مسؤول عراقي لـ"عربي21": إعادة تشغيل خط جيهان النفطي قريبا.. وهذه خسائرنا جراء الحرب

العراق يسعى لتنويع منافذ تصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز- رويترز
العراق يسعى لتنويع منافذ تصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز- رويترز
شارك الخبر
كشف مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية، الدكتور مظهر محمد صالح، أن هناك جهودا ومساعي حثيثة جارية من أجل إعادة فتح "خط جيهان التركي" خلال عام 2026، مؤكدا أن الحرب الدائرة في المنطقة أثرت بالفعل على الاقتصاد العراقي، ولا سيما مع اعتماد نحو 90% من صادرات النفط على المرور عبر مضيق هرمز، ما دفع بغداد إلى البحث عن بدائل لتقليل الخسائر المحتملة.

وقال المسؤول العراقي: "لن ينتهي العام الجاري قبل إعادة فتح (خط جيهان)؛ لأن فتح هذا الخط مسألة مهمة للغاية. وأنا مقتنع تماما بأن إعادة تشغيله تصب في مصلحة تركيا أولا، ومصلحة العراق أيضا، وكذلك في مصلحة استقرار الاقتصاد العالمي، ونحن متفائلون جدا بقرب إعادة افتتاحه مُجدّدا؛ فهو خط مهم للغاية ينبغي العمل على إعادة تشغيله قريبا".

وأشار، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إلى أن العراق يبحث عن بدائل لتصدير النفط كي لا يظل رهينة للتوترات في مضيق هرمز، مثل تفعيل (خط جيهان)، أو النقل بالحاويات، وغيرها من الوسائل، موضحا أن "قسما من آبار النفط المنتجة توقّف بسبب امتلاء مخزونات النفط قبل التصدير".

صالح لفت إلى أن "نسبة النفط العراقي المتوقع تصديرها عبر خط جيهان - عقب إعادة افتتاحه المتوقع العام الجاري - قد تصل إلى نحو مليون برميل يوميا في المرحلة الأولى، وسيتم العمل على توسيع القدرة التصديرية لهذا الخط المهم جدا في المستقبل مع التحسينات التقنية والتطويرات المحتملة، وربما سيتم أيضا إنشاء خطوط إضافية وليس الاكتفاء بخط واحد فقط، من خلال استثمارات جديدة في البنية التحتية".

اظهار أخبار متعلقة


وخط جيهان، ينقل النفط الخام من حقول كركوك شمالي العراق، إلى ميناء "جيهان" التركي لتصديره إلى الأسواق العالمية.

وفي 21 تموز/ يوليو 2025، أنهى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اتفاق النفط التاريخي بين العراق وتركيا الذي وقّع في 27 آب/ أغسطس 1973، ويعدّ أحد أبرز التفاهمات الاقتصادية بين البلدين؛ فقد سهّل تدفق النفط الخام بين البلدين. وكان من المفترض أن يتم وقف العمل بالاتفاق وجميع البروتوكولات أو المذكرات الملحقة به، ابتداءً من 27 تموز/ يوليو المقبل.

ومنذ 28 شباط/ فبراير الماضي، تشنّ إسرائيل والولايات المتحدة عدوانا عسكريا على إيران، أودى بحياة مئات من الأشخاص، على رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون أمنيون.

وترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، وما تصفها بـ"قواعد أمريكية" في دول المنطقة، غير أن بعضها أسقط قتلى وجرحى وألحق أضرارا بأعيان مدنية.

وعقب الهجمات، شهدت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، أحد أهم الممرات البحرية لإمدادات الطاقة العالمية، تراجعا حادا، مع تقارير عن تكدس مئات السفن على جانبي المضيق نتيجة المخاطر الأمنية المتزايدة.

اظهار أخبار متعلقة



Image1_320268224848679903425.jpg
وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

إلى أي مدى تأثر العراق اقتصاديا بالحرب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط؟


بالطبع نحن – كسائر الدول – تأثرنا بشكل كبير بالحرب التي تشهدها منطقتنا؛ فالموازنة العراقية تعتمد بنسبة 90% على الصادرات النفطية، أي ما يقارب 3.4 ملايين برميل يوميا، كما أن نحو 90% من هذه الصادرات تمر عبر مضيق هرمز. وتُشكّل الموازنة العراقية ما يقارب 50% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الوقت نفسه، فإن أكبر زبونين للعراق هما الصين والهند؛ إذ تستوردان معا نحو مليوني برميل يوميا أو أكثر من أصل 3.4 ملايين برميل.

