قال رئيس منظمة "ميدغلوبال"
الإنسانية، الدكتور زاهر سحلول، إن
السودان ينهار اليوم أمام أعين العالم،
مُحذّرا من أن "غياب الفعل الدولي الحاسم عاجلا سيكلّف المنطقة والعالم ثمنا باهظا"،
ومُشدّدا على أن "مستقبل
السودان، واستقرار المنطقة، ومصداقية النظام الدولي على المحك جراء تلك الأزمة
المتفاقمة".
وأوضح، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "الأزمة السودانية
لم تعد مجرد مأساة إنسانية محلية عابرة، لأن تفكك دولة كبرى في قلب إفريقيا، يهدد الاستقرار الإقليمي، ويغذّي
الهجرة غير النظامية، ويخلق بيئات خصبة للتطرف"، مشيرا
إلى أن "تفاقم
النزوح، وتزيد من المخاطر الصحية والاجتماعية والاقتصادية، يجعل
التدخل الفوري أمرا لا يحتمل التأجيل".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف رئيس منظمة ميدغلوبال
الإنسانية، أن "الأزمة في السودان اليوم تُعد الأكبر في العالم؛ إذ تؤثر على عشرات
الملايين وتدمّر البنية التحتية الأساسية".
ولفت إلى أن "أكثر من 70 بالمئة من المستشفيات توقفت عن العمل، وأن
نحو 14 مليون نازح يعانون من نقص الغذاء والماء والرعاية الصحية، مع تمويل دولي واهتمام
إعلامي أقل بكثير مقارنة بأزمات كبرى أخرى مثل غزة وأوكرانيا".
وشدّد سحلول على أن "مستويات
الطوارئ في سوء التغذية بين الأطفال والنساء الشابات تُشكّل تهديدا بعيد المدى لجيل
السودان بأكمله"، موضحا أن "هذا الوضع يؤدي إلى تلف دماغي وضعف النمو الجسدي
والعقلي للأطفال، وانخفاض قدراتهم التعليمية، إضافة إلى ضعف المناعة وزيادة المخاطر
الصحية والإنجابية لدى النساء الشابات، مما يكرس حلقة مفرغة من الهشاشة تنتقل عبر الأجيال".
وتاليا نص المقابلة الخاصة
مع "عربي21":
بعد
أكثر من 1000 يوم من الحرب، تصفون ما يجري في السودان بأنه أكبر أزمة إنسانية في
العالم اليوم.. فما الذي يجعل هذه الأزمة مختلفة أو أشد قسوة مقارنة بأزمات كبرى
أخرى مثل غزة أو أوكرانيا؟
تتميز أزمة السودان الناجمة عن الحرب
التي بدأت في نيسان/ أبريل 2023 بتأثيرها على أكبر عدد من المدنيين بين الحروب
الدائرة حاليا، وبشبه انهيار للنظام الصحي والتعليمي والخدمي في دولة منخفضة الدخل
أصلا قبل الحرب، وكانت قد خرجت من حرب أهلية مُدمّرة. كما ترافقت الأزمة مع تقهقر
في الخطوات التنموية التي تحققت قبل الحرب، إلى جانب الحجم الهائل للاحتياجات، مع
ندرة التمويل والاهتمام الإعلامي والدولي مقارنة بأزمات مثل غزة وأوكرانيا.
حتى الآن، قُتل على الأقل 160 ألف
سوداني، وجُرح مئات الآلاف. ويحتاج 30.4 مليون شخص (ثلثا السكان) إلى مساعدة
إنسانية، منهم 16 مليون طفل، مع تدمير أكثر من 70بالنئة من المرافق الصحية وتشريد
ملايين السكان داخليا وخارجيا.
الأزمة في السودان هي أكبر أزمة نزوح
في العالم، حيث أدت إلى نزوح نحو 14 مليون سوداني، منهم 10 ملايين نازح داخليا و4
ملايين لاجئ في دول الجوار، بما في ذلك دول فقيرة جدا مثل تشاد وجنوب السودان. ومع
ذلك، لا تحظى الأزمة بنفس مستوى الاستجابة الدولية أو الاهتمام السياسي، مما يجعل
العواقب الإنسانية أكثر اتساعا وعمقا على المدى الطويل.
