قالت المنسقة الطبية في منظمة
أطباء بلا حدود
في
لبنان، الدكتورة لونا حمّاد، إن "الوضع الإنساني في جنوب لبنان، بعد أكثر
من عام على إعلان وقف إطلاق النار، لا يزال بعيدا عن الاستقرار على وقع هجمات
متكررة ونزوح مستمر يعرقلان أي مسار حقيقي نحو التعافي".
وفي مقابلة خاصة مع "عربي21"، أشارت
حمّاد إلى أن "العائلات ما زالت عاجزة عن العودة إلى منازلها أو استعادة
حياتها الطبيعية، وهو ما ينعكس بشكل يومي على طبيعة الخدمات المقدمة وحجمها"،
مؤكدة أن "الهجمات الإسرائيلية المتواصلة لا تدمّر المنازل والبنية التحتية
فحسب، بل تمتد آثارها لتقويض أسس الحياة اليومية".
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت أن "أبرز الاحتياجات التي ترصدها
الفرق الميدانية تتمثل في الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية، والدعم النفسي،
وتأمين الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، فضلا عن توفير المواد الإغاثية للعائلات
التي فقدت منازلها".
ولفتت المنسقة الطبية في منظمة أطباء بلا حدود
في لبنان، إلى أن "استمرار الاعتداءات الإسرائيلية فرض على المنظمة تعزيز
نموذج العيادات المتنقلة لضمان الوصول إلى المرضى أينما كانوا، مع تكثيف خدمات
الصحة النفسية نتيجة التعرّض المتكرر للصدمات".
وشدّدت على أن "العمل الإنساني يمكنه
تخفيف المعاناة وتوفير الرعاية الأساسية، لكنه لا يستطيع بمفرده خلق بيئة آمنة أو
إعادة إعمار ما دُمّر؛ إذ تبقى حماية المدنيين وضمان احترام الاتفاقات مسؤولية
تتجاوز نطاق العمل الإنساني".
ومنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين
الاحتلال
ولبنان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لا تزال الهجمات متواصلة على عدد من المناطق
اللبنانية، مع تركّز مكثّف في جنوب لبنان.
وتشير أرقام قوة الأمم المتحدة المؤقتة في
لبنان (اليونيفيل) إلى تسجيل أكثر من 10 آلاف خرق للاتفاق حتى تشرين الثاني/
نوفمبر 2025، في حين قُتل أكثر من 370 شخصا بنيران إسرائيلية منذ دخوله حيّز
التنفيذ.
وتتسبّب هذه الهجمات في موجات نزوح متكررة، كما
ألحقت أضرارا جسيمة بالبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المنازل والخدمات
الأساسية، وتمنع في الوقت ذاته آلاف السكان من العودة إلى قراهم وإعادة بناء
منازلهم المُدمّرة.
وأدناه نص الحوار الخاص مع "عربي21":
بعد مرور أكثر من عام على إعلان وقف إطلاق
النار، كيف تقيّمون الوضع الإنساني في جنوب لبنان من خلال عمل فرق "أطباء بلا
حدود" العاملة على الأرض؟
من خلال وجودنا الميداني نرى أن الواقع ما زال
بعيدا عن الاستقرار. فرقنا تعمل في بيئة تتكرّر فيها الهجمات الإسرائيلية ويستمر
فيها النزوح، ما يعني أن الاحتياجات الإنسانية لا تتراجع بل تتغير وتتزايد.
العائلات ما زالت غير قادرة على العودة إلى منازلها أو استعادة حياتها الطبيعية،
وهذا ينعكس يوميا على نوع الخدمات التي نقدمها وحجمها؛ فلا تقتصر الهجمات
الإسرائيلية المتواصلة على تدمير المنازل والبنية التحتية فحسب، بل تمتد آثارها
لتقويض أسس الحياة اليومية وإضعاف فرص التعافي؛ فالهجمات الإسرائيلية المتكررة
والنزوح مستمر يعرقلان تماما أي مسار حقيقي نحو التعافي.
ما أبرز الاحتياجات التي ترصدها فرق
"أطباء بلا حدود" لدى السكان في المناطق التي تعملون فيها؟
الاحتياجات الأساسية تشمل الوصول إلى الرعاية
الصحية الأولية، والدعم النفسي، والأدوية للأمراض المزمنة، إضافة إلى المواد
الإغاثية للعائلات التي فقدت منازلها. هناك أيضا حاجة كبيرة لخدمات التوعية
الصحية، لأن النزوح المتكرر يضع الناس في ظروف معيشية صعبة تؤثر مباشرة على صحتهم.
كيف أثّر استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على
طبيعة الخدمات الطبية التي تقدمها "أطباء بلا حدود" في الجنوب؟
استمرار الهجمات الإسرائيلية فرض علينا تعزيز
نموذج العيادات المتنقلة لضمان الوصول إلى المرضى حيثما كانوا، وزيادة التركيز على
خدمات الصحة النفسية نتيجة التعرض المتكرر للصدمات. كما نعمل على الاستجابة
السريعة بعد كل موجة نزوح لتلبية الاحتياجات الطبية الطارئة.