لذلك، فإن الحلول بالنسبة لنا تتمثل في الدبلوماسية والحياد الإيجابي والسعي إلى الاستقرار ونبذ الحرب، وهي السياسة التي يتبعها العراق منذ فترة طويلة، وهذه الحرب تعطي انطباعا بأن العراق يقف في موقع الحياد السياسي.

ونحن نأمل ألا تتوقف تدفقات النفط العراقي، لكنها في الواقع تأثرت بالفعل؛ إذ إن قسما من آبار النفط المنتجة توقّف بسبب امتلاء مخزونات النفط قبل التصدير. ومع ذلك، فإننا لا نواجه مشكلة خلال هذا الشهر الجاري أو الشهر المقبل، لأن الأمور تُسعّر زمنيا، وكل المسألة تتعلق باستمرار الحرب من عدمها.

ومع ذلك، فإن العراق يبحث عن بدائل لتصدير النفط، مثل تفعيل "خط جيهان" النفطي، أي خط العراق–تركيا، أو النقل بالحاويات، وغيرها من الوسائل. كما أن هناك إمكانية لاستمرار الصادرات إلى الصين رغم وجود منطقة حرب، نظرا لحرص بكين على حماية علاقاتها التجارية، النفطية وغير النفطية، مع العراق. لذلك نحن نعمل وفق خط حيادي لتجنّب الحرب وتأثيراتها على الاقتصاد العراقي.

ما حجم الخسائر اليومية أو الشهرية التي قد يتكبدها العراق نتيجة تعطل أو توقف الصادرات النفطية؟

على المدى القصير، يمكن القول إن التأثيرات ما تزال ضئيلة ونعتبرها جزئية. أولا، من حيث الاستيرادات، يتمتع العراق بأمن غذائي وبمخزون من السلع المعمرة يكفي لأكثر من سنة كاملة. كما أن احتياطاته من العملة الأجنبية تُعد الأقوى في تاريخ العراق، وهو ما يمكن أن يوفر درجة كبيرة من الحماية للاقتصاد العراقي، لكن إذا استمرت هذه الحرب، وبالشراسة الكبيرة الواضحة للقاصي والداني، وإذا توقفت الصادرات لا سمح الله، وارتفعت أسعار النفط إلى 150 دولارا، فإن المعادلة ستصبح مختلفة تماما، وستكون الخسارة كبيرة بكل التأكيد.

في الوقت نفسه يجب النظر إلى مسألة الخسائر من زاوية "كلفة الفرصة"؛ فقد تحدث تعثرات مؤقتة في الصادرات، لكن ارتفاع أسعار النفط قد يعوض جزءا من هذه الخسائر. ولذلك، وفي هذه المرحلة المبكرة من الأزمة، يمكن وصف ما يحدث بأنه تعثرات ومخاطر قابلة للتعويض أكثر من كونه خسائر نهائية مؤكدة.

ومع ذلك، فإن العقل الدبلوماسي العراقي، أو ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية المنتجة"، يعمل اليوم بحراك قوي لتجنب أي خسائر ناجمة عن الحرب؛ فأي حرب تخلّف آثارا مُدمّرة مباشرة وغير مباشرة، ونحن في العراق عشنا حروبا عديدة ونعرف جيدا معنى الحرب على الاقتصاد.

لكن في المقابل، يتمتع الاقتصاد العراقي اليوم بمرونة كبيرة في الحركة، كما يتمتع العقل السياسي العراقي بالهدوء والحياد الإيجابي وبعلاقات دولية جيدة، وهذا الواقع بحد ذاته يمثل أصلا غير ملموس قد يقود إلى عوائد ملموسة في المستقبل.

وبفضل هذه العلاقات، قد نتمكن من تمرير نفطنا حتى في ظل الارتفاعات الكبيرة في الأسعار، لأن زبائن العراق يقفون على الحياد الإيجابي في هذه الحرب، وهم زبائن كبار مثل الهند والصين وغيرها. كما أن العراق لا ينفصل عن تركيا، فهي حليف قوي لنا في مشروع "طريق التنمية"، وهو مشروع استراتيجي مهم للغاية يربط تركيا والعراق بأوروبا ودول الجوار ومنطقة الخليج العربي وروسيا.