خلال
زيارتكم الميدانية الأخيرة لموقع نازحي العفّاض في الولاية الشمالية، ما أبرز
الفوارق التي لاحظتموها بين النازحين القادمين من دارفور وسكان المناطق المضيفة؟
خلال زيارتنا الميدانية إلى موقع
نازحي العفّاض، برزت فوارق واضحة بين أوضاع النازحين القادمين من مناطق النزاع في
دارفور، ولا سيما من الفاشر، وكذلك من كردفان، وبين سكان المجتمعات المضيفة؛
فبينما يمتلك السكان المحليون حدا أدنى من الاستقرار وشبكات الدعم المجتمعي
والخدمات الأساسية، يعيش النازحون - الذين يُقدّر عددهم بنحو 4000 عائلة، أي قرابة
25 ألف فرد - في ظروف شديدة الهشاشة، انعكست في ضعف القدرة على تلبية الاحتياجات
اليومية الأساسية واعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية.
ويعاني سكان المخيم من نقص حاد في
الخدمات الأساسية، ما يجعل ظروف المعيشة صعبة للغاية مقارنة بالمناطق المضيفة.
وتتجلى الاحتياجات الأكثر إلحاحا في محدودية الرعاية الصحية، حيث تغيب الخدمات
الطبية المتخصصة وتتعثر عمليات الإحالة إلى المستشفيات، إضافة إلى عدم كفاية
المأوى الآمن والملائم، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
كما يبرز نقص حاد في خدمات المياه
والإصحاح البيئي، ولا سيما شح مرافق الصرف الصحي والمراحيض وضعف الوصول إلى المياه
النظيفة، الأمر الذي يزيد من المخاطر الصحية ويعمّق الفجوة بين النازحين وسكان
المناطق المستضيفة.
في حين تخدم عيادة منظمة "ميدغلوبال
– السودان" جميع سكان المخيم، البالغ عددهم نحو 4000 عائلة بما يُقدّر بنحو
25 ألف فرد، يُشكّل النساء والأطفال نحو 75 بالمئة من المستفيدين، ويستقبل الفريق
الطبي ما بين 100 و150 مريضا يوميا. وتتكوّن العيادة من خيمتين، إلى جانب تقديم
خدمات العيادة المتنقلة. كما يضم الفريق 9 أعضاء، 6 منهم من النازحين أنفسهم
القادمين من دارفور والخرطوم ومدني والدبة وبورتسودان، وهو ما يعكس بوضوح قدرة
المجتمعات المتضررة على الصمود والمساهمة الفاعلة في علاج نفسها.
بينما لوحظ تفاوت حاد في الوضع الصحي
والاقتصادي؛ فالنازحون من دارفور، وخاصة من الفاشر وطويلة، وصلوا في حالة صحية
ونفسية متردية للغاية نتيجة الحصار الطويل والعنف الممنهج، ويعانون من مستويات
كارثية من سوء التغذية الحاد، والأمراض المزمنة، والصدمات النفسية.
في المقابل، يتمتع سكان المناطق
المضيفة، رغم فقرهم، ببعض عوامل الصمود المجتمعي وشبكات الدعم العائلية
والاجتماعية، ويتمكنون من الوصول إلى الخدمات الأساسية - وإن كانت محدودة - بشكل
أفضل من النازحين الذين فقدوا كل شيء.
النازحون
القادمون من الفاشر وطويلة هم ناجون من حصار طويل.. كيف ينعكس هذا الحصار الممتد
على أوضاعهم الصحية والنفسية عند وصولهم إلى مناطق أكثر أمانا؟
ينعكس الحصار الطويل الذي تعرّض له
النازحون القادمون من الفاشر وطويلة بشكل مباشر وعميق على أوضاعهم الصحية والنفسية
فور وصولهم إلى مناطق أكثر أمانا؛ فعلى الصعيد الجسدي، يصل كثيرون وهم يعانون من
حالات سوء تغذية حاد وشديد، لا سيما بين الأطفال والنساء، إلى جانب ارتفاع ملحوظ
في معدلات الأمراض المنقولة عبر المياه والأمراض المعدية، نتيجة الحرمان الطويل من
المياه النظيفة والخدمات الصحية الأساسية.
أما على المستوى النفسي، فيحمل
الناجون آثار صدمات قاسية تراكمت خلال سنوات الحصار، تظهر في شكل قلق مزمن واكتئاب
واضطرابات نفسية حادة، بما في ذلك اضطراب ما بعد الصدمة، في ظل غياب شبه كامل
لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي القادرة على الاستجابة لهذه الاحتياجات المعقّدة.
