قال مستشار رئيس الوزراء
العراقي، الدكتور عائد الهلالي، إن ما يُثار حول "الوجود الإسرائيلي في العراق" ليس جديدا، مرجحا أن "أي تحركات من هذا النوع كانت تتم ـ في مراحل سابقة ـ تحت المظلة الأمريكية، ولا يمكن أن تظهر بشكل مباشر أو معلن داخل الأراضي العراقية".
وأضاف الهلالي، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن ما جرى في
الصحراء الغربية لا يرقى إلى مستوى "قاعدة عسكرية متكاملة"، بل يرتبط ـ بحسب وصفه ـ بعمليات إنزال محدودة ومؤقتة استخدمت لأغراض جمع المعلومات أو المراقبة، سواء للصواريخ أو المسيّرات في الإقليم.
وأوضح مستشار رئيس الوزراء العراقي، أن "طبيعة الصحراء الغربية المعقدة، التي تشكل أكثر من 55% من مساحة العراق، تجعلها بيئة صعبة أمنيا وجغرافيا، ما يحد من إمكانية السيطرة الكاملة عليها".
وأضاف: "الولايات المتحدة يُفترض أنها الجهة المسؤولة عن حماية أمن العراق على اعتبار أن لدينا شراكة واتفاقيات استراتيجية مع واشنطن، وهذه الاتفاقيات لم تُفعّل بالشكل المطلوب من قِبل الجانب الأمريكي" مؤكدا أن "القوات العراقية موجودة الآن في الصحراء الغربية بشكل كامل، وتجوب الصحراء ليلا ونهارا، وتم إبلاغ الجانب الأمريكي بالتقارير الأخيرة، وقدّمنا شكوى إلى مجلس الأمن، ونسعى لتفعيل المسارات الدبلوماسية بشأن ما جرى".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أن "العراق بدأ فعليا بعملية شراء منظومات دفاع جوي من تركيا وكوريا الجنوبية، وكان من المفترض أيضا أن نحصل على طائرات من فرنسا، وهذه الملفات تعمل عليها الدولة العراقية حاليا من أجل بناء وترصين منظومتها الأمنية".
الهلالي حذّر من أن استمرار التوتر الإقليمي بين واشنطن وطهران يضع العراق في موقع هش، مُشددا على "ضرورة تبني سياسة المنطقة الرمادية وعدم الانحياز لأي محور، حفاظا على الاستقرار الداخلي ومنع تحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية".
والسبت، قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، نقلا عن مصادر لم تسمها، إن إسرائيل أقامت موقعا عسكريا سريا في صحراء العراق لدعم هجماتها ضد إيران، بعلم من الولايات المتحدة.
الصحيفة نسبت إلى وسائل إعلام عراقية قولها إن راعي غنم أبلغ في أوائل آذار/ مارس الماضي عن رؤيته أنشطة عسكرية غير معتادة في المنطقة، بينها تحليق مروحيات، وأن الجيش العراقي أرسل قوة إلى المنطقة للتحقق من الوضع.
وأردفت أن القوات الإسرائيلية شنت غارات جوية أبقت القوة العراقية بعيدة عن الموقع.
فيما لم يصدر تعليق من الولايات المتحدة أو إسرائيل بخصوص ما أوردته "وول ستريت جورنال".
وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
ما حقيقة وجود "قاعدة عسكرية إسرائيلية" في الصحراء الغربية العراقية؟
بكل تأكيد، حصل حديث كبير جدا خلال الأيام الماضية عن تواجد قاعدة عسكرية، وهذه القاعدة، بحسب ما سُرّب، إنها قاعدة إسرائيلية، لكن الموضوع ليس بالأمر الجديد. أعتقد أن هذا الموضوع قديم، وحصل في شهر آذار/ مارس الماضي، وحينها صدرت توجيهات من القيادة العامة للقوات المسلحة، وذهبت القوات إلى هذه المنطقة وقامت بمعالجة الأمر.
