بذكرى النكبة.. خبير لـ"عربي21": الاحتلال يدفع نحو تصفية القضية والوجود الفلسطيني

خبير فلسطيني: إسرائيل تعيش “حالة جنون” لتكريس مشروعها الاستيطاني - الأناضول
خبير فلسطيني: إسرائيل تعيش “حالة جنون” لتكريس مشروعها الاستيطاني - الأناضول
شارك الخبر
حلول ذكرى النكبة الفلسطينية في كل عام، يمنح فرصة متجددة لدراسة واقع القضية الفلسطينية التي تمر بأصعب مراحلها التاريخية، وذلك من أجل استشراف مستقبلها في ظل النكبات المتعددة التي يعيشها الشعب الفلسطيني وحالة تردي الدعم العربي والدولي لهذه القضية العادلة.

فمن إبادة غزة وتفاقم الاستيطان وقضم الأرض في الضفة الغربية المحتلة واستمرار حلقات مسلسل تهجير الفلسطيني بأدوات مختلفة بالتوازي مع محاولات تهويد المسجد الأقصى المبارك وفرض سيطرة الاحتلال عليه ومخططات ابتلاع مدينة القدس المحتلة، يتضح أن القضية الفلسطينية تعيش أصعب وأعقد مرحلة مفصلية في تاريخها.

منعطف يحدد مصير القضية

ويعيش الشعب الفلسطيني اليوم ذكرى أليمة على قلبه، وذلك بمرور 78 عاما على نكبة فلسطين التي ما تزال في قبضة العصابات الصهيونية التي اقترفت بحق الشعب الفلسطيني أصعب المجازر؛ قديما وحديثا، حيث هجرت بقوة السلاح نحو 957 ألف مواطن فلسطيني قسرا من قراهم ومدنهم، وهؤلاء أصبحوا لاجئين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة وعدد من الدول العربية، وارتكبت أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين عام النكبة.

وفي قطاع غزة خلال حرب الإبادة التي بدأت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وهي مستمرة، قتل جيش الاحتلال أكثر من 72 ألف و549 فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء، وشرد داخليا نحو مليوني فلسطيني.

وحول واقع ومستقبل قضية فلسطين، قال الخبير بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني، سليمان بشارات: "نحن نمر في منعطف كبير جدا باتجاه تحديد مصير القضية الفلسطينية ومستقبلها، فالأمر لا يرتبط فقط بالقضية بل أيضا بمحيطها وخصوصا في البعدين الإقليمي والدولي، وما نشهده من تصعيد ومن حالة تحول كبرى على أكثر من صعيد، سواء على الحالية الإقليمية أو الدولية، سيكون له تأثير على مستقبل القضية الفلسطينية، سواء بالسلب أو الإيجاب أو كليهما، وهذا يعتمد على طبيعة النتائج التي يمكن أن تتشكل فيما بعد".

وأضاف في حديثه الخاص لـ"عربي21"، أن "فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية قد تكون هذه واحدة من أخطر المراحل التي تمر على تاريخ هذه القضية لعدة أسباب، الأول؛ حالة التفكك الفلسطيني الداخلي، حيث لم يمر المشروع الوطني الفلسطيني بمثل هذا التفكك كما هو عليه الآن، حيث اقترب عمر الانقسام من 20 عاما".

اظهار أخبار متعلقة



ونوه بشارات، أنه "في ظل هذه التحديات الكبرى التي تمر بها القضية لم يستطع الفرقاء السياسيين الفلسطينيين من التوحد خلف مشروع وطني واحد، وهذا واقع خطير جدا وربما هو الأول في تاريخ القضية، لقد عايشنا أكثر من محطات وكانت هناك فجوات وخلافات واختلافات في الرؤى ولم تكن بمثل المعطيات الحالية".

وأما السبب الثاني، وهو "حالة الخطورة المتمثلة على القضية وطبيعة التوجه اليميني المتطرف في دولة الاحتلال، مع التذكير أن إسرائيل لم تكن منذ قيامها رحيمة مع الشعب الفلسطيني، كانت هناك العصابات الصهيونية التي ارتكبت المجازر منذ النكبة وعمليات القتل والإبادة المتواصلة منذ عام 48، ولكن اليوم ما يعزز خطورة اليمين المتطرف في إسرائيل، أنه بات يعمل بشكل واضح وجلي في تصفية القضية الفلسطينية وأيضا تصفية الوجود الفلسطيني".