ويصل هؤلاء النازحون في حالة هشاشة شديدة، منهكين جسديا ونفسيا، دون ممتلكات أو مدخرات،
ما يجعل اعتمادهم شبه كامل على المساعدات الإنسانية المحدودة والهشّة، ويضاعف من
صعوبة تعافيهم وإعادة بناء حياتهم.
تشيرون
إلى مستويات طوارئ في سوء التغذية خصوصا بين الأطفال والنساء الشابات.. فما
المخاطر بعيدة المدى لذلك على جيل كامل من السودانيين؟
تُشكّل مستويات الطوارئ في سوء
التغذية، ولا سيما بين الأطفال والنساء الشابات، تهديدا بعيد المدى لجيل كامل من
السودانيين، تتجاوز آثاره الجانب الإنساني الآني إلى مستقبل المجتمع والدولة ككل؛
فالأطفال الذين يتعرّضون لسوء تغذية حاد في السنوات الأولى من العمر يواجهون مخاطر
جسيمة تتمثل في أضرار نمائية غير قابلة للعلاج، تشمل تلفا في النمو الدماغي وضعفا
في النمو الجسدي والعقلي، وانخفاضا في القدرات التعليمية والتحصيل المعرفي، ما
ينعكس لاحقا على نوعية القوى العاملة ومستوى الإنتاجية الوطنية لعقود مقبلة.
كما يؤدي سوء التغذية في الطفولة إلى
زيادة الأعباء الصحية المستقبلية؛ إذ يضعف الجهاز المناعي ويجعل الأفراد أكثر عرضة
للإصابة بالأمراض المزمنة والمضاعفات الصحية في مراحل لاحقة من حياتهم، ما يثقل
كاهل النظام الصحي الهش أصلا. وعلى صعيد آخر، فإن سوء التغذية لدى النساء الشابات
يحمل آثارا خطيرة على الصحة الإنجابية، حيث يرفع من معدلات وفيات الأمهات، ويزيد
من احتمالات الولادات المبكرة وانخفاض وزن المواليد، الأمر الذي يكرّس حلقة مفرغة
من الهشاشة وسوء التغذية تنتقل من جيل إلى آخر، وتهدد الأسس الصحية والاجتماعية
للسودان على المدى الطويل.
في ظل
الضغط الهائل على المرافق الصحية في الدبة ومخيم العفّاض، ما الحد الأدنى من
التدخلات الصحية المطلوبة لمنع انهيار كامل للخدمات؟
في ظل الضغط الهائل الذي تتعرض له المرافق الصحية في الدبة ومخيم العفّاض،
فإن منع الانهيار الكامل للخدمات يتطلب حزمة تدخلات عاجلة تمثل الحد الأدنى للاستجابة
الصحية، ويبدأ ذلك بدعم المرافق القائمة عبر توفير الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية
المنقذة للحياة، إلى جانب ضمان موارد التشغيل الحيوية مثل الوقود والطاقة، وتحسين خدمات
المياه والصرف الصحي داخل هذه المرافق.
كما تبرز ضرورة تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية من خلال نشر عيادات
متنقلة لتخفيف الضغط عن المراكز الثابتة، وتفعيل برامج التطعيم الروتيني، والتغذية
العلاجية للأطفال، وتقديم رعاية صحية منتظمة للحوامل والمرضعات. وفي موازاة ذلك، تظل
الاستجابة للطوارئ الصحية أولوية قصوى، عبر إنشاء نظام إنذار مبكر لرصد الأوبئة والاستجابة
السريعة لها، وتوفير معدات مكافحة نواقل الأمراض، وضمان إمدادات كافية ومستدامة من
المياه النظيفة.
ولا يمكن إغفال البُعد النفسي للأزمة؛ إذ يستوجب الوضع إدخال خدمات الدعم
النفسي والاجتماعي الأساسية ضمن المرافق الصحية والمخيمات للتعامل مع الصدمات المتراكمة.
وأخيرا، فإن استدامة أي تدخل صحي مرهونة بدعم الكوادر الطبية المتبقية، من خلال توفير
الحوافز المادية والمعنوية، وضمان التأمين والحماية، بما يمكّنهم من الاستمرار في تقديم
الخدمات في ظروف بالغة القسوة.
