قال السياسي
التونسي والوزير السابق، محمد عبو، إن بلاده "تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم في ظل قرارات رئاسية متتالية تُدار بخطاب دائم عن الأزمة والمؤامرة وما يُسمى حرب التحرير"، مؤكدا أن "استمرار حالة التأزم وغياب دور النخب في بلورة رأي عام يطالب بتغيير سلمي وهادئ في أعلى هرم السلطة، سيدفع نحو سيناريو مختلف تفرضه طريقة الحكم نفسها".
وأضاف، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "العبث في إدارة الدولة وتآكل الثقة في المؤسسات يجعلان خيار التغيير المنظّم أضيق"، مُحذّرا من أن "البديل قد يكون تغييرا غير هادئ تفرضه الوقائع لا الإرادة السياسية الواعية؛ فالتغيير ستفرضه طريقة الحكم المتسمة بالعبث".
ولفت عبو إلى أن "الانتخابات الرئاسية التي جرت نهاية عام 2024، وأُعلن في ختامها فوز قيس سعيّد، شكّلت محطة مفصلية؛ إذ ترافقت مع إقصاء ممنهج للمعارضين والمنتقدين عبر الزجّ بهم في السجون"، موضحا أن "امتلاك الرئيس لكل السلطات التشريعية والقضائية والإدارية أسقط عمليا أي مبررات للفشل أو تحميل المسؤولية لغيره".
وذكر أن "كثيرا من أنصار الرئيس ومَن صدّقوا وعوده انتظروا تحسنا ملموسا في أوضاعهم المعيشية، لكنهم فوجئوا بتدهور متواصل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مقابل إعادة إنتاج الخطاب ذاته عن المتآمرين والمحاسبة المؤجلة، ما خلق حالة خيبة واسعة حتى داخل القاعدة التي ساندت المسار الرئاسي".
وشدّد عبو، وهو مرشح رئاسي سابق، على أن "الحديث عن حوار وطني بات اليوم أقرب إلى الوهم"، معتبرا أن "رئيس الجمهورية لا يؤمن بالحوار بطبيعته، في حين فقدت المعارضة الثقة في الرئيس بعد سنوات من تفكيك مكاسب الثورة ومؤسسات الدولة، وتصاعد الخطاب العدائي تجاه كل صوت معارض".
وأشار إلى أن "عجز المعارضة عن توحيد صفوفها لا يعود فقط إلى ضغوط السلطة، بل أيضا إلى صراعات سابقة وحسابات حزبية ضيقة"، مؤكدا أن "المطلوب في هذه المرحلة ليس بناء تحالفات سياسية معقّدة، بل الاتفاق على حد أدنى يتمثل في كيفية الخروج من وضع الاستبداد القائم، خاصة في ظل الفراغ الدستوري المتعلق بانتقال السلطة".
اظهار أخبار متعلقة
وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
كيف تقيّمون المشهد السياسي في تونس اليوم في ظل القرارات الرئاسية المتتالية؟ وهل نحن أمام مرحلة استقرار أم تعميق للأزمة؟
لدينا رئيس لا يتوقف، في أي ظرف كان، عن تبني خطاب الأزمة والمؤامرة و"حرب التحرير" التي يريد خوضها. هذا الخطاب وحده كاف لاستبعاد أي حديث عن الاستقرار، والقول إن الأزمة بصدد التعمّق لا العكس.
أُجريت انتخابات رئاسية في نهاية سنة 2024، وأُعلن في ختامها فوز السيد قيس سعيّد. وبقطع النظر عن شرعية هذا الفوز، فإن الرجل تخلّص من معارضيه ومنتقديه، الذين اتهمهم بعرقلة مساره والتآمر عليه، عبر الزجّ بهم في السجون. وبعد ذلك، كان من المفترض ألا تبقى لديه أي مبررات للفشل، خاصة وأنه بات صاحب جميع السلطات، والمتحكّم في وظيفة التشريع ووظيفة القضاء، كما تخضع له الإدارة، سواء بالقانون أو بالترهيب.
في هذا السياق، انتظر كثير من أنصاره، ومَن صدّقوا روايته ووعوده، تحقّق نتائج إيجابية تنعكس على أوضاعهم المعيشية، غير أنهم اكتشفوا أن شيئا لم يتغيّر، إلا نحو الأسوأ، ولم يحصدوا سوى تكرار الخطاب ذاته، والجمل نفسها عن "حرب التحرير" والمتآمرين، والوعود بكشف الحقائق والمحاسبة.
ومع هذه الخيبة المتزايدة لدى أنصاره، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية واستمرار الانتهاكات، لا شيء يوحي بأي استقرار على الإطلاق بل العكس تماما.
