قال عضو البرلمان
اللبناني عن
حزب الله، رائد برو، إن "
المفاوضات المباشرة بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، التي تعقد برعاية أمريكية، لا تملك أي أمل بالنجاح على الإطلاق، وحتما ستفشل فشلا ذريعا"، مؤكدا أن "المطلوب من لبنان هو الإذعان للشروط الإسرائيلية".
وأضاف، في مقابلة مع "
عربي21": "الدولة اللبنانية أوقعت نفسها في حرج كبير؛ فهي تقدمت سريعا في مسار التفاوض مع
الاحتلال تحت الضغط، وهي تخشى اليوم العودة عنه خوفا من استمرار الضغوط أيضا، ونحن نأمل من الدولة أن تعود وتصغي إلى الأصوات الوطنية لكي تتضافر كل الجهود ونبحث عن آليات عمل تقوم على الدبلوماسية، إلى جانب استثمار نقاط قوة المقاومة من خلال التفاوض غير المباشر".
وأشار برو إلى أن وزراء "الثنائي الشيعي" ("حزب الله" و"حركة أمل") لا يفكرون حاليا في الاستقالة من الحكومة اللبنانية، وقال: "وزراؤنا يحضرون جلسات مجلس الوزراء، ويشاركون في النقاشات، ويقدمون وجهات نظرهم في القضايا السياسية، كما يقومون بمهامهم على رأس الوزارات التي يتولونها؛ فموضوع الاستقالة غير مطروح في الوقت الراهن".
وانتهت يوم الجمعة الماضي٬ الجلسة الثالثة من المفاوضات بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي التي انعقدت على مستوى السفراء في واشنطن، بالاتفاق على تمديد فترة وقف إطلاق النار لمدة 45 يوما اعتبارا من 17 أيار/ مايو الجاري، واستئناف المفاوضات خلال الأسابيع القادمة.
وكان الجانبان اللبناني والإسرائيلي عقدا جولتي محادثات في العاصمة الأمريكية واشنطن يومي 14 و23 نيسان/ أبريل، تمهيدا لـ "مفاوضات سلام".
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 17 نيسان/ أبريل الماضي، يواصل الاحتلال بوتيرة متصاعدة هجماتها على لبنان، عبر قصف وتدمير بشكل يومي يسفر عن سقوط قتلى وجرحى، في ظل صمت أمريكي، باعتبار واشنطن راعي التفاوض بين تل أبيب وبيروت.
وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
كيف تقيم المشهد العام في لبنان اليوم في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي؟
هناك مشهدان في لبنان: مشهد له علاقة بالميدان والاعتداءات الإسرائيلية، وهذا المشهد يؤكد أن الإسرائيلي ما زال مستمرا بعدوانه الغاشم بمعزل عن أي مسارات تفاوضية، وهذا يُعد شاهدا إضافيا على نيته الإجرامية الدائمة والمستمرة، وهذا المشهد يقابله في الميدان نفسه مشهد للمقاومة التي تكبّد العدو الإسرائيلي الكثير من الخسائر، وأهم هذه الخسائر هي ضرب روح القتال الإسرائيلية لدى الجندي الإسرائيلي؛ فالطائرات المسيّرة الصغيرة الحجم، رغم صغرها، فإن فعاليتها كبيرة، وهي تؤثر بطريقة مهمة وأساسية على روح القتال لدى العدو الإسرائيلي، كما تشكل خطوط دفاع أساسية تمنعه من التقدم بالطريقة التي كان يتقدم فيها سابقا، خاصة على الحدود لمسافة 8 كيلومترات.
في المقابل، نرى مشهدا آخر في واشنطن له علاقة بالتفاوض المباشر للبنان، وهو ما كنا قد حذرنا منه ولفتنا النظر إليه؛ فكل الاعتراضات التي أشرنا إليها سابقا على موضوع التفاوض من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فهي تؤكد أن لبنان ذهب إلى طاولة المفاوضات وهو خالي الوفاض، دون أي نقطة قوة، والأيام القادمة سوف تثبت ذلك للجميع.