كيف
تؤثر القيود الأمنية والإدارية على الوصول الإنساني في السودان؟ وهل يمكن تجاوز
هذه العوائق دون توافق سياسي أو عسكري؟
تؤثر القيود الأمنية (الاشتباكات، ونقاط
التفتيش العشوائية، والاستهداف المباشر) والإدارية (تعقيد إجراءات التصاريح، والقيود
على الحركة)، بشكل كبير على توقيت وكفاءة وصول المساعدات، وتزيد من تكاليف
العمليات، وتعرّض العاملين للخطر.
لا يمكن تجاوز هذه العوائق بشكل
مستدام دون توافق سياسي أو عسكري يضمن ممرات إنسانية آمنة ومضمونة، وتبسيط
الإجراءات البيروقراطية، والتزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني. الجهود
الإنسانية الحالية عالية المخاطر ولا يمكنها سد الفجوة الهائلة دون هذا الإطار
السياسي.
وصفتم
السودان بأنه أحد أخطر البيئات على العاملين في المجال الإنساني.. كيف تؤثر
الهجمات على المرافق الصحية والكوادر الطبية على استمرارية العمل الإنساني؟
وفقا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية،
تم توثيق أكثر من 203 هجمات على مرافق صحية أدت إلى مقتل 1893 مدنيا وإصابة 503
آخرين، وهو تقدير منخفض جدا بسبب نقص التوثيق؛ إذ إن الأعداد الحقيقية أعلى بكثير.
وفي دراسة نُشرت في تشرين الأول/ أكتوبر
2024، تبيّن أن نصف جرّاحي السودان قد فرّوا من البلاد، بينما نزح النصف الآخر
داخليا. ووفقا للدراسة نفسها، فإن 51 في المئة من العاملين الطبيين في التخصصات
الجراحية لم يعودوا يمارسون المهنة، واضطر 75 في المئة منهم لمغادرة مناطق النزاع.
وبحلول نهاية عام 2023، كان أكثر من 30 في المئة من المستشفيات العامة قد توقفت عن
العمل، وأُجبرت 70 في المئة من المرافق الصحية في الولايات المتأثرة بالنزاع على
الإغلاق.
إلى جانب النزوح، قُتل العديد من
الكوادر الطبية، أو اعتُقلوا، أو أُجبروا على العمل في مرافق غير آمنة أو محتلة أو
منهوبة. وحتى أوائل عام 2025، تم الإبلاغ عن مقتل أكثر من 140 عاملا صحيا، وتوثيق
مئات الحوادث العنيفة ضد المنظومة الصحية.
يُعدّ استهداف المرافق الصحية والعاملين الصحيين انتهاكا خطيرا للقانون
الإنساني الدولي وبروتوكولات جنيف، وقد شهدنا هذا النمط الممنهج بوضوح في النزاع السوري،
والحرب في أوكرانيا، وميانمار، وإثيوبيا، وكذلك في الحرب الإسرائيلية على غزة، وتترتب
على هذه الانتهاكات تداعيات كارثية تمتد آثارها المباشرة إلى بنية النظام الصحي والمجتمع
ككل.
فعلى مستوى الخدمات، يؤدي تدمير البنية التحتية الصحية الحيوية - بما في
ذلك مستشفى جعفر بن عوف التعليمي للأطفال، والمشافي المركزية الثالثية والتحويلية في
الخرطوم، والمخبر المركزي، وبنك الدم المركزي - إلى انهيار شبه كامل للخدمات الصحية،
وحرمان ملايين الأشخاص من الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة، ويدفع استهداف المنشآت
الصحية العاملين المؤهلين إلى الفرار خوفا على حياتهم، ما يفاقم النقص الحاد أصلا في
الكوادر الصحية ويشل قدرة النظام على الاستجابة.
كذلك يخلّف هذا الاستهداف أثرا نفسيا رادعا؛ إذ يخلق مناخا دائما من الخوف
والتردد بين العاملين الإنسانيين والطبيين المتبقين، ويهدد استمرارية العمليات الإنسانية
والطبية. والأخطر من ذلك، أنه يقوّض مبادئ الحماية والحياد التي تقوم عليها الخدمات
الصحية، ويفقدها حصانتها، الأمر الذي يدفع السكان إلى التردد أو الخوف من طلب الرعاية
الصحية، بما يفاقم المعاناة الإنسانية ويزيد من معدلات الوفيات التي كان يمكن تجنبها.