متى سينطلق هذا المشروع الاستراتيجي مع تركيا؟

في الواقع، وُقّع اتفاق رباعي بين العراق وتركيا وقطر والإمارات. واليوم اكتمل تقريبا الجزء الجنوبي من المشروع، وأصبح "ميناء الفاو" شبه مهيأ للعمل. كما أن تركيا تتهيأ لإنجاز الجزء الشمالي، الذي يُمثل النقطة اللوجستية التي تربط جنوب العراق بشماله، وصولا إلى الأراضي التركية. والعمل جارٍ بشكل مستمر، كما أن العلاقات مع تركيا قوية جدا؛ فهي دولة صديقة وجارة ومحورية بالنسبة لنا.

هل يمكن أن ينطلق مشروع "طريق التنمية" خلال العام الجاري أو العام المقبل؟

من حيث المبدأ، دخل العراق في اتفاقيات دولية لأول مرة بعد انقطاع طويل، وهذه خطوة مهمة؛ فالعراق اليوم شريك تجاري مهم لتركيا، وهو ثاني أكبر زبون لها في الاستيرادات. كما أن تنظيم العلاقات الاقتصادية مع تركيا، ولا سيما في المجال النفطي، مسألة مهمة للغاية؛ إذ كانت هذه العلاقات قائمة سابقا لكنها تعثرت، ومن الممكن أن تعود بشكل أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق.

وأعتقد أن تفعيل خط الأنابيب العراقي–التركي يُمثل مفتاحا مهما لتقليل خسائر العراق، لأنه إذا عاد هذا الأنبوب للعمل بكامل طاقته، التي تقل قليلا عن مليون برميل يوميا، ومع ارتفاع أسعار النفط، فإن ذلك قد يعوض جزءا كبيرا من الخسائر المحتملة.

اظهار أخبار متعلقة


العراق يعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيرادات الموازنة، فهل نحن أمام خطر حقيقي يهدد الاستقرار المالي للدولة إذا طال أمد الحرب؟

طبعا؛ فالحرب قد تهدد المنطقة بأكملها، وليس العراق فقط، بل إن إقليم الشرق الأوسط بأسره قد يتأثر. لكني لا أعتقد أن هذه الحرب ستستمر طويلا بهذا الشكل، لأن هناك ضغوطا دولية وإقليمية كبيرة من أجل احتوائها؛ فجميع دول الإقليم المجاور للحرب تدرك خطورتها وتفضّل عدم السماح لها بالاستمرار لفترة طويلة. ولذلك، يجب أن نكون واضحين في هذا السياق.

كيف يمكن أن تؤثر الحرب الإقليمية على الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط العراقي خاصة مع وجود شركات دولية كبرى في الحقول الجنوبية؟

نعم، من الممكن أن تتأثر بعض المصالح الاقتصادية في العراق خلال فترة قصيرة، لكنني أسمي هذه المرحلة بـ"فترة الترقب"؛ إذ تقوم الشركات عادة بإعادة تقييم الأوضاع، وإذا كانت الحرب طويلة فسيكون الأمر مختلفا بشكل جذري، أما إذا كانت حربا محدودة زمنيا، فأعتقد أنها لن تؤثر كثيرا؛ فالشركات الكبرى والعلاقات الاستثمارية تُبنى على المدى الطويل، ولا تُدار وفق حسابات أسبوع أو أيام قليلة.

في الواقع، نحن أسسنا علاقات قوية مع شركائنا التجاريين في العالم، ولا سيما مع الشركات الأمريكية الكبرى، وقد أصبح لهذه الشركات اليوم حضور قوي داخل المصالح النفطية العراقية، وهي حريصة أيضا على العمل في بيئة استثمارية مستقرة. وهذا جزء من الرؤية التي نعمل عليها في العراق، أي توفير السلام والاستقرار، لأن ذلك هو الذي يهيئ المناخ المناسب لمستقبل اقتصادي أفضل ويجنبنا كثيرا من المشكلات.

