أكد أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في عمّان الدكتور حسن
المومني، أن الولايات المتحدة الأمريكية ما تزال اللاعب الدولي الأكثر تأثيرا في منطقة الشرق الأوسط، رغم أن أولوياتها الاستراتيجية باتت تتركز بصورة أكبر على الصين وروسيا، مشيرا إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب تنتهج سياسة قائمة على "الضغوط المركبة" والصفقات السياسية، مع الحرص على تجنب الانخراط في حروب طويلة ومفتوحة.
وفي مقابلة خاصة مع "عربي21"، قال المومني إن الحضور الأمريكي في المنطقة تعزز منذ حرب الخليج الثانية، ثم ازداد بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر وغزو العراق، مضيفا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة ربما اختلفت في الأساليب، لكن "الجوهر بقي قائما على حماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط".
وأوضح أن ترامب يختلف عن الرؤساء الأمريكيين التقليديين، باعتباره "رجل أعمال وصانع صفقات جاء من خارج النخبة السياسية"، مضيفا أن ولايته الثانية جاءت في ظروف مختلفة عن ولايته الأولى، لكنه لا يبتعد كثيرا عن الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية التقليدية.
وقال: "ترامب جاء هذه المرة على أساس أنه صانع سلام، ولا يريد التورط في تدخلات عسكرية واسعة، لكنه في المقابل يركز على الصفقات الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه تبنى سياسة أكثر صقورية تجاه
إيران".
وأضاف أن إدارة ترامب عززت علاقاتها مع عدد من الدول الخليجية، وأبرمت اتفاقيات دفاعية مع السعودية وقطر والبحرين والأردن، مشيرا إلى أن الأولوية الحالية لواشنطن تتمثل في "كيفية إنهاء المواجهة مع إيران، ودفعها نحو اتفاق ينهي برنامجها النووي والصاروخي".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح المومني أن الولايات المتحدة تنظر إلى إيران باعتبارها "عنصرا مزعزعا للاستقرار في المنطقة"، مشيرا إلى أن النفوذ الإيراني حاضر في ملفات لبنان والعراق واليمن وسوريا، عبر ما وصفها بـ"الأذرع والوكلاء".
وأكد أن ترامب لا يريد الانخراط في حرب شاملة مع إيران، خاصة في ظل وجود تيار داخل قاعدته السياسية يرفض الحروب الخارجية، قائلا: "داخل تيار ماغا هناك من يعتبر أن الحرب مع إيران ليست حرب أمريكا، وأن واشنطن يجب ألا تتورط فيها".
وأضاف أن ترامب يعتمد حاليا على أدوات متعددة تشمل الضغوط الاقتصادية والعقوبات والحصار البحري والتحركات الدبلوماسية، مع الإبقاء على خيار الضربات العسكرية المحدودة، موضحا أن "واشنطن لا تزال مترددة في التورط العسكري الأوسع".
وأشار إلى أن إيران، رغم الضربات التي تعرضت لها، ما تزال تراهن على عامل الوقت والصمود، قائلا: "إيران توظف الجغرافيا ومضيق هرمز، وتراهن على الأزمة الاقتصادية العالمية، كما تعتبر أن مجرد صمودها يمثل انتصارا".
وأوضح أن الوقت لا يصب في مصلحة أي من الطرفين، لأن استمرار الحرب يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية على ترامب، وفي المقابل يزيد من الضغوط الداخلية على إيران التي تحتاج إلى تخفيف العقوبات وإعادة ترميم اقتصادها.
وقال المومني إن الأزمة الحالية تعكس "صراع إرادات" بين واشنطن وطهران، مضيفا أن كلا الطرفين دخل المفاوضات وهو يتصرف باعتباره المنتصر، وهو ما يعقد فرص التوصل إلى اتفاق سريع.
وأضاف: "البرنامج النووي بالنسبة لإيران بات جزءا من السيادة والسردية الوطنية، والنظام الإيراني لا يستطيع تقديم تنازلات كبيرة دون أن ينعكس ذلك على شرعيته الداخلية".
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقا عسكريا ساحقا، لكنها تدرك أن أي تصعيد واسع قد يقود إلى سيناريوهات خطيرة، من بينها انهيار الدولة الإيرانية أو انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة.
وفي حديثه عن
الاحتلال الإسرائيلي، قال المومني إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو يتبنى رؤية قائمة على فرض الأمر الواقع، ويعتبر أن الظروف الحالية تشكل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف أن نتنياهو يسعى إلى استثمار التفوق العسكري الإسرائيلي لفرض وقائع جديدة في المنطقة، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا، مشيرا إلى أن "إسرائيل تعتقد أن البيئة الاستراتيجية الحالية تخدم مشروعها التوسعي".
وأوضح أن الدول العربية باتت تشعر بتهديد مزدوج، من إيران ومن السياسات الإسرائيلية في آن واحد، قائلا: "المنطقة تعيش حالة ما يمكن تسميته بثنائية البعبع الإيراني والإسرائيلي".
وأشار إلى أن الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية الأخيرة دفعت عددا من الدول العربية إلى التحرك دبلوماسيا لاحتواء التصعيد، خاصة من جانب السعودية ومصر والأردن ودول الخليج.
وقال إن المنطقة بدأت تشهد ملامح تحالفات جديدة، لافتا إلى وجود تنسيق متزايد بين دول مثل السعودية وتركيا ومصر وباكستان، في إطار البحث عن توازنات إقليمية جديدة.
وأكد المومني أن الشراكة الأمنية بين دول الخليج والولايات المتحدة ستبقى قائمة على المدى القصير والمتوسط، نظرا إلى استمرار المخاوف الخليجية من إيران، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود توجه عربي نحو تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على الصين وروسيا.
وأضاف: "الحرب على إيران كانت كاشفة، وأظهرت الحاجة إلى تفكير عربي أكثر تقدما في مسألة الأمن القومي، وربما نشهد بعد الحرب خطوات عملية في هذا الاتجاه".
وحذر من أن غياب التوافق الإقليمي سيبقي المنطقة في حالة نزاع دائم، مؤكدا أن القوة العسكرية وحدها لن تكون قادرة على حسم الصراعات.
وفي تقييمه لمستقبل المنطقة، قال المومني إنه لا يبدو متفائلا على المدى القصير، مضيفا أن "إسرائيل ستبقى مشكلة حقيقية في المنطقة، ولا أتوقع تغييرا في سياستها، بل ربما مزيدا من التوجه نحو اليمين والتطرف".
وأوضح أن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران قد ينعكس إيجابا على استقرار المنطقة، لكنه حذر من أن استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" سيعني بقاء الشرق الأوسط مفتوحا على مزيد من التوترات.
وأضاف أن القضية الفلسطينية تشهد تعقيدا غير مسبوق، مشيرا إلى أن "حل الدولتين يكاد يكون قد انتهى"، في ظل استمرار السياسات الإسرائيلية التوسعية وغياب أي ضغط دولي حقيقي على الاحتلال.
وختم المومني حديثه بالتأكيد على أن المنطقة بحاجة إلى "حالة من العقلانية والتوازن"، تقوم على المصالح المشتركة، بعيدا عن مشاريع الهيمنة والنفوذ، محذرا من أن استمرار الصراعات الحالية سيقود إلى مزيد من الحروب وعدم الاستقرار.