هل لا يزال الحوار الوطني ممكنا في تونس اليوم؟ وإذا كان كذلك، فما شروطه وضماناته كي لا يتحول إلى مجرد واجهة سياسية أم أن الانسداد السياسي بلغ نقطة اللاعودة؟
شخصيا، لا أرى أي إمكانية لحوار؛ فالسيد قيس سعيّد، بطبعه، لا يحاور، ومعارضوه لا يمكنهم أن يثقوا فيه بعد كل هذه السنوات من التدمير الممنهج لكل مكاسب الثورة، بل ولمكاسب الدولة التونسية منذ الاستقلال، فضلا عن خطابه المتشنّج والمعادي للمعارضة.
لكن ما أسباب عجز المعارضة التونسية عن توحيد صفوفها حتى الآن؟
الأسباب عديدة؛ من بينها العداوات التي سبقت الانقلاب، ومنها أيضا تفكير بعض الأطراف فيما بعد مرحلة قيس سعيّد بمنطق الربح والخسارة الحزبية أو الفردية، وخشيتهم من أن يُحسب عليهم، لدى أنصارهم، أي تقارب مع أطراف بنوا مشاريعهم السياسية على التناقض معها.
برأيي، المطلوب ليس تشكيل جبهة سياسية، ولا تحالفات طويلة الأمد، ولا حتى الاتفاق على مبادئ مشتركة للمستقبل، بل فقط توحيد الموقف بشأن سبل الخروج من الأزمة الحالية المرتبطة بحالة الاستبداد، خاصة في ظل وجود فراغ دستوري يتعلق بانتقال السلطة.
ما مدى قوة وتأثير المعارضة التونسية اليوم داخل البلاد؟ وهل الخلافات داخل المعارضة ذاتية أم نتيجة ضغوط السلطة؟
هناك أخطاء حقيقية ارتكبها مَن حكموا قبل ليلة 25 تموز/ يوليو 2021، وكذلك مَن عارضوا من داخل البرلمان أو من خارجه، وهناك أيضا أكاذيب ومعلومات خاطئة سهّل تصديقها لدى الرأي العام غياب إعلام نزيه وحرفي، إلى جانب تورّط أغلب القوى السياسية في نشر المغالطات، بما ساهم في تعميق هشاشة الرأي العام وقابليته لتصديق أي خبر.
لقد بنى قيس سعيّد مشروعه على رفض كل الأحزاب والنقابات والجمعيات، ووجد جمهورا جاهزا لتقبّل فكرة رفض الأجسام الوسيطة، غير أن هذا التوجّه بدأ يتراجع مع ظهور النتائج الكارثية للنظام الشعبوي الذي حكم البلاد في السنوات الأخيرة.
ترددت أنباء عن محاولات لتشكيل جبهة سياسية معارضة برئاسة رئيس الحكومة التونسية السابق هشام المشيشي.. ما مدى صحة ذلك؟
حسب علمي، هو اجتماع عُقد في الخارج، حضره بعض المعارضين للنظام الحالي، من بينهم رئيس الحكومة السابق السيد هشام المشيشي، في حين لم يحضره معارضون آخرون.
وبقطع النظر عن الخلافات، من المفترض العمل المشترك للخروج من هذه الأزمة، غير أن العراقيل داخل أحزاب المعارضة كثيرة، وهناك حتى مَن يفضّل عدم خوض أي معركة قد يدفع فيها كلفة سياسية، معوّلا على أن الشعب سيتحرّك حتما نظرا لسوء أوضاعه. وبرأيي، يُعدّ هذا تخليا عن الدور الوطني، ويجب أن يُحاسب أصحابه سياسيا يوم يعودون للحديث عن الوطن بعد انتهاء هذه المرحلة.
اظهار أخبار متعلقة
هل بدأ مسار إنتاج خصوم النظام من الداخل برأيكم؟
هناك نقد وتململ آخذان في الاتساع من داخل أنصار قيس سعيّد، ومن داخل البرلمان أيضا؛ فهناك ضغط واضح على النواب من ناخبيهم وسكان دوائرهم، ما دفع كثيرين منهم إلى توجيه انتقادات تراوحت بين التنسيب والشدة في التهجّم على النظام الحاكم؛ فالدفاع عن حكم قيس سعيّد دون أي نقد، بعد النتائج المخيبة لكل مَن صدّقوه، وما شاهده الناس من عبث، لم يعد أمرا ممكنا لأي إنسان يشعر بكرامته.
هل نظام قيس سعيّد ما زال متماسكا وقادرا على الصمود؟ وكيف تفنّدون الرأي القائل إن نظامه أقوى بكثير مما تصوّره المعارضة؟
بعد سقوط بن علي، ومبارك، والقذافي، تبيّن زيف مقولة إن الحاكم المستبد قوي وإن نظامه متماسك. وفيما يخص وضع تونس اليوم، ما زلت أعتقد أن هناك شخصا واحدا يتحمّل المسؤولية المباشرة عن كل هذا العبث، فيما يقوم الآخرون بحمايته أو بتنفيذ أوامره بحثا عن سلامتهم، أو خوفا من الفوضى. وفي هذه الحالة، لا يمكن الحديث عن نظام متماسك.