مؤخرا حدثت جولة مباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي، تحت ما يسمى بالرعاية الأمريكية، والمؤشرات لا تؤكد إلا ما كنا نحذر منه، وهو أن العدو الإسرائيلي لن يقدم شيئا للبنان؛ فالعدو الإسرائيلي يريد شيئا واحدا من لبنان، وهو نزع أوراق قوته، أي المقاومة، دون أن يقدم أي شيء في المقابل، وبعدها يتحدث عن كيفية الانسحاب أو وقف الاعتداءات.
وعند العودة إلى الميدان، نرى بأن عدد الشهداء يتزايد، ونرى عمليات تجريف التربة وتهديم البيوت. وفي مرحلة وقف إطلاق النار، ما يحصل في بعض القرى أكبر بكثير مما كان يحصل خلال مرحلة الحرب، لأن العدو الإسرائيلي خلال الحرب كان مردوعا بصواريخ المقاومة ونيرانها، أما بعد مرحلة وقف إطلاق النار؛ فالجرافات تتصرف بحرية كاملة.
العدو الإسرائيلي يجرف التربة والطرقات، ويعبث بالبنى التحتية اللبنانية، وهو حاليا يوهم العالم بأنه ينفذ وقف إطلاق النار، وهذا وهم كبير، لأن وقف إطلاق النار هش، وكل ما هنالك هو خفض للتصعيد في بعض الساحات، تماشيا مع خفض التصعيد في الإقليم، وإفساحا في المجال لساحة باكستان لتفعل ما تريد.
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أعلن عن خطط إسرائيلية تهدف إلى تشجيع الاستيطان في لبنان.. ما تعقيبكم؟
هذا الأمر بالنسبة لنا شبه مستحيل٬ نحن شعب تعود أن يدافع عن أرضه حتى بالزيت المغلي في السابق، رغم الظروف والإمكانات المتواضعة حينها. فكيف اليوم، وروح القتال حاضرة، وهناك جيل شاب يملك من التقنيات والعلوم العصرية ما يكفي لمواجهة هذا العدو، إضافة إلى فهمه للجغرافيا.
وبالتالي، عندما نتحدث عن الاستيطان، فنحن نتحدث عن النوايا، أما إمكانية تطبيق هذا الأمر أو تنفيذه، فهي بمثابة أحلام واهية، لأنه طالما هناك مقاومة، وطالما هناك شعب حي، فهذا يعني أن الأرض سوف تبقى لأهلها.
ما تقييمكم لأداء الدولة اللبنانية على المستوى الدبلوماسي منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير؟
نحن نعتبر أن إسرائيل تدخل عملية التفاوض وهي تتمسك بمطلب واحد أساسي، فيما يطرح لبنان ما لا يقل عن خمسة مطالب. لكن للأسف فإن الدولة اللبنانية، وقبل الذهاب إلى طاولة المفاوضات، وتحديدا في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 2 آذار/ مارس الماضي، فرطت بعناصر القوة التي كانت تمتلكها، وقدمت لإسرائيل ما تريده قبل بدء التفاوض، في حين كان يفترض بلبنان الرسمي أن يستثمر في عناصر قوة المقاومة وإمكاناتها.
بطبيعة الحال فإن أي عاقل وصاحب مصلحة وطنية، حتى وإن اختلف مع بعض الظروف الإقليمية أو الداخلية، أو مع بعض موازين القوة المحيطة، عليه أن يوظف هذه العناصر لصالح لبنان؛ فالموقف الرسمي اللبناني يجب أن يكون متفاعلا مع نتائج الميدان، ومع عناصر القوة التي تمتلكها المقاومة، كما يجب أن يستفيد من عناصر القوة الموجودة في الإقليم.