ما أبعاد الهجمات التي استهدفت حقول ومصافي النفط داخل العراق؟ وكيف تأثرتم بها؟

حتى الآن لا يمكن تقييمها إلا على أنها استهدافات سطحية وجزئية وليست عميقة التأثير. صحيح أن الوضع حساس بشكل عام، وأحيانا تُضخّم بعض الأمور أكثر من حجمها، لكنها تبقى إشارات غير إيجابية. ومع ذلك، فإن الحكومة العراقية تعمل على منع أي عمل قد يؤدي إلى إعاقة الاقتصاد العراقي أو تأخير نشاطه.

العراق ليس طرفا في هذه الحروب، وهو في الأساس يسعى إلى الاستقرار والسلام في المنطقة، لأن استقرار المنطقة يعني استقرار اقتصاده أيضا؛ فنحن اليوم نتحدث عن بلد يضم نحو 47 مليون عراقي عانوا كثيرا من ويلات الحروب في الماضي، ولذلك نحاول قدر الإمكان تجنب أي حرب، بل إن العراق يسعى لأن يكون "حمامة سلام" في هذا الملف. أما الحوادث التي وقعت، ففي تقديري أن كثيرا منها محدود التأثير ولا يحمل قيمة استراتيجية كبيرة.

إلى أي مدى يمكن أن يستفيد العراق من ارتفاع أسعار النفط عالميا في ظل الأزمة الراهنة؟ وهل يمكن لارتفاع الأسعار أن يعوض جزءا من خسائر التصدير؟

نعم، هذا يحدث عادة في مثل هذه الظروف؛ فكلما عملنا على تعزيز صادراتنا النفطية عبر أي منفذ ممكن، سواء من خلال الدبلوماسية الحيادية المنتجة أو عبر تنويع طرق التصدير، فإن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يخفف من آثار التراجع في الصادرات. صحيح أن الحرب أمر مكروه بطبيعة الحال، لكن إذا تزامنت مع ارتفاع أسعار النفط فإن ذلك قد يكون مفيدا للعراق من حيث الإيرادات؛ إذ يمكن أن يعوض جزءا من التعثرات أو التوقفات التي قد تحدث في التصدير.

اظهار أخبار متعلقة


هل سيكون هذا التعويض بنسبة صغيرة أم كبيرة؟

سيكون بنسبة معقولة ومرضية بالنسبة لنا.

كيف تتعامل الحكومة العراقية حاليا مع الانخفاض الكبير في الإيرادات الشهرية؟

العراق يتمتع باحتياطيات كبيرة من العملة الأجنبية، وهناك تنسيق وتعاون متميز بين السياسات النقدية والمالية والتجارية والنفطية، وهو ما يمنح الاقتصاد درجة عالية من المرونة في التعامل مع مثل هذه الأزمات؛ فنحن لا نرغب في مواجهة أزمات من هذا النوع، لكن لدينا خبرة في إدارتها بشكل جيد.

لقد مر العراق بأزمات عديدة، منها الأزمة الأمنية والمالية بين عامي 2014 و2017، ثم الأزمة الصحية والاقتصادية المرتبطة بجائحة COVID-19 بين عامي 2019 و2021، إضافة إلى أزمات مالية ولوجستية أخرى. ومع ذلك، أثبت الاقتصاد العراقي قدرة كبيرة على التكيف والمرونة، لأنه يعتمد على موارد كبيرة ولا خوف عليه.

صحيح أن هناك مَن يثير المخاوف والتوقعات السلبية، وهذا أمر طبيعي في أوقات الأزمات، لكن السياسة الاقتصادية في العراق قوية جدا وبخير، والحكومة تعمل ليل نهار من أجل تأمين مصالح الشعب واستقراره وضمان حياته المعيشية، وهذه مسؤولية كبيرة بالطبع. كما أننا اعتدنا على إدارة اقتصاد الأزمات؛ إذ إن العراق، خلال الخمسين سنة الماضية، شهد نشوء جيلين من الاقتصاديين الذين اكتسبوا خبرة هائلة في التعامل مع الأزمات وإدارتها بعقلانية وبما يحفظ مصالح البلاد.

إلى أي مدى يمكن أن تتأثر قيمة الدينار العراقي والاستقرار النقدي في حال استمرار تعطل الصادرات النفطية؟

حتى الآن لا توجد تأثيرات تُذكر. بالطبع، إذا استمرت الحرب لفترة طويلة فسيكون لكل حادث حديث، لكن توقعاتنا أن هذه الحرب ستكون قصيرة، مهما كانت قاسية، وسيجري قريبا احتواء آثارها الجانبية.