إلى
أي مدى يشكّل غياب احترام القانون الدولي الإنساني، خصوصا حماية المدنيين والخدمات
الطبية، عاملا مضاعفا لحجم الكارثة؟
الغياب شبه التام لاحترام القانون
الدولي الإنساني هو العامل المضاعف الأهم. استهداف المستشفيات والعاملين الصحيين
والمدنيين، وحصار المدن، وعرقلة المساعدات، كلها انتهاكات جسيمة حوّلت نزاعا
سياسيا إلى كارثة إنسانية شاملة. هذا الغياب يعني انعدام أي حدود للعنف، وجعل
السكان والخدمات التي تُبقيهم على قيد الحياة في مرمى النار، مما فاقم حجم
المعاناة بشكل أُسّي.
من
خلال عمل ميدغلوبال منذ عام 2019، كيف تغيّر المشهد الصحي في السودان قبل الحرب
وبعدها؟ وأين يكمن الانهيار الأكبر؟
منذ بدء عمل منظمة "ميدغلوبال – السودان" عام 2019، شهد المشهد
الصحي في البلاد تحوّلا جذريا يمكن تقسيمه بوضوح إلى مرحلتين: ما قبل الحرب وما بعدها،
مع فارق نوعي وحاد في مستوى الانهيار.
قبل الحرب (2019–2023)، كان النظام الصحي السوداني يعاني أصلا من ضعف التمويل
المزمن، وعدم الاستقرار السياسي، وتداعيات جائحة كورونا، إلا أنه ظل نظاما قائما وفاعلا،
قادرا على تقديم حد أدنى من الخدمات الصحية الأساسية. وخلال هذه المرحلة، أسهمت "ميدغلوبال"،
بالشراكة مع منظمات محلية مثل صدقات ومنظمة الأطباء السودانيين في الولايات المتحدة
(سابا)، وبدعم من منظمات عربية وإسلامية أمريكية، وكنيسة يسوع المسيح، ومؤسسة سترلينغ،
في تنفيذ تدخلات نوعية، أبرزها إنشاء أكبر مرفق صحي بعد استقلال السودان، والمُتمثل
في مولد أكسجين في مدينة نيالا بدارفور.
كما شملت الجهود توفير المستهلكات الطبية، ومولدات الأكسجين، وأجهزة التنفس
للمستشفيات المختلفة، وتأمين المياه النظيفة عقب الفيضانات، وتقديم الرعاية الصحية
للاجئين القادمين من إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان، إضافة إلى إعادة تأهيل مرافق
صحية رئيسية، من بينها مستشفى جعفر بن عوف التعليمي للأطفال.
أما بعد اندلاع الحرب منذ نيسان/ أبريل 2023؛ فقد تعرّض النظام الصحي لانهيار
كارثي وشامل، ويتمثل الانهيار الأكبر في التدمير الواسع للبنية التحتية الصحية، حيث
توقّف أكثر من ثلثي المستشفيات في مناطق النزاع عن العمل، وتعرّضت مرافق متخصصة رئيسية
للتدمير أو التعطيل الكامل.
كما شهد القطاع استنزافا غير مسبوق في الكوادر الصحية، مع نزوح أو استشهاد
الآلاف من الأطباء والممرضين والعاملين الصحيين. وتفاقم الوضع أكثر مع انهيار نظام
الإمداد الدوائي، نتيجة توقف الصندوق القومي للإمدادات الطبية وتعطّل سلاسل التوريد،
ما جعل حتى المرافق التي ما تزال قائمة عاجزة عن تقديم خدمات فعّالة. وبذلك انتقل النظام
الصحي في السودان من حالة هشاشة قابلة للدعم قبل الحرب، إلى حالة انهيار شبه كامل تهدد
حياة ملايين السودانيين.
تعمل
ميدغلوبال في أكثر من 50 مركزا صحيا وعيادة متنقلة؛ ما التحدي الأكبر اليوم: نقص
التمويل، أم صعوبة الوصول، أم انعدام الأمن؟
التحديات الثلاثة مترابطة، لكن في
المرحلة الحالية يُعد انعدام الأمن التحدي المعيق الرئيسي، لأنه يمنع الوصول
الفعّال إلى السكان المحتاجين ويعرّض حياة الفرق للخطر. يليه مباشرة النقص الحاد
في التمويل، الذي يحول دون توسيع نطاق الاستجابة لتلبية الاحتياجات الهائلة. أما
صعوبة الوصول فهي نتيجة مباشرة لانعدام الأمن والقيود الإدارية.