علينا أن نحسن توظيف كل الإمكانات المتاحة؛ فإذا كان مضيق هرمز يشكل ورقة قوة للبنان فمن الطبيعي أن نتمسك بها. وإذا كانت دول مثل باكستان أو السعودية أو قطر أو مصر، إلى جانب دول صديقة وحريصة على لبنان، تمتلك علاقات أو أدوات ضغط وتأثير يمكن أن تصب في مصلحة لبنان، فمن الواجب على الدولة اللبنانية أن تنخرط في هذه المسارات وأن تستفيد منها، لأن لبنان يواجه إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكمة تقتضي ألا يترك لبنان نفسه وحيدا في المواجهة، بل أن يعمل على توظيف كل عناصر القوة المتاحة. لذلك، فإن المصلحة الوطنية تفرض على الدولة اللبنانية التوقف عن تقديم التنازلات المجانية، سواء في الشكل أو في المضمون، والعمل بدلا من ذلك على استثمار عناصر قوة لبنان والمقاومة.
كما أننا نرفض الرواية التي تقول إن المقاومة أخذت لبنان إلى المجهول أو أدخلته في حرب لا علاقة له بها، لأن هذا الكلام غير دقيق؛ فالصراع مع العدو الإسرائيلي قائم منذ عام 1948، ولا يزال الاحتلال قائما حتى اليوم، كما أن نقاط النزاع مع إسرائيل لم تحل بعد، ما يعني أن حالة العداء لم تتوقف في أي مرحلة.
وبالتالي، فإن هذه الجبهة لم تفتح انطلاقا من استحداث مواجهة جديدة، بل في سياق صراع مستمر، تؤكده الاعتداءات المتواصلة، والاستطلاعات الجوية اليومية، وحجم الخسائر البشرية التي بلغت نحو 500 شهيد خلال سنة وخمسة أشهر.
لقد حاولت دول العالم ممارسة الضغوط على إسرائيل، لكن في تلك المرحلة لم يكن أمامنا سوى خيار المقاومة. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو أن تتكاتف الجهود اللبنانية في مواجهة هذا العدو، بالتوازي مع رفع مستوى الضغط السياسي على الوسيط الأمريكي، وإفهامه، بالحد الأدنى، أنه لا يتصرف كوسيط محايد، بل كطرف منحاز إلى إسرائيل؛ فالولايات المتحدة، تاريخيا لم تُخفِ انحيازها لإسرائيل، وكانت دائما تتعامل مع هذا الملف من موقع الدعم الكامل لها.
لذلك، من الطبيعي أن يعمل لبنان أيضا على تجميع شبكة داعميه وحلفائه، كما تفعل إسرائيل تماما؛ فإيران، وباكستان، والسعودية، ومصر، ودول الخليج، كلها دول يمكن أن تشكل عناصر دعم للبنان ضمن توازنات المنطقة، وهذا الطرح ينسجم مع منطق المصالح الوطنية والحسابات الواقعية.
ما فرص نجاح المفاوضات الجارية حاليا بين لبنان وإسرائيل؟
لا أعتقد بأن هناك فرص نجاح، لأن المطلوب من لبنان هو الإذعان للشروط الإسرائيلية، ولبنان يعتقد بأن إسرائيل سوف تعطيه، لكنها لن تعطيه أي شيء قبل أن يتنازل عن أمر يتعلق بالمقاومة، وهذا ليس بالأمر السهل.
ثانيا، يراهن لبنان على أن المفاوض الأمريكي سوف يضغط على إسرائيل، وهذا لن يحدث، ولم يحدث منذ خمسين عاما.
وبالتالي، هناك أمران أساسيان: أولا، لن يستطيع لبنان أن يتنازل فعليا عن نقطة قوته، حتى وإن قدم بعض التنازلات على المستوى الرسمي والقرارات. وثانيا، لن يستطيع أن يقنع الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل. لذلك فإن هذه المفاوضات لا تملك أي أمل بالنجاح على الإطلاق، وحتما ستفشل فشلا ذريعا.