هل هناك مخاوف من حدوث أزمة سيولة داخلية أو اضطراب في النظام المصرفي إذا استمر تعطّل تدفق عائدات النفط؟

لا شك أن السياسة النقدية في العراق تتسم بالحكمة، وهي تتعامل مع احتياطياتها الأجنبية الكبيرة بطريقة تضمن الحفاظ على الاستقرار النقدي والسيولة؛ فالجهاز المصرفي والسيولة المالية العامة يخضعان لإدارة دقيقة. واليوم، ومع احتياطيات أجنبية تزيد على 100 مليار دولار، فإن السياسة النقدية تتحمل مسؤولية كبيرة في فرض الاستقرار وتوفير السيولة والحفاظ على مستوى معيشة مناسب للمواطنين.

هناك قدر من العقلانية والإدارة الجيدة، والسياسة النقدية تعمل ليلا ونهارا لتجنب أي مشكلات محتملة في هذا المجال.

هل يمكن أن يتعافى الاقتصاد العراقي سريعا فور توقف الحرب؟

نعم، العراق قادر بحق على التعافي بسرعة؛ فالاقتصاد العراقي يعتمد على تدفقات مالية كبيرة، وهو اقتصاد يتمتع بقدرة إنتاجية عالية في قطاعه النفطي، لذلك لا يوجد ما يدعو إلى القلق الكبير في هذا الجانب.

هل يمكن القول إن الاقتصاد العراقي أصبح "رهينة" للتوترات في مضيق هرمز؟

يمكن القول إن جميع الدول الريعية المعتمدة على النفط أصبحت مرتبطة بما يجري في مضيق هرمز، سواء في شمال الخليج أو جنوبه. لكن طبيعة هذا الارتباط تختلف من دولة إلى أخرى وفقا للظروف والعلاقات الدولية، وبالتأكيد فإن التأثير المباشر وغير المباشر لأي حرب في هذه المنطقة يطال الجميع بدرجات متفاوتة.

ما البدائل الواقعية التي يمتلكها العراق لتصدير نفطه بعيدا عن مضيق هرمز؟

هناك عدة بدائل مطروحة من أهمها إعادة تفعيل "خط كركوك–جيهان"، وهو خط مهم للغاية ينبغي العمل على إعادة تشغيله قريبا. كما يمكن اللجوء إلى وسائل نقل أخرى مثل الشاحنات والصهاريج، رغم أن ذلك أكثر صعوبة من النقل عبر الأنابيب.

ومن جهة أخرى، قد تستمر الصادرات عبر المسارات الحالية - وتحديدا مضيق هرمز - بفضل العلاقات الدبلوماسية المتوازنة التي يتمتع بها العراق، وكذلك بسبب حياد بعض الدول الكبرى في الحرب، ولا سيما أن الصين والهند تعدان أكبر زبونين للنفط العراقي، وهاتان الدولتان لهما مصلحة مباشرة في استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، ومن المرجح أن تسعيا إلى حماية هذه الإمدادات؛ فالعلاقة بين العراق وهذه الدول علاقة طويلة الأمد ومبنية على مصالح متبادلة.

لذلك، فإن الدبلوماسية الحيادية التي ينتهجها العراق، إضافة إلى البدائل الأخرى المتاحة الآن، بالإضافة إلى البدائل الجديدة التي ستكون متاحة في المستقبل، قد تساعد في تجنب أسوأ السيناريوهات، خصوصا إذا ترافقت مع انضباط مالي وتعاون بين مختلف السياسات الاقتصادية داخل الدولة.

متى يمكن إعادة فتح "خط جيهان التركي"؟ وما العائق أمام ذلك؟

أعتقد أن الأمر يحتاج إلى حوار دبلوماسي سريع، وسيتم فتح الخط في إطار تفاهمات مشتركة؛ فالعلاقات بين العراق وتركيا علاقات إيجابية ومهمة للغاية؛ فتركيا دولة جارة وصديقة، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في السلع وحدها ما بين 12 و15 مليار دولار سنويا، إضافة إلى حركة سياحية كبيرة ووجود مُقيمين واستثمارات كبيرة متبادلة، فضلا عن مشاركة شركات تركية كبرى في مشاريع الإعمار داخل العراق.