إننا نتحدث عن صحراء كبيرة جدا، تتجاوز مساحتها 55% من مساحة العراق، وهذه المساحة معقدة جغرافيا، حيث تتشكل طبوغرافية المنطقة من هضاب وكهوف ووديان وتضاريس متنوعة، فضلا عن الصخور الكلسية والرمال، وعملية السكن في هذه المنطقة صعبة جدا، وكذلك عملية إمساكها أمنيا.
نعم، كانت هناك، في زمن الحكومة السابقة قبل عام 2003، بعض القواعد الجوية في هذه المنطقة، ونتحدث هنا عن قاعدة الوليد وغيرها من القواعد التي كانت منتشرة في غرب العراق لمراقبة ما يجري في تلك المناطق. لكن بعد الاحتلال الأمريكي، حصلت مشكلة كبيرة عقب تفكيك الجيش العراقي وفقدانه السيطرة على هذه المنطقة الواسعة، وبالتالي تمكنت عصابات "داعش" من الدخول إلى الكثير من المناطق العراقية عبر هذه المنطقة، باعتبارها منطقة رخوة وغير ممسوكة أمنيا.
ما حصل بعد ذلك أن الحكومة العراقية عملت على تدعيم هذه المنطقة أمنيا من خلال نشر المفارز والكتائب والمعسكرات والقوات، إضافة إلى قوات الحدود التي بدأت الآن بالانتشار بشكل قوي جدا على الحدود العراقية ـ السورية، وكذلك إنشاء الجدار الأمني. وهناك أيضا جهود استثنائية من قِبل المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية ودولة الكويت؛ إذ تسهم جميعها بشكل كبير جدا، لأننا نتحدث عن منطقة شاسعة تمتد من غرب الموصل، أي من الحدود المشتركة بين تركيا وسوريا والعراق، وصولا إلى الحدود السعودية، وبالتالي فالمسافة شاسعة وكبيرة جدا.
هذه المنطقة تم اختراقها سابقا أكثر من مرة، لكن ليس على شكل قاعدة عسكرية متكاملة، بل كانت مجرد عمليات إنزال محددة ولفترات زمنية محددة؛ لأن الحديث عن قاعدة عسكرية يعني الحديث عن إمكانيات لوجستية كبيرة جدا، ومعسكرات لإيواء الجنود، ومرابض للطائرات، وعلى أقل تقدير مهبط للطائرات المروحية، أو ربما مدرج للطائرات.
وبالتالي، ما حصل هو عملية إنزال ووجود مؤقت، وأنا أقرأ هذا الوجود باتجاهين: إما أن يكون نقطة ارتكاز لجمع المعلومات أو للإنذار المبكر للصواريخ التي تنطلق من إيران باتجاه إسرائيل أو باتجاه قواعد أخرى، وكذلك لرصد المسيّرات، أو أن الهدف منه أيضا مراقبة الصواريخ والمسيّرات التي تطلقها الفصائل، سواء باتجاه القواعد الأمريكية أو إسرائيل.
اظهار أخبار متعلقة
الأمر الآخر الذي يجب أن نحيط به علما، أن الولايات المتحدة الأمريكية يُفترض أنها الجهة المسؤولة عن حماية أمن العراق. وأنا، خلال زيارتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع دولة رئيس الوزراء، تحدثت مع الجميع - خلال اجتماع كبير جدا عُقد هناك – بشكل صريح جدا، وشكّل كلامي صدمة للأمريكيين والحاضرين؛ فقد قلت إن الولايات المتحدة هي التي تمنع العراق من اقتناء منظومات دفاع جوي متطورة، وبالتالي أصبحت الأجواء العراقية مُستباحة، وأبلغت رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في ذلك الوقت، بضرورة التحدث مع الرئيس الأمريكي آنذاك، جو بايدن، حول هذا الموضوع تحديدا، وقد أكد لي أنه ناقش هذا الملف مع الرئيس الأمريكي.
ولدينا أيضا مشكلة أخرى، وهي أن العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا أثرت بشكل كبير جدا على القوة الجوية العراقية، وقد تحدثت عن هذا الأمر أيضا، وقلت إن هناك أعدادا كبيرة من الطائرات ثابتة الجناح والمتحركة أصبحت خارج الخدمة بسبب نقص قطع الغيار والدعم الفني، وهذه أيضا مشكلة تؤثر على عملية تأمين هذه المنطقة الواسعة.