ما نوع خدمات الرعاية الصحية التي توفرونها
حاليا لتلبية هذه الاحتياجات المتزايدة؟
نحن نقدم حزمة متكاملة من خدمات الرعاية الصحية
الأولية تشمل الاستشارات الطبية العامة، وطب الأطفال، والصحة الجنسية والإنجابية،
وخدمات الصحة النفسية، إضافة إلى جلسات التوعية الصحية. هذه الخدمات تُقدّم عبر
المرافق الثابتة والعيادات المتنقلة لضمان الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص.
اظهار أخبار متعلقة
على سبيل المثال، قدّمت فرقنا في محافظة
النبطية جنوبي لبنان، خلال عام 2025 فقط، أكثر من 28 ألف استشارة طبية عامة؛ كان
49 في المئة منها لحالات أمراض مزمنة و51 في المئة لأمراض حادة، فيما شكّلت
الاستشارات المقدّمة للأطفال دون سن الخامسة 3 في المئة. كما قدّمنا نحو 2800
استشارة في مجال الصحة النفسية، إلى جانب تنفيذ ما يزيد على 10,300 جلسة توعية
صحية، وتتواصل هذه الأنشطة خلال عام 2026 رغم القصف الإسرائيلي المستمر في المنطقة.
كما تواصل فرقنا الاستجابة للاحتياجات الطارئة
التي تخلّفها الهجمات المُدمّرة وحالات النزوح، عبر توزيع مواد الإغاثة الأساسية،
بما في ذلك الطرود الغذائية والبطانيات والفرشات وسائر المستلزمات الضرورية، على
العائلات المتضررة التي لم تبلغ بعد مرحلة التعافي التي تمسّ حاجتها إليها، بل
تعيش في واقع أقرب إلى النجاة وسط النيران.
الصحة النفسية عنصر أساسي في استجابتكم، ماذا
تكشف لكم هذه الخدمات عن واقع السكان اليوم؟
خدمات الصحة النفسية تظهر بوضوح حجم الضغط الذي
يعيشه الناس. الخوف المستمر وفقدان المنازل والنزوح المتكرر كلها عوامل تترك آثارا
عميقة، وهو ما نلمسه في زيادة الحاجة إلى الدعم النفسي، سواء للأطفال أو للبالغين.
كيف تُمكّن العيادات المتنقلة "أطباء بلا
حدود" من الوصول إلى الأشخاص المتضررين رغم النزوح والتحديات الأمنية؟
العيادات المتنقلة تمنحنا مرونة كبيرة؛ إذ
نستطيع التحرك بسرعة إلى المناطق التي تشهد نزوحا أو تضررا، وتقديم الخدمات الصحية
الأساسية للسكان الذين لم يعد بإمكانهم الوصول إلى المرافق الطبية.
إلى جانب الرعاية الطبية، ما طبيعة الاستجابة
الطارئة التي تقدمونها للعائلات بعد كل موجة قصف أو نزوح؟
نعمل على توزيع المواد الإغاثية الأساسية مثل
الطرود الغذائية والبطانيات والفرشات والوسائد للعائلات التي فقدت منازلها، وذلك
لمساعدتها على تلبية احتياجاتها الأكثر إلحاحا في الأيام الأولى بعد النزوح.
ما أبرز التحديات التي تواجه فرقكم في
الاستمرار بتقديم الخدمات في بيئة غير مستقرة؟
التحدي الأكبر هو ضمان استمرارية الخدمات في ظل
الوضع الأمني المتقلب، إضافة إلى صعوبة تنقّل السكان والنزوح المتكرر، وهو ما
يتطلب تكييفا مستمرا في طريقة عملنا للحفاظ على الوصول إلى المرضى.
من خلال تجربتكم الميدانية، ماذا يعني
"التعافي" اليوم للسكان؟ وما الذي يمنع تحقيقه؟
التعافي بالنسبة للناس يعني العودة إلى منازلهم
واستئناف حياتهم اليومية والوصول إلى الخدمات الأساسية من دون خوف. استمرار
الهجمات وتضرر البنية التحتية يمنع تحقيق ذلك، ويجعل الاستجابة الإنسانية تركز على
تلبية الاحتياجات الطارئة بدل الانتقال إلى مرحلة التعافي.
في ظل حجم الاحتياجات الكبير، ما الذي يمكن أن
يحققه العمل الإنساني؟ وأين تبدأ مسؤولية الأطراف الأخرى؟
العمل الإنساني يمكنه تخفيف المعاناة وتوفير
الرعاية الصحية الأساسية والدعم النفسي، لكنه لا يستطيع بمفرده خلق بيئة آمنة أو
إعادة إعمار ما دُمّر. حماية المدنيين وضمان احترام الاتفاقات وتهيئة الظروف
للتعافي هي مسؤولية أساسية تتجاوز العمل الإنساني.