المرزوقي لـ"عربي21": سقوط قيس سعيّد "مسألة وقت" وأدعو الشباب والجيش للتحرك
باريس- عربي2130-Dec-2509:53 PM
المرزوقي أكد أن تونس على فوهة بركان سياسي والانفجار بات حتميا- عربي21
شارك الخبر
قال الرئيس التونسي الأسبق، الدكتور منصف
المرزوقي، إن سقوط نظام الرئيس قيس سعيّد بات "مسألة وقت لا أكثر"، في
ظل انسداد سياسي كامل وانهيار اقتصادي متسارع، داعيا الجيش التونسي إلى "الاضطلاع
بدوره الدستوري في حماية الشعب والدستور، وإزاحة الرئيس المنقلب".
كما وجّه المرزوقي، في مقابلة مصوّرة ومطوّلة
مع "عربي21"، نداءً مباشرا إلى الشباب التونسي للإسراع في التحرك المنظّم،
وأن "يأخذ على عاتقه مهمة إسقاط هذا النظام الفاسد؛ فأنا لا أرى حلا أمام
الشباب سوى استعادة الفعل الثوري الهادر"، معتبرا أن "استمرار الجمود لا
يخدم سوى إطالة عمر الأزمة وتعميق كلفة الانهيار على البلاد".
وشدّد على أن "إغلاق كل أبواب
الحوار مع القوى السياسية والاجتماعية لا يدل على قوة النظام، بل يكشف ضعفه
العميق"، مشيرا إلى أن "الأنظمة الواثقة من نفسها تنفتح حتى في أكثر
السياقات الاستبدادية، بينما الانغلاق الحاد يعني شعور السلطة بالخطر واقتراب
الانهيار. هذه السياسات لا تؤدي إلا إلى تسريع نهاية النظام القائم".
ولفت الرئيس التونسي الأسبق، إلى أن
"ما يمنح نظام قيس سعيّد بعض القدرة على الصمود هو الدعم الخارجي، ولا سيما
من الجزائر ومصر وبعض الأنظمة العربية التي تخشى موجة ثانية من الربيع
العربي"، موضحًا أن "هذه الأطراف تحاول تأخير الانهيار بكل الوسائل، لكن
ذلك لن يغيّر من حتمية السقوط مهما حاولوا أو فعلوا".
وأدناه النص الكامل
للمقابلة الخاصة مع "عربي21":
كيف تقيم المشهد العام في
تونس اليوم في ذكرى اندلاع "ثورة الياسمين"؟
بطبيعة الحال، نحن أمام وضع كارثي
بأتمّ معنى الكلمة. الرئيس المنقلب على المسار الديمقراطي تحدث مؤخرا مع رئيسة
الحكومة سارة الزعفراني، وقالها حرفيا: "يجب أن نمرّ إلى السرعة القصوى".
هذه العبارة ليست تقنية ولا إدارية، بل هي رسالة سياسية واضحة تعني أننا مقبلون
على مزيد من القمع والتنكيل، ومزيد من المحاكمات السياسية، ومزيد من التصلّب
والتشدّد.
وهو يعتبر اليوم أنه يمتلك ما يسميه
بـ"التفويض الشعبي"، وأُلحّ هنا على كلمة "تفويض"، لأنها
الكلمة ذاتها التي استعملها عبد الفتاح السيسي قبيل المجازر المروّعة التي تعرّض
لها الشعب المصري. الخطاب واحد، والمنطق واحد، والتصور ذاته: الإيحاء بوجود
"تفويض شعبي" مطلق يزعم أنه يبيح له فعل أي شيء دون قيد أو مساءلة.
هذا "التفويض" الذي يتحدث
عنه قيس سعيّد، يتوهّم أنه استمدّه من مظاهرة 17 كانون الأول/ ديسمبر التي دُبّرت
بالكامل من طرف أجهزة الدولة، على طريقة النظام القديم؛ حيث جُمِع فيها عدد من
المساكين والفقراء والمهمّشين، بكل وسائل الإغراء التي تملكها الدولة، ليصل العدد
إلى نحو ثلاثة آلاف شخص. كانت مهزلة بكل المقاييس، نظّمتها ـ في تقديري ـ أجهزة
البوليس والمخابرات، ورافقتها عمليات شراء للضمائر.