الصحراء الكبيرة تحتاج إلى جهود استثنائية، وعمل كبير، وطيران مسيّر مستمر يربط الليل بالنهار، كما تحتاج إلى تواجد عسكري دائم. وهناك مناطق يستحيل الاستقرار فيها، لأن طبيعتها عبارة عن رمال متحركة تتغير تضاريسها بين لحظة وأخرى، وقد تتشكل معالم جديدة خلال ساعات فقط. لذلك فإن عملية التواجد العسكري في هذه المناطق تحتاج إلى جهد هائل، فضلا عن تقنيات مراقبة وتصوير وكاميرات متطورة جدا.
والقوات العراقية موجودة الآن في تلك المنطقة بشكل كامل، وتجوب الصحراء ليلا ونهارا. كما تم إبلاغ الجانب الأمريكي، وتقديم شكوى إلى مجلس الأمن، وتفعيل المسارات الدبلوماسية، لأن الولايات المتحدة الأمريكية والحلف الدولي يتحملان المسؤولية، وبالتالي فإن الجهة المُدانة في هذا الموضوع ليست العراق، باعتبار أن لدينا شراكة واتفاقيات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الاتفاقيات لم تُفعّل بالشكل المطلوب من قِبل الجانب الأمريكي.
وعندما ذهبنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أبلغنا الجانب الأمريكي بهذا الأمر، وأكدوا أنهم سيفعّلون الاتفاقية، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن. لذلك بدأنا فعليا بعملية شراء منظومات دفاع جوي من تركيا وكوريا الجنوبية، وكان من المفترض أيضا أن نحصل على طائرات من فرنسا، وهذه الملفات تعمل عليها الدولة العراقية حاليا من أجل بناء وترصين منظومتها الأمنية.
وللعلم، مثل هذا الموضوع حصل أيضا في زمن النظام السابق؛ إذ جرى حينها إنزال لقوات إسرائيلية حاولت السيطرة على الكيبل الضوئي وسرقة المعلومات والاتصالات، لكن تلك العملية تمت معالجتها في حينها وانتهى الأمر.
هل تواصلتم مع الجانب الأمريكي بشأن هذه التقارير الخاصة بإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية سريّة خاصة أنه قيل إن تلك القاعدة أُنشئت بعلم الولايات المتحدة؟
المشكلة اليوم أننا نتحدث عن قاعدة، وحتى وإن كانت موجودة وتمت مشاهدتها من قِبل الأجانب أو القوات الأمنية العراقية، فمن المؤكد أنها تأخذ غطاءً أمريكيا، ولا يمكن أن تدخل إلى العراق بصفتها قاعدة إسرائيلية بشكل مباشر. وعلى هذا الأساس، كانت القواعد منتشرة في غرب العراق من قِبل الأمريكيين، لكنها بدأت تتقلص تدريجيا.
في فترة من الفترات، وصل عدد القواعد الأمريكية في العراق إلى أعداد كبيرة جدا، لكنها تقلصت بشكل واضح، خصوصا بعد الاتفاق الأخير الذي أُبرم بين الحكومة العراقية، برئاسة محمد شياع السوداني، والولايات المتحدة الأمريكية، بشأن خروج القوات الأمريكية من العراق نهائيا.
وأعتقد أن خروج القوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد، بعد إخلائها من قِبل القوات الأمريكية، ربما هو ما دفع القوات الإسرائيلية، أو أي قوات أخرى، إلى محاولة التواجد داخل الأراضي العراقية، لأنها فقدت موقعا متقدما، وربما كانت القوات الإسرائيلية موجودة أصلا داخل قاعدة عين الأسد تحت الغطاء أو المظلة الأمريكية، من دون أن يكون لدينا علم مباشر بذلك.
اظهار أخبار متعلقة
والحكومة فعّلت الجانب الدبلوماسي، وتحدثت ووجهت رسائل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل توضيح الأمر، وهناك بالفعل إجراءات بدأت الحكومة العراقية بالشروع بها.