لكن إذا توصلت الحكومة اللبنانية إلى اتفاق يشمل انسحاب إسرائيل مقابل نزع سلاح حزب الله.. هل ستلتزمون بهذا الاتفاق أم لا؟
الأساس هو أن تنسحب إسرائيل وتطبق التزاماتها وترفع اعتداءاتها على لبنان، ومن ثم يكون هناك نقاش داخلي. نحن في لبنان منفتحون، وقد قلنا سابقا ونكرر اليوم، إننا منفتحون على أي استراتيجية دفاعية. نحن لسنا ضعفاء، ولا نتنكر للتاريخ الذي يتحدث عن الشعوب التي تخلت عن نقاط قوتها وتركت نفسها في العراء.
وبالتالي، قبل أن يناقش لبنان كيف سيدافع عن نفسه لاحقا، كدولة وليس كمقاومة، لا نستطيع أن نقارب أي ملف آخر؛ فالسلاح هو نتيجة فراغ الدولة، ونتيجة الاحتلال الإسرائيلي، ونتيجة غياب المظلة الدولية القادرة على إلزام العدو الإسرائيلي.
كما أن السلاح أمر نصت عليه المواثيق الدولية، ونص عليه القانون اللبناني والبيانات الوزارية، وهناك أيضا عيد رسمي للمقاومة والتحرير في لبنان، وهذا الأمر كان برعاية جميع الحكومات ورؤساء الجمهورية وتحت إشراف البرلمان اللبناني.
وبالتالي، فإن هذا الخيار يمثل ويعبر عن شريحة كبيرة من اللبنانيين، ومن الخطأ جدا أن ننفذ لإسرائيل ما تريده من خلال نزع السلاح. موضوع السلاح هو شأن داخلي، ونحن مع فرض الدولة لسيادتها، وهذا هو الأصل، ولكن على قاعدة أن تكون الدولة قادرة على حماية نفسها وشعبها وأرضها.
هل تعتقد أن الحكومة اللبنانية ستمضي قدما في مسار المفاوضات مهما كانت النتائج والآثار المترتبة على ذلك أم أنها ربما تنسحب من المفاوضات المباشرة مع الاحتلال؟
الدولة اللبنانية أوقعت نفسها في حرج كبير؛ فهي تقدمت سريعا في هذا المسار تحت الضغط، وهي تخشى اليوم العودة عنه خوفا من استمرار الضغوط أيضا. وبالتالي، فإن الحكومة اللبنانية هي التي وضعت نفسها في هذا المأزق.
لكننا نأمل من الدولة أن تعود وتصغي إلى الأصوات الوطنية في لبنان، لكي تتضافر كل الجهود ونبحث عن آليات عمل تقوم على الدبلوماسية، إلى جانب استثمار نقاط قوة المقاومة من خلال التفاوض غير المباشر، ومن خلال توظيف عناصر القوة الموجودة في الإقليم.
هل قد يفكر وزراء "الثنائي الشيعي" في الاستقالة من الحكومة اللبنانية قريبا؟
حاليا هذا الموضوع غير مطروح. وزراؤنا يحضرون جلسات مجلس الوزراء، ويشاركون في النقاشات، ويقدمون وجهات نظرهم في القضايا السياسية، كما يقومون بمهامهم على رأس الوزارات التي يتولونها. وبالتالي، فإن الأمور تسير داخل مجلس الوزراء وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية وتسيير شؤون الناس.
أما التواصل مع رئيس الحكومة، فهو قائم من خلال الوزراء الذين يمثلون "الثنائي الوطني"، أي حزب الله وحركة أمل، وبالتالي فإن موضوع الاستقالة غير مطروح في الوقت الراهن.