واعتبر قيس سعيّد أن هذه المهزلة تُمثل
تفويضا شعبيا، وبناءً عليه نحن ننتظر ـ للأسف ـ مزيدا من القمع، ومزيدا من سياسة
الهروب إلى الأمام، وهي سياسة ستؤدي حتما إلى مزيد من إغراق تونس في أزمتها
الطاحنة.
كيف تقرأ الأحكام
والإجراءات القضائية التي اتُّخذت مؤخرا بحق عدد من المعارضين؟
ما يقوم به هذا الرجل هو، في جوهره،
عملية تصفية حسابات شاملة مع كل ما له علاقة بالثورة. هو لم يكن يوما جزءا من
النضال من أجل الديمقراطية ولا علاقة له بالثورة، ولم يشارك في مقاومة التعذيب،
ولا في مواجهة الانتهاكات التي تعرّض لها الشعب التونسي على امتداد ثلاثين سنة؛
فقد كان غائبا تماما عن تلك المعارك، مختفيا عن الساحة.
ومن هنا، أعتقد أن لديه عقدة نفسية
حقيقية تجاه كل مَن أنجزوا هذا العمل النضالي المشرف، الذي لم يكن هو جزءا منه.
لذلك، نراه اليوم يسعى إلى تصفية ذلك الرعيل من المناضلين، لا فقط عبر سجنهم، بل
عبر قتلهم رمزيا ومعنويا من خلال محاكمات ظالمة، تقوم على التخوين والتشويه.
وفي كل مرة أنظر فيها إلى هذا الشخص
وإلى هذه الأحكام، أتذكّر مقولة كارل ماركس الشهيرة: التاريخ حين يعيد نفسه، يفعله
أولا كمأساة، ثم يعيده كمسخرة أو كوميديا سوداء. نحن اليوم نعيش بالفعل "مسخرة
حزينة" بلا شك، لكنها مسخرة بكل معنى الكلمة.
ما نشهده في تونس اليوم هو مهزلة
قضائية، ومهزلة سياسية، ومهزلة دولة. رجل يتحدث باستمرار عن استقلال البلاد، في
حين يعلم الجميع أنه فرّط في استقلال تونس وباعه. إنها مسخرة متكاملة الأركان،
لكنني على يقين أن هذه المهزلة، مهما طالت، حتما ستنتهي.
كيف قرأت قرار البرلمان
الأوروبي الأخير الذي طالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين؟ وهل يُعدّ ذلك تدخّلا
في السيادة، كما يقول الرئيس قيس سعيّد؟
هذه ليست المرة الأولى التي يطالب
فيها البرلمان الأوروبي بإطلاق سراح المساجين السياسيين. حتى في عهد زين العابدين بن
علي، أصدر البرلمان الأوروبي العديد من المناشدات والقرارات المشابهة، وأود هنا أن
أذكّر بأن البرلمان الأوروبي ليس الحكومات الأوروبية؛ فالبرلمان يُمثل شعوب
أوروبا، وغالبا ما تكون مواقفه أكثر تقدما من مواقف الحكومات، التي تحكمها المصالح
والعلاقات مع الأنظمة.
الحكومات الأوروبية لم تطالب فعليا
بالإفراج عن المساجين، لأنها تتعامل مع هذا النظام وتستخدمه، بينما البرلمان
الأوروبي، بحكم تمثيله للشعوب، يتمتع بهامش حرية أوسع.