العراق أعلن مؤخرا عن إطلاق عملية "فرض السيادة" في صحراء النجف وكربلاء.. ما أبعاد هذه العملية؟
هذه العملية جاءت كرد فعل على ما أثير مؤخرا من أجل تطمين الشارع العراقي، وأيضا لإرسال رسالة مفادها أن الدولة العراقية متواجدة على الأرض، وعملية فرض السيادة والسيطرة تحتاج إلى إمكانيات هائلة، وتحتاج إلى جيش كامل، وربما لو أردنا نشر قوات كافية في هذه المناطق فنحن نتحدث عن ما لا يقل عن 500 ألف عنصر، وربما حتى هذا الرقم غير كافٍ، لأننا نتحدث عن صحراء شاسعة للغاية.
لذلك، نحن بحاجة إلى آليات وتقنيات متطورة، لأنها الوسيلة الوحيدة القادرة على فرض الهيمنة والسيطرة على هذه المنطقة.
هناك مخاوف من تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.. هل هذا وارد أو محتمل؟
أنا حقيقةً قلق جدا، وقد نصل بالفعل إلى ما تحدثت عنه، وربما نشهد شيئا من الفوضى؛ لأن حكومة السيد علي
الزيدي ربما لن تكون قادرة على ضبط إيقاع العملية السياسية داخل العراق. هناك الآن ضيوف إيرانيون موجودون، وفي المقابل هناك أيضا ضيوف أمريكيون، وهناك حالة شد وجذب بين الولايات المتحدة وإيران حول تقاسم النفوذ داخل العراق.
وإذا ذهب السيد الزيدي باتجاه الولايات المتحدة فعليه أن يعلم أنه سيكون في خطر كبير جدا، لأن هناك جهات سياسية مدعومة من الجانب الإيراني؛ فالأمر ليس مخفيا، سواء كانت أحزابا أو فصائل، وهذه الجهات امتنعت حتى عن الانضمام إلى الكتل السياسية التي أيدت ترشيحه، بل انتقدت ترشيحه بشكل كبير.
وهذه الجهات لن تقبل بأن تكون هناك عملية عزل أو إقصاء للفصائل والأحزاب السياسية ذات الأجنحة العسكرية من الحكومة، وإذا جرى إخراجها من المشهد، فمن الممكن أن تتسبب بمشكلة كبرى جدا للسيد الزيدي، وأبسط ما يمكن أن تقوم به هو النزول إلى الشارع وتحريض الجماهير، وبالتالي تعطيل وشل الحياة العامة.
وفي المقابل، إذا ذهب الزيدي باتجاه الجانب الإيراني، فأعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك العديد من الأوراق التي يمكن أن تؤزم الوضع داخل العراق، ومن بين هذه الأوراق ملف الأموال والتحويلات المالية.
فعلى سبيل المثال، إذا قامت الجهات الأمريكية المعنية بتقييد أو تأخير وصول الأموال إلى الحكومة العراقية، فإن ذلك قد يؤدي إلى أزمة كبيرة، لأن الجسد الإداري العراقي يتشكل من أكثر من ثمانية ملايين موظف، ولك أن تتصور حجم المبالغ التي تُتداول شهريا وسنويا.
نحن نتحدث عن نحو 75 مليار دولار مخصصة للميزانية التشغيلية، يذهب الجزء الأكبر منها كرواتب للموظفين، وإذا تم حجب هذه الأموال، فقد تحدث فوضى حقيقية، لأن السوق العراقية ستعاني من شح السيولة، وقد تتوقف حركة الاستيراد، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، بالتزامن مع غياب الرواتب والسيولة النقدية.
كل هذه الأمور تؤكد أن العراق يعيش اليوم مخاضا عسيرا جدا، وهذا المخاض يتطلب وجود حكومة عاقلة، وكتل سياسية تدرك حجم الخطر الكبير الذي يحدق بالعراق، وتتعامل مع هذه التهديدات بمستوى عال من المسؤولية.