كما أن مشروع "طريق التنمية" يُمثل مشروعا استراتيجيا مهما جدا أعلنه رئيس الوزراء العراقي بالتعاون مع تركيا، وهو يهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة وربطها بمسارات التجارة والتنمية.

وفق المعطيات الحالية، هل من الممكن فتح "خط جيهان" خلال عام 2026؟

أتوقع أن يتم ذلك بالفعل، والعمل جار على ذلك، ولن ينتهي العام الجاري قبل إعادة فتحه؛ لأن فتح هذا الخط مسألة مهمة للغاية. وأنا مقتنع تماما بأن إعادة تشغيله تصب في مصلحة تركيا أولا، ومصلحة العراق أيضا، وكذلك في مصلحة استقرار الاقتصاد العالمي، ونحن متفائلون جدا بقرب إعادة افتتاحه، وقبل نهاية العام الجاري كما أشرت آنفا.

هل هناك اتصالات جارية مع الجانب التركي في هذا الشأن؟

بالتأكيد؛ فالعلاقات مع تركيا مستمرة، وهناك مشاورات وحراك إيجابي دائم بين الجانبين، ولا توجد أي توترات جوهرية في هذه العلاقات، بل على العكس، هناك تفاهم مشترك وأمل كبير في تطويرها؛ فالحوار مع الجانب التركي لم ينقطع، والعلاقات قائمة على مصالح متبادلة.

تركيا لا يمكن أن تتخلى عن العراق، والعراق أيضا لا يمكن أن يتخلى عن تركيا؛ فالعلاقة بين البلدين تقوم على مصالح اقتصادية واستراتيجية مشتركة. وبعد الصين، تُعد تركيا من أهم الشركاء التجاريين للعراق. كما أن قربها الجغرافي ينسجم مع ما يُعرف بنظرية الجاذبية التجارية؛ إذ يسهل تدفق السلع بسرعة وتكلفة أقل، ما يسهم في تطوير السوق العراقية وتعزيز المصالح المشتركة بين البلدين. ولذلك فإن هذه العلاقة تُمثل عنصرا أساسيا في استقرار المناخ الاقتصادي والاستثماري في العراق.

في حال افتتاح "خط جيهان التركي" خلال عام 2026، ما نسبة النفط العراقي المتوقع تصديرها عبر هذا الخط؟

في السابق، عندما كان الخط يعمل بكامل طاقته، كانت قدرته تقل قليلا عن مليون برميل يوميا، لكن مع التحسينات التقنية والتطويرات المحتملة والتعاون المشترك، قد تصل طاقته إلى نحو مليون برميل يوميا في المرحلة الأولى.

وفي المستقبل، من الممكن العمل على توسيع القدرة التصديرية لهذا الخط المهم جدا، وربما سيتم أيضا إنشاء خطوط إضافية وليس الاكتفاء بخط واحد فقط، من خلال استثمارات جديدة في البنية التحتية. وأعتقد أن هذه مسألة مهمة، لأنها ترتبط بمشروع "طريق التنمية" الاستراتيجي الذي أطلقه رئيس الوزراء العراقي؛ فجزء من هذه الاستراتيجية يقوم على تعظيم التصدير عبر تركيا، وهو ما يُمثل مصالح متبادلة مهمة بين البلدين؛ فتركيا في إطار هذا المشروع لا تقتصر مصالحها على الجوانب اللوجستية فقط، بل تمتد أيضا إلى المصالح النفطية.

بالتالي هل يمكن أن يتم إنشاء خط آخر موازٍ لـ "خط جيهان التركي" مستقبلا؟

نعم، أتوقع أن يحدث ذلك مستقبلا، لأن أحد البدائل الاستراتيجية المهمة للعراق يتمثل في تعزيز منافذ التصدير عبر تركيا وصولا إلى ميناء جيهان؛ فالعراق يحتاج إلى إيصال نفطه إلى تركيا وأوروبا، كما أن تطوير البنية اللوجستية والتجارية عبر مشروع "طريق التنمية" يفتح المجال أيضا أمام تعزيز صادرات الطاقة. وبالتالي فإن وجود خطوط إضافية قد يسهم في تنويع مسارات التصدير وتعزيز العلاقات الاقتصادية الدولية.