الاحتلال يمر في حالة جنون

وتابع: "نحن نتحدث في البعدين الجغرافي والديمغرافي السكاني معا، هذا من جانب، ومن جانب آخر، كانت إسرائيل في السابق نوعا ما تخشى الانتقاد الدولي والإقليمي، وبالتالي كان هناك نوع من الكوابح، أما اليوم لم يعد هناك أي كوابح أمام السلوك الإسرائيلي على الأرض، بل العكس، إسرائيل تجاهر بكل ما تقوم به وتحول المشروع الاحتلال الاستيطاني إلى مشروع متجذر في بعده الفكري والأيدلوجي الديني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي، وبالتالي هناك حالة مجنونة في تطبيق المشروع الإسرائيلي".

وذكر الخبير السياسي، أن "البعد الثالث مرتبط بالحالة العربية والإقليمية، ربما هي واحدة من أضعف المراحل التي تمر بها الحالة العربية والإقليمية فيما يتعلق بالدخول في الكثير من الإشكاليات والقضايا التي حرفت البوصلة على القضية الفلسطينية، وحتى في ظل ما كان يطلق عليه ثورات الربيع العربي كان هناك نوعا من الاهتمام بقضيتنا، لكن اليوم القضية الفلسطينية صحيح أنها تفرض نفسها في محطة من المحطات لكنها لم تعد القضية ذات الأولية القصوى لدى الدول العربية".

ولفت إلى "صعود تحديات كبيرة جدا، على سبيل المثال؛ الحرب على إيران أخضعت الدول العربية والإقليمية والعالم أجمع، إلى تحدي موضوع الطاقة والبحث عن سلاسل الإمداد الاقتصادي والغذائي والتجارة الدولية، وبالتالي هناك حالة انشغال في كيفية تجاوز ارتدادات هذه الحرب لأنها باتت تمس كل فرد على مستوى العالم، وهذا يعطي مساحة انشغال عن القضية الفلسطينية".

وأما السبب الرابع، بحسب بشارات "يرتبط بالمؤسسات الدولية؛ مجلس الأمن، الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، كلها تقر بأن السلوك الإسرائيلي هو سلوك احتلالي عدواني بحق الفلسطينيين، لكنها لم تعد ذات الأثر في شكل وطبيعة ما يقوم به الاحتلال".

وتابع: "بمعنى؛ في السابق ينظر لأي جلسة من تلك المؤسسات أو بيان يصدر عنها أن له وزن على أقل تقدير في البعد الإعلامي والسياسي، صحيح أنه قد لا يؤثر بشكل مباشر على السلوك الإسرائيلي على الأرض، لكن كان له مكانة وحضور في العقلية الإسرائيلية وخشية من هذه المواقف، أما اليوم وما بعد حرب الإبادة على غزة وتشكيل "مجلس السلام" الذي أسسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هناك خفوت وتراجع كبير جدا لدور ومكانة وصوت المؤسسات الدولية وأثرها في البعد السياسي".

اظهار أخبار متعلقة



خداع الاحتلال للعالم لن يستمر

ورأى أن "هناك انعطافة خطيرة جدا تجعلنا نخشى على مستقبل القضية الفلسطينية، ولكن في المقابل؛ في نهاية المطاف دائما في المحطات التاريخية؛ من الإمبراطوريات إلى الدول المختلفة، كانت تمر في تحولات بها نكسات وتراجع وتأثيرات سلبية، لكن شكل وطبيعة المخرجات كل محطة من المحطات في الغالب تدفع بإعادة التحول إلى الجانب الإيجابي، بمعنى استفاقة الشعوب والمجتمعات للخطر الحقيقي".

ونبه الخبير الفلسطيني، أن "إسرائيل استطاعت أن تخدع العالم على مدار مل سنوات الاحتلال؛ منذ ما قبل عام 48 وحتى الآن، ولكن هناك حالة انكشاف لما تقوم به دولة الاحتلال من عمليات إبادة وقتل وتهجير، وبالتالي الأصوات التي بدأت تخرج في المجتمعات الغربية والمجتمع الأمريكي المنتقد للاحتلال وسلوكه، يكشف لنا أن الاحتلال ليس في مأمن عن طبيعة التحولات التي يمكن أن تؤثر على مكانة ودعم الاحتلال، وبالتالي القضية الفلسطينية قد يكون لها فسحة أو مكانة في المستقبل بناء على هذه التحولات التي نشهدها".

