Pax Silica.. الحلف الجديد الأخطر!

محمد سليم قلالة
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
التغول الأخطر في عالم اليوم ليس كما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أي التغول العسكري. صحيح يملك الغرب قدرات عسكرية هائلة تستطيع تدمير المنشآت وتحطيم البنية التحتية وشل جميع القدرات العسكرية للطرف المُستهدَف، ولكن خلف هذا التغول الكبير يوجد تغول أكبر في الجانب التكنولوجي وبالضبط في جانب استغلال الذكاء الاصطناعي في تطوير كافة المنظومات الدفاعية والهجومية.

وفي هذا الجانب يبدو الفرق شاسعا بين مَن يملك ومَن لا يملك، وبين من يُحاول اللحاق ومَن لا يستطيع، ونحن نُتابع التطورات اليومية الكبيرة في هذا الجانب، بل التطورات في كل ساعة… ولا تعد هذه الخلاصة بنت خيال أو تخوف مفرط أو قلة ثقة في النفس إنما هي بنت ملاحظة واقع ميداني يتحرك أمامنا بوضوح…

في 12 من ديسمبر الماضي، قبل بضعة أسابيع من الآن تأسس في العاصمة الأمريكية حلف جديد: ليس بالتحالف العسكري ولا الاقتصادي ولا المالي إنما أخطر من كافة هذه التحالفات. إنه يتعلق بكيفية التحكم في أربع مجالات رئيسة هي: الشرائح والمعادن وأشباه الموصلات عالية القدرة، معايير الاتصال العالمية عبر الشبكات، مراكز البيانات الضخمة، السحابية التي تتحرك ضمنها هذه البيانات..

وسُمّى هذا التحالف بـ PAX SILICA تَيَمُّنًا بباكس رومانا  Pax Romana (السلم الروماني الذي فُرِض على العالم بالقوة العسكرية، حيث كانت تُقمع أية محاولة للخروج عنه عسكريا). وقد استمر هذا السلم الروماني من سنة 27 ق.م إلى 180 م. أو تَيَمُّنًا بـ PAX Britanica (طيلة القرن 19)، أو Pax Americana بعد الحرب العالمية الثانية… ولكنه هذه المرة يختلف عن سابقه، القوة العسكرية هي الشكل الظاهر من القوة التي يتم بها فرض “السلم” وإخضاع الخصوم، أما القوة الحقيقية فهي تلك الشريحة المتناهية في الدقة التي تصنع في تايوان أو اليابان أو كوريا الجنوبية أو وادي السيليكون..

هي التي تتحكم في فعالية القوة العسكرية وهي التي تُمهِّد لأي عمل عسكري قادر على تحقيق أهدافه.. من دونها لا فائدة من الصواريخ أو البوارج الحربية أو القوة التدميرية للأسلحة بمختلف أنواعها. جميعها مُرتبِطة بهذه التكنولوجية المُتقدِّمة التي تقف خلف هذا التفوق العسكري الكبير وخلف هذا الحلف الذي تم الإعلان عنه وضم كل من (الولايات المتحدة، اليابان، سنغافورة، هولندا، بريطانيا، الكيان الصهيوني، أستراليا والإمارات!!) ولعله سيكون مغلقا بعد اليوم. ولكل من هذه الدول دور، إِنْ في صناعة الشرائح وأشباه الموصلات، أو في التحكم في سلاسل الإمداد وتوفير المعادن النادرة، أو في توفير الموارد المالية لإنشاء مراكز البيانات الضخمة والتحكم في السحابية Cloud…
شيء واحد ينبغي علينا دائما تذكُّرَه: أن لكل قوة نهاية تبدأ بالتدريج

ويبقى لنا بعدها فقط أن نُشاهد المخرجات: التنفيذ العسكري إنْ في فلسطين أو في فنزويلا أو في إيران أو في أية نقطة أخرى من العالم… لذلك بات واضحا أن هذا الحلف أقوى من كل الأحلاف العسكرية، لا يستطيع “الناتو” الحركة من دونه، وبإمكانه أن يهاجم أي نقطة في العالم تهدد “سلم السيليكا” (نسبة لِمعدن السيلكون النادر)، ولذلك تبدو “غرينلاندا” هدفا سهلا وفي المتناول، إذا ما كان موقعها سيهدد أحد العناصر المكونة له سلاسل الإمداد، أو المعادن النادرة التي تحتاجها المجموعة…

بهذا الشكل علينا ونحن في جنوب الكرة الأرضية بمشكلاتنا المختلفة وامكاناتنا المختلفة أن ننظر للعالم، لا لِنخاف ونستسلم ونذعن لأي شكل من أشكال السلم المفروض بالقوة، ولكن لِنكون على بيِّنة ونقيس المسافة بدقة بيننا وبينهم، ونعرف كيف نتجاوز مشكلاتنا الصغرى لِنضع أنفسنا على الطريق الصحيح أمام هذه السيطرة المفروضة التي تُسمى سلم الأقوى وليس سلم الأكثر عدلا أو الأكثر تعاونا مع الآخرين…

شيء واحد ينبغي علينا دائما تذكُّرَه: أن لكل قوة نهاية تبدأ بالتدريج. 

Pax Romana كانت بداية نهايته بموت آخر الأباطرة الأقوياء “ماركوس أوريليوس” سنة 180م وبداية التآكل الداخلي للإمبراطورية، وPax Britanica انتهى بصعود ألمانيا والولايات المتحدة وخسارة مستعمراتها في الحربين العالميتين، وPax Silica يبدو أنه سيكون آخر مراحل Pax Americana وقد ضعُف الامبراطور! “ترامب” لم يعد كباقي السياسيين الأمريكيين! وقد ظهرت في ذات الوقت قوة قادرة على صناعة أشباه موصلات أقوى هي الصين وبإمكانها غدا أن تستعيد تايوان التي تمون “باكس سيليكون” بـ92%  من الشرائح الأكثر تطورا (5 نانومتر و3 نانومتر وأقل)، وعندها سندخل حقبة أخرى من التاريخ…

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)

خبر عاجل