هل تعمل الحكومة العراقية حاليا على تسريع مشاريع استراتيجية مثل خطوط الأنابيب إلى تركيا أو الأردن أو غيرهما لتقليل الاعتماد على الخليج؟

هذه الأفكار كانت مطروحة بالفعل لدى وزارة النفط العراقية منذ فترة سابقة، بما في ذلك مشاريع التخزين الاستراتيجي للنفط، وخطوط الأنابيب المختلفة مثل خط بانياس أو الخطوط المتجهة إلى دول الجوار. لكن في الوقت الحالي، يبدو أن التعاون مع تركيا في إطار مشروع "طريق التنمية" يُمثل الخيار الأكثر واقعية واستراتيجية، لأنه يربط العراق مباشرة بأوروبا عبر الأراضي التركية؛ فتركيا تُعد جسرا مهما جدا نحو الأسواق الأوروبية، بحكم موقعها الجغرافي وحدودها مع أوروبا، ولذلك فإن هذا المسار يُمثل فرصة استراتيجية للعراق لتوسيع منافذه التجارية والاقتصادية.

هل تعتقدون أن الأزمة الحالية قد تدفع العراق إلى إعادة التفكير جذريا في نموذج الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط؟

النفط هو مورد ورثه العراق، ولذلك نشأ الاقتصاد العراقي بطبيعته كاقتصاد ريعي، لكن مشروع "طريق التنمية" يُمثل مشروعا رائدا أو ما يمكن تسميته بـ "المشروع القائد" للاقتصاد العراقي؛ فهذا المشروع الاستراتيجي يتضمن إنشاء خمس مدن جديدة، بعضها صناعي وبعضها اقتصادي، ما سيسهم في تنويع الاقتصاد العراقي في مجالات متعددة مثل اللوجستيات والاقتصاد الرقمي والصناعة وحتى الزراعة.

وبالتالي فإن هذا المشروع سيُشكّل محورا رئيسيا لتنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على النفط مستقبلا؛ فالمطلوب ليس الاعتماد على النفط إلى الأبد، بل استخدام عوائده الحالية لبناء اقتصاد متنوع يحقق التنمية للشعب العراقي.

هناك مخاوف لدى البعض من احتمال فرض الولايات المتحدة حصارا اقتصاديا على العراق، هل هذا احتمال وارد؟

أعتقد أن هذه المخاوف مبالغ فيها بشكل كبير؛ فالعراق يرتبط باتفاقية الإطار الاستراتيجي للعام 2008 مع الولايات المتحدة، وهي دولة صديقة ومهمة جدا بالنسبة للعراق. كما أن للولايات المتحدة دورا أساسيا في التغيرات السياسية التي شهدها العراق بعد عام 2003.

القيادة العراقية تتعامل بعقلانية، والدبلوماسية العراقية تُدار بحكمة. ولذلك لا أعتقد أن العلاقات الجيدة مع دولة كبرى مثل الولايات المتحدة يمكن أن تتجه نحو فرض حصار اقتصادي؛ فالعلاقات بين البلدين ما تزال مستمرة وقوية في الوقت الراهن ولن تشهد أي توترات مستقبلا.

هل توجد صعوبات في وصول "الدولار النفطي" إلى العراق؟

لا، لا توجد صعوبات حقيقية، وكثير مما يُقال في هذا السياق هو مبالغات أو شائعات مغرضة، لكن من الطبيعي أن تراقب الولايات المتحدة حركة عملتها في العالم، خاصة فيما يتعلق بقضايا غسيل الأموال أو الامتثال المالي؛ فالدولار عملة عالمية قائدة، ومن حق الولايات المتحدة التأكد من عدم استخدامه بما يتعارض مع سياساتها الخارجية أو أمنها القومي. والعراق يتعاون مع الولايات المتحدة في هذا المجال، خصوصا فيما يتعلق بمكافحة غسيل الأموال وتعزيز الشفافية المالية.

وقد حقق العراق تقدما ملحوظا في هذا المجال، لذلك من المهم الحفاظ على الاستقرار المالي وتعزيز الحوكمة الاقتصادية؛ فالعراق يسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج والدول المجاورة، في إطار ما يمكن تسميته بـ"اقتصاديات السلام".
التعليقات (0)