآرثر م. شليزنجر جونيور في كتابه «انقسام أمريكا»، الذي يدافع عن الوحدة الثقافية في مواجهة التعدد، وكان سباقا إلى هذه الرؤية، وإن كان أقل حدة. وأطروحات آلان بلوم الذي طرح هذا منذ الثمانينيات، وبنوع من الاحتشام، التحق فرانسيس فوكوياما بهذا الطرح في كتابه «الهوية» بقوله، إن تعدد الهويات يقوض الديمقراطية الليبرالية الأمريكية، وينتعش هذا الخطاب في أوروبا، ففي فرنسا، نجد روني كامو وكذلك آلان فينكيلكراوت، الذي يرى في الهجرة غير المندمجة بشكل جيد تشكل خطراً على التماسك الجمهوري. ومن بريطانيا تبرز أسماء مثل روجر سكروتون إريك كوفمان، هذا الأخير بنوع من الذكاء الأكاديمي، ينتقد الطرح الشعبوي، ولكنه يقترب من أطروحة هنتنغتون بمعطيات سوسيولوجية مقنعة. يحدث كل هذا، أمام فشل الباحثين التقدميين تطوير خطاب سياسي مقنع بأهمية الهجرة، بدل الاكتفاء بخطاب اقتصادي بسيط، بأن الغرب في حاجة إلى اليد العاملة.
وإضافة إلى نظرية هنتنغتون، يعتقد مسؤولو البيت الأبيض في نظرية أخرى تكميلية تعتبر أكثر خطورة وهي نظرية «الاستبدال الكبير» التي أرساها الفرنسي روني كامو ـ وتنص على أن الهجرة الواسعة، رفقة انخفاض معدل الولادات لدى السكان الأصليين يترتب عنها مباشرة تغيير جذري في التركيبة السكانية، ما قد يهدد الهوية الثقافية، اللغوية، والدينية للمجتمع وستصبح المجتمعات الأوروبية غريبة وهجينة وستفقد طابعها الذي اكتسبته منذ ألفي سنة.
ولا يكتفي البيت الأبيض بالوصاية على الهجرة في الولايات المتحدة، بل يرغب في أن ينهج الاتحاد الأوروبي السياسة نفسها، في مواجهة الهجرة القادمة من الجنوب. وجاء في وثيقة الأمن القومي الأمريكي خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أنه «إذا استمرت الاتجاهات الحالية للهجرة، فستصبح القارة غير قابلة للتعرّف خلال عشرين عاماً أو أقل».
وهذا يعني أن واشنطن متخوفة من فقدان أوروبا لهويتها بسبب حدوث «الاستبدال الكبير». وتنص الوثيقة على أن على الولايات المتحدة «تعزيز المقاومة» داخل الدول الأوروبية، من خلال دعم الأحزاب «الوطنية»، وتغيير مسار السياسات الداخلية، وذلك في إشارة إلى دعم الأحزاب اليمينية المتطرفة، ولهذا، فالسياسة المناهضة للهجرة التي يتبناها البيت الأبيض، وأرسى تصورها التطبيقي المستشار القوي ستيفن ميلر، في العمق هي مواجهة ثقافية شاملة لإنقاذ الهوية الحضارية للمجتمع الأمريكي، بل الغرب برمته.
ويبقى الهدف الرئيسي للدولة العميقة الجديدة في واشنطن من سياسة التشدد في الهجرة، هو الحفاظ على وحدة الشعب، لأن الوزن الديمغرافي الموحد يلعب دورا مهما في منح أي دولة قوة في مواجهة الآخرين، ومما يزيد من قلق واشنطن هو أنها ترى كيف أن الصين التي تنافسها على ريادة العالم، لا تستقبل مهاجرين عاديين، بل هجرة الطلبة ورجال الأعمال والعلماء، بينما يحدث العكس في حالة الولايات المتحدة. وعليه، يجب عدم رؤية مشاريع فريق ترامب في ملف الهجرة بأنه خطاب قومي يميني بسيط، بل هو يخضع لتصور دقيق مرتبط بصراع الحضارات والثقافات، من دون استبعاد الديانات نسبيا.
القدس العربي