تحدثتم
عن خطر تحوّل السودان إلى "أزمة منسية".. فما المؤشرات التي تدل على تراجع
الاهتمام الدولي مقارنة بحجم المأساة؟
تتجلّى مخاطر تحوّل السودان إلى "أزمة منسيّة" في مجموعة من
المؤشرات الواضحة التي تعكس فجوة مقلقة بين حجم المأساة الإنسانية ومستوى الاهتمام
الدولي بها؛ ففي مقدّمة هذه المؤشرات تبرز فجوة التمويل الهائلة؛ إذ لم تحظ خطط الاستجابة
الإنسانية سوى بجزء ضئيل من الموارد المطلوبة، وبنسب أدنى بكثير مقارنة بأزمات أخرى،
ما يقيّد قدرة المنظمات الإنسانية على تلبية الاحتياجات الأساسية المتفاقمة.
كما يظهر التراجع بوضوح في ضعف التمثيل الإعلامي عالميا، حيث تبقى التغطية
متقطّعة ومحدودة، ولا تعكس حجم الكارثة الإنسانية أو تعقيداتها، الأمر الذي يساهم في
إبقاء الأزمة خارج دائرة الاهتمام العام. ويُضاف إلى ذلك ما يمكن وصفه بالإرهاق الجيوسياسي،
في ظل انشغال المجتمع الدولي بأزمات وصراعات أخرى، وغياب إرادة سياسية فاعلة تدفع نحو
تحرّك جاد ومستدام تجاه السودان.
أما على مستوى الرأي العام، فيلاحظ انخفاض ملموس في الضغط الشعبي على الحكومات
وصنّاع القرار لاتخاذ مواقف حاسمة أو زيادة الدعم، وهو ما يعمّق خطر تطبيع المأساة
وتحويلها إلى أزمة طويلة الأمد تُدار بأقل قدر من الاهتمام الدولي، رغم كلفتها الإنسانية
الباهظة.
كيف
تؤثر فجوات التمويل والإرهاق الجيوسياسي على قرارات الحياة أو الموت بالنسبة
للمدنيين السودانيين؟
تؤثر فجوات التمويل والإرهاق الجيوسياسي بشكل مباشر وقاس على قرارات الحياة
أو الموت بالنسبة للمدنيين السودانيين؛ إذ لا تبقى هذه العوامل في إطارها السياسي أو
المالي المجرد، بل تُترجم يوميا إلى وفيات يمكن منعها وخيارات إنسانية مؤلمة؛ فعندما
يتراجع التمويل، تُضطر المنظمات الإنسانية إلى إغلاق برامج التغذية العلاجية، ما يعني
ترك الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد دون علاج، وهو ما يقود في كثير من الحالات
إلى وفاتهم رغم إمكانية إنقاذهم بتدخلات بسيطة نسبيا.
كما يؤدي نقص التمويل إلى انقطاع الأدوية الأساسية، مثل الأُنسولين وأدوية
الضغط وأمراض القلب، ما يعرّض المرضى المزمنين لمضاعفات قاتلة، ويفضي إلى وفيات صامتة
لا تحظى بأي تغطية أو مساءلة. وفي السياق نفسه، يحدّ العجز المالي من القدرة على تشغيل
العيادات المتنقلة أو توفير المياه النظيفة وخدمات الإصحاح، الأمر الذي يفتح الباب
أمام تفشي أوبئة يمكن الوقاية منها، مثل الكوليرا والملاريا، ويحوّل الأمراض القابلة
للعلاج إلى أحكام موت جماعية.
ولا يقل غياب الدعم النفسي والاجتماعي خطورة؛ إذ يسهم نقص الموارد في إقصاء
هذا الجانب الحيوي من الاستجابة، ما يؤدي إلى تفاقم الاضطرابات النفسية الحادة وارتفاع
معدلات الانتحار، خصوصا بين الناجين من العنف والحصار والنزوح. وبهذا المعنى، فإن فجوات
التمويل والإرهاق الجيوسياسي لا تُمثّل تقصيرا إداريا فحسب، بل تتحول عمليا إلى عوامل
حاسمة ترسم الفارق بين النجاة والموت لملايين المدنيين السودانيين.