هل تتوقعون أن ينهار هذا النظام خلال عام 2026 أم أنه قد يستمر حتى انتهاء العهدة الثانية؟
لا أحد يعلم ذلك على وجه اليقين، لكن ما أرجوه هو أن تقوى الحركة المعارضة، بأحزابها وجمعياتها وشبابها غير المنتمين، عبر الاتفاق فقط على إعلان وجوب رحيله، وتقديم الحجج الداعمة لهذا المطلب، وهي حجج مقنعة جدا، ثم تكرار هذا الطلب والإصرار عليه.
في هذه الحالة، لن يتمكن النظام من الاستمرار اعتمادا فقط على القمع، أو على بعض الأصوات المرتزقة، أو على الحسابات الوهمية في الشبكات الاجتماعية. صحيح أن هذه الأدوات كافية لإلحاق الأذى بالضحايا ما دامت الأوامر تُنفذ، لكنها ليست كافية للاستمرار طويلا.
ستتغير الأوضاع إذا انطلقت حركة رفض سلمية، شعارها فرض القانون على حاكم متمرّد عليه. وإذا تحقق ذلك، فقد نحمي بلادنا وأهلها ومؤسساتها من سيناريو عنف قد يتجاوز بكثير ما حصل خلال الثورة التونسية، ونعفيها من فوضى وخسائر، بعضها لا يمكن تعويضه.
اظهار أخبار متعلقة
هل ترون أن قيس سعيّد مجرد أداة في "صراع الأجنحة" داخل السلطة أم أنه المسيطر على هذه الصراعات؟
هناك تململ واضح يفتح الباب أمام تأويلات من هذا النوع، كما أن هناك ممارسات تحمل بصمات قيس سعيّد وحده، ولا أتصوّر أن لأي مسؤول آخر في الدولة مصلحة فيها.
وتبقى مسألة الوضع الصحي لقيس سعيّد، ومدى قدرته على التسيير بشكل منتظم، ومخاطر اتخاذه قرارات خطيرة في أوقات ضعفه أو غضبه، موضوعا يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول مفهوم الدولة ومنطقها، الذي طالما جرى الحديث عنه داخل مؤسسات الدولة. وهي مؤسسات تمكّن بعض الفاعلين داخلها، إبان الثورة، من إنقاذها عبر قرارات حافظت على استمراريتها ووحدتها، خلافا لما حدث في ليبيا بعد ثورة 17 شباط/ فبراير.
أين تقف المؤسسة العسكرية وبقية مؤسسات الدولة مما يجري اليوم؟ وهل لا تزال الدولة تعمل كمنظومة متكاملة؟
يعتري الوضع كثير من الغموض، وشحّ في المعلومات، ولا أتصوّر أن هناك مؤسسة واحدة سعيدة بما يحدث في البلاد.
كيف ترون استقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي ثم التراجع عنها لاحقا؟
إن ما بعد 25 تموز/ يوليو 2021 كشف عن ضعف فاجأ كثيرين كانوا يعتقدون في قوة أحزاب، أو نقابات، أو جمعيات، أو إعلاميين؛ فقد كان يكفي إعلان نهاية فسحة المسار الديمقراطي حتى تنفجر الأزمات الداخلية، بعضها بدافع الخوف من السلطة، وبعضها الآخر بفعل السلطة نفسها أو نتيجة اختراقها لهذه الأجسام.
هل فقد الاتحاد العام التونسي للشغل دوره التاريخي كفاعل وطني أم أن الحديث عن نهايته سابق لأوانه؟
وراء الاتحاد تاريخ طويل، وعدد كبير جدا من المناضلين والمنخرطين فيه، وقد سبق له تاريخيا أن صادم السلطة وواصل المقاومة، كما سبق لقياداته المركزية في بعض المراحل أن خضعت للسلطة، دون أن يمنع ذلك استمرار المقاومة داخل هياكله الأصغر.
اليوم، الاتحاد في وضع ضعف داخلي، والتاريخ سيسجّل مواقف هذا وذاك، لكن من المؤكد أنه لن ينتهي.
ما السيناريوهات المحتملة في تونس خلال المرحلة المقبلة؟
من المؤكد، كما قلت في البداية، أن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التأزم، وإذا لم تقم النخب بدورها في خلق رأي عام يطالب بتغيير سلمي وهادئ على مستوى أعلى السلطة، فإن التغيير ستفرضه طريقة الحكم المتسمة بالعبث، وقد لا يكون هادئا، بحسب تقديري.