مقالات مختارة

اليمن اليوم: كيف استبدل الأجنبي الحكمة بالفتنة؟!

محمد سليم قلالة
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
كُنَّا ننتظر أن يخرج اليمن موَحَّدا بعد موجة ما سُمِّي “الربيع العربي” سنة 2011، فإذا به يدخل لعنة المراحل الانتقالية التي حاول البعض فرضها على الجميع، ويخرج منقسما إلى قسمين بعد فشل الحوار الوطني (2013-2014) وسيطرة قوات عبد المالك الحوثي على صنعاء في 21 سبتمبر 2014…

وكُنَّا ننتظر من تأسيس المجلس القيادي في 7 أفريل 2022 أن يُنهي الصراع بين مكونات الجنوب، (الانتقالي، الحكومة المعترف بها، قوات طارق صالح وغيرها من القوى الأخرى التي ضمها المجلس)، فإذا بهذا المجلس القيادي يؤدي إلي انقسام جديد اليوم بعد إصدار قائد المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي “إعلانا دستوريا” من طرف واحد يوم الجمعة 2 جانفي 2026، للدخول في مرحلة انتقالية مدتها سنتين قبل تأسيس كيان يمني جنوبي مستقل عن الشمال!

وهكذا بدل أن يصبح اليمن واحدا، أصبح ثلاثة: (الحوثي في الشمال، ومن بقي في المجلس القيادي في الجنوب الغربي، والزبيدي في باقي الجنوب يريد إقامة دولته المستقلة من غير حلفائه في المجلس القيادي) وبدلا أن يستفيد من درس 2011، يطرح مرحلة انتقالية أخرى مع كل احتمالات تشظي اليمن خلالها أكثر مما تشظى في الأول!

فما الذي يحدث في بلد الحكمة؟ وما علاقة ذلك بما يجري من محاولات التقسيم الأخرى في البلدان العربية اليوم (السودان من خلال الدعم السريع، وسوريا من خلال قسد (قوات سوريا الديمقراطية) والصومال من خلال (صومالي لاند)، وليبيا من خلال شرقها وغربها)؟ أليست هناك يد واحدة خلف كل هذا؟ قوة خلفها قوة خلفها قوة أخرى خلفها الأجنبي؟ وما هي هذه القوى الأجنبية؟

يبدو سيناريو تغيير الجغرافيا العربية والإسلامية اليوم واضحا بشكل لا يدع مجالا للشك، ما لم يجرِ تحقيقه بمظاهرات ما يُسمّي “الربيع العربي” وما لم يجرِ تحقيقه من خلال المراحل الانتقالية يجري تحقيقه بالفتنة وقوة السلاح اليوم! لذلك فلا حل سوى بالوعي والاستباق والعمل.

ينبغي وضع حدٍّ لتلك القوى التي بما تملك من أموال وحلفاء باتت تهدد دولا قائمة بذاتها وتتلاعب بها كما تشاء، كلنا يعرفها من خلال أعمالها. تتدخل في شؤون الدول الداخلية، تدعم هذا ضد هذا في اليمن والسودان وسوريا وليبيا والصومال وغدا في أماكن أخرى آمنة، تُشعل نار الفتنة بين الأشقاء والجيران، تتسبّب في مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، تُدمّر البُنى التّحتية وكل ما هو جميل في غير بلدها، تُعيدها إلى ما دون الصفر ثم تنسحب تاركة وراءها الخراب والدمار…

ينبغي وضع حد لمثل هذه القوى مصدر الشر كله، وقطع الطريق أمامها بعقل مدرك لكافة أبعاد هذا العمل الإجرامي الدولي من ناحية وبعمل واع ومسؤول يستبق الإجرام القادم منها من ناحية أخرى.

ومفتاح هذا الوعي، إنْ بالنسبة لليمن أو غيرها، هو تمييز القوى الوطنية وجميع أفراد المجتمع بين خلافاتهم الداخلية الطبيعية مهما بلغت حدتها، والاصطفاف إلى جانب الأجنبي أو الاستقواء به ضد بعضهم البعض. إن مشكلة اليمن الرئيسية اليوم هي في هذه المسألة بالذات، والسؤال المطروح هو: بمن يستقوي كل طرف ضد الآخر ماليا أو سياسيا أو عسكريا في هذا البلد؟ والجواب معروف للجميع، واللوم كل اللوم على من يقع ضمن حباله من اليمنيين لأي سبب من الأسباب.

لذلك لا مجال للتصدي للخطر الجاثم اليوم على اليمن سوى إصدار إعلان وطني لفك الارتباط مع الأجنبي مهما كان وإعادة رص الجبهة الداخلية بكل مقوماتها بعيدا عن القوى الدولية التي جعلت من هذا البلد الآمن والحكيم مرتعا للعدوان والفساد والصراع واستبدلت الحكمة فيه بالفتنة! أما آن له أن يستعيد قواه؟ أما آن لنا جميعا أن نعي حقيقة الأجنبي وحقيقة المرحلة؟

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)

خبر عاجل