في ظل
ضعف التغطية الإعلامية الدولية، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام في
إعادة السودان إلى صدارة الاهتمام العالمي؟
يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورا حاسما في إعادة السودان إلى صدارة الاهتمام
العالمي من خلال عدة مسارات متكاملة. أولا، عبر رواية القصة الإنسانية وتسليط الضوء
على التجارب الشخصية للمدنيين والنازحين والعاملين الصحيين، بما يجعل المعاناة ملموسة
وقريبة من الجمهور الدولي، ويكسر حاجز التجاهل أو الانفصال عن الواقع الميداني.
كما يمكن للإعلام أن يكشف الانتهاكات من خلال توثيق الممارسات المخالفة
للقانون الدولي الإنساني بشكل منهجي، ما يضعها تحت المجهر الدولي ويخلق ضغطا على الجهات
الفاعلة للامتثال للمعايير القانونية وحماية المدنيين. ويأتي بعد ذلك الضغط على صناع
القرار؛ إذ يمكن ربط التغطية الإعلامية بالمساءلة السياسية، ودفع الحكومات والمنظمات
الدولية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم المدنيين وحماية البنية التحتية الحيوية.
وأخيرا، تلعب وسائل الإعلام دورا محوريا في التواصل مع الشتات السوداني
عبر منصات التواصل الاجتماعي والقنوات المتخصصة، لنقل الرسائل وتوحيد الأصوات، بما
يعزز الضغط الدولي والمحلي على حد سواء، ويحول الأزمة من حدث يُتجاهل إلى قضية ملحة
تتطلب تحركا فوريا ومستداما.
هل
تعتقدون أن الاستجابة الإنسانية الحالية تركز أكثر على إدارة الأزمة بدلا من منع
تفاقمها؟ وما الذي ينقصها لتغيير هذا المسار؟
نعم، يتركز الجهد الإنساني الحالي في السودان بشكل أكبر على إدارة التداعيات
اليومية للأزمة بشكل تفاعلي، بدلا من الوقاية من تفاقمها أو معالجة جذورها، ما يجعل
الاستجابة محدودة المدى وذات أثر قصير. ولتغيير هذا المسار وتحويل الجهود نحو استجابة
أكثر فاعلية واستدامة، هناك ثلاثة عناصر رئيسية تنقص الاستجابة الحالية:
أولا، التمويل الكافي والمستقر، الذي يسمح بالانتقال من الاستجابة الطارئة
إلى برامج التعافي المبكر، ودعم المنظمات المحلية والدولية التي عملت منذ ما قبل الحرب
وتملك خبرة ومعرفة دقيقة بالاحتياجات الميدانية.
ثانيا، الوصول غير المقيّد إلى جميع المناطق المتضررة، لضمان وصول المساعدات
الإنسانية إلى كل السكان المحتاجين دون عراقيل لوجستية أو سياسية، خصوصا في المناطق
النائية أو المتأثرة بالنزاع.
ثالثا، ربط المساعدات بالحل السياسي، من خلال الضغط الجاد لإرساء وقف إطلاق
نار دائم، وإطلاق مسار سياسي حقيقي، يضمن حماية المدنيين واستدامة تقديم الخدمات الأساسية،
ويحوّل الاستجابة من إدارة للأزمة إلى خطوة نحو حل شامل ومستدام.
ما
رسالتكم إلى الحكومات الغربية وصنّاع القرار بشأن تداعيات الأزمة السودانية؟
السودان ينهار أمام أعيننا، وغياب
الفعل الحاسم اليوم سيكلّف العالم غدا ثمنا باهظا. هذه ليست أزمة إنسانية عابرة،
بل تفكك دولة كبرى في قلب إفريقيا، يهدد الاستقرار الإقليمي، ويغذّي الهجرة غير النظامية،
ويخلق بيئات خصبة للتطرف.
اظهار أخبار متعلقة
نداؤنا واضح وعاجل: أوقفوا تمويل
الحرب عبر محاسبة منتهكي القانون الدولي، ارفعوا مستوى التمويل الإنساني بما
يتناسب مع حجم الكارثة، واستخدموا نفوذكم الدبلوماسي لفرض وقف إطلاق نار دائم وبدء
عملية سياسية حقيقية.
لا يمكن إدارة هذه الكارثة، بل يجب
حلّها. مستقبل السودان، واستقرار المنطقة، ومصداقية النظام الدولي على المحك.