وفي الجانب الثاني، أكد أن "الشعوب حية ويقظة ويمكن الرهان عليها، على عكس الأنظمة والمستويات السياسية، الشعوب ربما تنشغل في لحظات معينة لكنها سرعان ما تعيد ترتيب الأوليات والقضايا حسب أهميتها، والقضية الفلسطينية وفقا لقراءتنا للتاريخ، كانت تمر بحالات خفوت وتراجع في التأييد والحضور الشعبي العربي والإسلامي والدولي، ولكن سرعان ما تعود مرة أخرى وتصبح ذات أولوية".

وأشار إلى أن "الأهم من ذلك، حالة الزخم التي ترافق القضية وتتصاعد بشكل كبير  جدا على مستوى الدول الغربية والأوروبية، ربما المرة الأولى منذ تاريخ الاحتلال التي يكون فيها وعي مجتمعي غربي أوروبي تجاه القضية الفلسطينية يرافقها حالة احتضان ودعم، بينما هناك حالة انكشاف وانتقاد للاحتلال، وظهرت أصوات تطالب بعدم دعم الاحتلال وهذه مفارقة مهمة"، منوها أنه "رغم كل الحالة السوداوية السلبية التي تمر بها القضية الفلسطينية، لكن قد يكون هناك إمكانية لوجود تحول في شكل وطبيعة الدعم الذي يمكن أن تحظى به القضية في المستقبل".

مطلوب مراجعة حقيقية

وشدد الخبير الفلسطيني على أهمية أن "يدرك الكل الفلسطيني أن التحدي الأكبر تجاه القضية الفلسطينية هو الاحتلال الإسرائيلي، ومهما كانت هناك إشكاليات أو تباينات ومواقف لكن الاحتلال يبقى المسبب الأساس لكل المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وبالتالي من الضروري جدا أن تكون هناك مراجعة حقيقية لطبيعة وشكل ليس فقط لشكل وطبيعة الخطاب السياسي الفلسطيني وإنما المنهجية والبرنامج السياسي بشكل كامل".

وأضاف: "عندما كان يتحدث السياسيون الفلسطينيون عن المشروع الوطني الفلسطيني، هذا باعتقادي هو جوهر القضية الفلسطينية، هناك فقدان لبوصلة هذا المشروع في هذا التوقيت، ونحن بحاجة إلى إعادة تعريف بعضا من المفاهيم المتعلقة بهذا المشروع الوطني وشكل طبيعة احتضان هذا المشروع".

اظهار أخبار متعلقة



وحذر من خطورة "تعويل بعض الأطراف والفرقاء الفلسطينيين والرهان على المواقف غير الواضحة سواء كانت إقليمية أو دولية"، مشددا على وجوب "الاعتماد أولا وأخيرا على الموقف الفلسطيني الذي يشكل دائما البوصلة الأساسية، وإذا ما كنت هذه البوصلة صحيحة وقوية، باقي المواقف ترتبط وتجبر وتكون ضمن النسق الذي تكون عليه البوصلة الوطنية الفلسطينية".

ولفت بشارات، إلى أهمية أن "يكون هناك وعي حقيقي فعلي لكل التحديات التي تجري الآن، الرهان المستمر على عامل الزمن أو بعض التحولات التي يمكن أن تحدث في الداخل الإسرائيلي والأمريكي وتعاقب الحكومات أو علي المستوى الدولي، هذه كلها رهانات خاسرة".

وفي نهاية حديثه لـ"عربي21"، بين أن "الرهان الحقيقي والفعلي بأن يكون هناك موقف فلسطيني ثابت يقول: على الجميع أن يقف مع القضية الفلسطينية ويدعمها، وكل الأطراف الأخرى متهمة بتأييد ودعم الاحتلال ما لم يثبت عكس ذلك، بمعنى؛ الصمت الدولي تجاه جرائم الاحتلال هو دعم للاحتلال وليس حياد، فلا يوجد حياد فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية".

ونبه إلى أن أهمية "الخطاب الوطني والإعلامي والسياسي والمواقف الفلسطينية، التي يجب أن تكون واضحة في كافة هذه الاتجاهات وتأخذ مساراتها بشكل واضح وجلي خصوصا في هذه المرحلة الحساسة".

وحذر مجددا من "الانشغال في القضايا الخلافية والبحث عما سيتولى الحالة الفلسطينية في هذه المرحلة، لأن هذا هدر للمواقف والطاقات الفلسطينية بشكل كبير"، مؤكدا أنه "لا يمكن التعويل على أي مواقف سوى المواقف الفلسطينية بشكلها الأساس".
التعليقات (0)