بحسب معلوماتكم، هل سيتجه الزيدي نحو المعسكر الأمريكي أم المعسكر الإيراني؟
أنا أخبرته وقلت له: "ابقَ في المنطقة الرمادية، لا تكن أمريكيا ولا إيرانيا، كن عراقيا". نحن لا نريد أن نذهب بشكل كامل باتجاه إيران، ولا نريد أيضا أن ننخرط بشكل كامل مع الجانب الأمريكي. الجانب الإيراني اليوم يزود العراق بالكثير من الاحتياجات، وحجم التبادل التجاري بين العراق وإيران يتجاوز العشرين مليار دولار، وهذا يشمل الغاز والكهرباء والمواد الغذائية وغيرها.
وفي هذه الظروف التي تمر بها إيران، ما تزال تقوم بتصدير المنتجات الغذائية والزراعية إلى العراق، وبالتالي العراق يحتاج إلى إيران، وهناك جغرافيا مشتركة وحدود طويلة جدا تتجاوز 1200 كيلومتر، فضلا عن المشتركات الثقافية والاجتماعية والدينية والعقائدية.
وفي المقابل، الولايات المتحدة الأمريكية أيضا شريك مهم لا نريد التفريط به، وكان من المفترض أن تكون اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة شبيهة باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي عقدتها واشنطن مع فيتنام عام 2013، والتي فُعّلت بشكل كبير جدا.
اليوم، حجم التبادل التجاري بين العراق والولايات المتحدة لا يتجاوز ملياري دولار سنويا، بينما تجاوز حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وفيتنام 123 مليار دولار، كما تجاوز الناتج القومي الفيتنامي 400 مليار دولار، علما أن فيتنام لا تمتلك الموارد التي يمتلكها العراق.
اظهار أخبار متعلقة
العراق يُعد من بين أغنى دول العالم من حيث الموارد، ونتحدث عن ثروات قد تصل إلى ما بين 18 و20 تريليون دولار، لكنها غير مُستغلة بالشكل الصحيح. لذلك يجب أن تدرك أي حكومة تدير الدولة العراقية أن عليها تنويع علاقاتها، وألا تنخرط بشكل كامل مع هذا الطرف أو ذاك، وأن تعمل على تفعيل أدوات التعاون والدبلوماسية بما يضمن استدامة وتنويع العلاقات الخارجية.
قلت إنك أبلغت الزيدي بضرورة البقاء في المنطقة الرمادية بين واشطن وطهران.. بماذا أجابك؟
الرجل ما يزال يعيش في دوامة سياسية ولم يصلني منه رد واضح حتى الآن بهذا الخصوص. كما أنني أبلغته بضرورة أن يكون لديه فريق عمل متكامل، وألا يعتمد فقط على قدراته الشخصية، وأن يعمل مع الإطار التنسيقي على تفعيل ما يمكن تسميته بـ "المطبخ السياسي" الذي يجب أن يضم الزعامات السياسية العراقية التي سبق أن تولت رئاسة الوزراء. نحن نتحدث عن شخصيات تمتلك خبرات كبيرة مثل عادل عبد المهدي، ومصطفى الكاظمي، ومحمد شياع السوداني، وحيدر العبادي. وقد أخبرته بأن هؤلاء يجب أن يكونوا داعمين له، لأنهم يمتلكون رؤية وأدوات وعلاقات إقليمية ودولية يمكن توظيفها لخدمة حكومته وإنجاحها.
بخلاف ذلك، أعتقد أن الرجل، بخبرته السياسية المتواضعة، قد لا يكون قادرا على إدارة هذا الملف المعقد. والإخوة في الإطار التنسيقي أبلغونا أيضا أنهم يتجهون نحو تعيين أربعة نواب لرئيس الوزراء، والمشكلة الكبرى أن هذا الأمر لا يستند إلى أساس دستوري، وعندما سألناهم عن السبب، قالوا لأن رئيس الوزراء لا يمتلك عمقا سياسيا، لكن السؤال هنا: وهل الشخص الذي قمتم باختياره يمتلك هذا العمق السياسي؟
الدولة العراقية اليوم بحاجة إلى ترشيد إداري، لا إلى مزيد من التوسع الفوضوي في استحداث المناصب والعناوين والمسميات، لأن ذلك يدخل الدولة في أعباء هي في غنى عنها.
ما موقفكم من المطالب الأمريكية التي تدعو إلى الحد من نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران داخل الحكومة العراقية؟
هذا الموضوع طُرح ونوقش بشكل واسع خلال السنوات الماضية. النخب السياسية، ومجلس القضاء الأعلى، والمرجعية الدينية في النجف، والسيد مقتدى الصدر، والتيار الليبرالي، وشريحة واسعة من العراقيين، جميعهم مع هذا التوجه ويدعمون فكرة حصر السلاح بيد الدولة، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم.
وبخلاف ذلك، ستبقى الأمور معقدة وشائكة، وستظل هناك نوافذ يتسلل منها الآخرون لخلط الأوراق داخل الساحة العراقية.
العراق، وبعد حكومة السيد السوداني، التي عملت خلال السنوات الثلاث الماضية، استطاع أن يستعيد جزءا من عافيته، لكن الحرب الأخيرة أثرت بشكل كبير جدا، لأن الفصائل تدخلت في المعركة بشكل لم يكن منسجما مع موقف الحكومة العراقية، وهذا الأمر قلّص من فرص السوداني في الحصول على ولاية ثانية.
الأمر الآخر يتعلق بإغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى أن الحكومات السابقة لم تعمل بالشكل الصحيح على تنويع مصادر الاقتصاد العراقي، ولا على الانفتاح الإقليمي لإنشاء خطوط وأنابيب لنقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، بما يضمن بناء اقتصاد قوي ومستقر.
لذلك، هناك اليوم حالة من الارتباك داخل المشهد السياسي العراقي، وهذا الوضع يحتاج إلى حكومة قوية ودعم وإسناد كبيرين، كما يحتاج إلى أن تُبدي الفصائل قدرا من المرونة، وأن تنخرط في العملية السياسية بطريقة تدعم الدولة، لا أن تتحول إلى "دولة داخل الدولة".
هل ستحظى الحكومة العراقية الجديدة بثقة مجلس النواب قريبا؟
ستُعقد جلسة غدا الخميس، وهناك رأي يدفع باتجاه تمرير الحكومة بأسرع وقت ممكن، سواء كانت الكابينة مكتملة أو نصف مكتملة، أو حتى لو كانت جزئية، بحجة أن التأخير لم يعد مقبولا؛ فهناك ضغوطا أمريكية واضحة باتجاه الإسراع في تشكيل الحكومة، لكن هذا الاندفاع السريع والمتعجل قد ينتج حكومة ضعيفة وغير قادرة على إدارة الملفات المعقدة.
وهناك سيناريو، وأقولها بشكل حصري لـ"عربي21"، يتحدث عن أن حكومة السيد الزيدي مُنحت مهلة سنة واحدة من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، تُقسم إلى مرحلتين. المرحلة الأولى تمتد لستة أشهر، يجري خلالها تقييم أداء الحكومة خلال الأشهر الأولى، ثم بعد مرور ستة أشهر يتم اتخاذ تقييم نهائي لأدائها.
إذا أثبتت الحكومة أنها جادة وقادرة على إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي العراقي، فإن الولايات المتحدة ستنخرط في تقديم دعم كبير لها. أما إذا أخفقت الحكومة، فسترفع واشنطن يدها عنها.
كما أُبلغ السيد الزيدي بأن عليه، بعد انتهاء هذه المرحلة، التوجه نحو انتخابات مبكرة، وهذه الحكومة، بحسب الطرح المتداول، ستكون "حكومة سنة واحدة" لا تشارك فيها الفصائل المسلحة، وإذا أرادت هذه الفصائل الانخراط مستقبلا في العملية السياسية، فعليها أولا التخلي عن السلاح.
وحتى إذا تخلت عن السلاح، فلن تشارك في حكومة السنة الانتقالية، ولا في الدورة اللاحقة الممتدة لأربع سنوات، أي أنها ستبقى خارج السلطة لمدة خمس سنوات لإثبات حسن النية. لكن السؤال: هل تقبل الكتل السياسية والفصائل المسلحة بهذا الطرح؟، أنا أعتقد أنها لن تقبل، ولذلك نحن أمام معضلة وأزمة كبيرة جدا.