أما الحديث عن التدخل في الشؤون
الداخلية، فهو بحد ذاته مسخرة. الجميع يعلم حجم التدخل الجزائري في الشأن التونسي،
في الصغيرة والكبيرة، والجميع يعرف أن هذا الرجل خضع ويخضع لضغوط غربية كبيرة جدا،
خصوصا في ملف المهاجرين الأفارقة، لمنعهم من الوصول إلى أوروبا؛ فأي استقلال هذا؟،
إنه شخص بلا أي استقلال على الإطلاق ثم يخرج علينا بخطاب "السيادة
المقدسة" بالنسبة له؟، نحن هنا فعلا في قلب المسخرة الحمقاء للأسف الشديد.
هل أنت نادم على انتخاب
الرئيس قيس سعيّد عام 2019؟
طبعا، نعم، أنا نادم. لكن يجب أن نكون
صريحين: في ذلك الوقت، كان الخيار محصورا بينه وبين شخص مثل نبيل القروي، المعروف
بعدائه للثورة، وارتباطه بالباجي قائد السبسي، إضافة إلى شبهات الفساد واستعماله
للإعلام الفاسد وإعلام العار ضد الثورة. بصراحة،
كان الخيار بين الكوليرا والجذام، إن صحّ التعبير.
لكن الإشكال الحقيقي اليوم هو أعمق من
الندم الفردي. الإشكال أن الانتخابات الرئاسية في نظام ديمقراطي لا يجب أن تكون
مقامرة أو مغامرة مفتوحة. لا بد من وضع ضوابط واضحة: من يحق له الترشح؟، ومَن لا
يحق له؟، كيف يُعقل أن تمنح الديمقراطية حق الترشح لشخص كان مناهضا لها أصلا؟، هذا
تناقض جوهري.
ولهذا طرحت سابقا فكرة أن يُنتخب رئيس
الجمهورية من البرلمان لا مباشرة من الشعب. كثيرون استغربوا هذا الطرح، لكن ما
نراه اليوم يؤكد أن الانتخابات المباشرة، في ظل إعلام فاسد ومال فاسد، تتحول إلى
مغامرة خطيرة.
البرلمان، رغم عيوبه، يظل أقل خطورة
في هذا السياق، لأنه مُنتخب من الشعب، فلماذا لا يُمنح حق اختيار رئيس الجمهورية؟،
يجب ألا تتكرر هذه المأساة التي عشناها بانتخاب شخص أعتبره غير سوي بالمرة، وغير
كفؤ، وغير شرعي بأي صورة من الصور.
برأيكم، هل وصلت الأزمة
التونسية إلى مرحلة الانسداد الكامل؟
نعم، بلا تردد. الانسداد الكامل يحدث
عندما ترفض السلطة الاستماع إلى المعارضة، وترفض التعامل معها، وتخونها، ولا تفتح
أي باب للحوار مع أي طرف اجتماعي أو سياسي، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في تونس.
وهذا الانسداد لا يدل على قوة النظام،
بل على ضعفه الشديد. النظام الواثق من نفسه ينفتح، حتى في الأنظمة الاستبدادية
توجد معارضة، لكن حين ينغلق النظام بهذا الشكل، فذلك يعني أنه يشعر بالخطر وبقرب
الانهيار، وهذا الانغلاق هو ما يسرّع نهايته.
رغم ذلك، يرى البعض أن نظام
قيس سعيّد متماسك وقادر على الاستمرار حتى نهاية العهدة الثانية.. كيف تردّ على
ذلك؟
في كل الديكتاتوريات، يبدو كل شيء على
ما يرام إلى الربع ساعة الأخيرة. "بن علي" نفسه كان يُقال عنه إنه يملك 140
ألف شرطي، وأن دولته البوليسية لا تُقهر، ثم انهار بسرعة مذهلة، لماذا؟، لأن
الأعمدة التي يقوم عليها النظام تكون فاسدة وهشة. يكفي فقط تحرك شعب المواطنين حتى ينهار البناء
بالكامل.
أنا مقتنع أن هذا النظام متفكك من
الداخل، مبني على دعامات غير سليمة: لا شرعية سياسية، ولا إنجازات، ولا خطاب مقنع.
هو شخص وصل إلى السلطة بفعل الصدف التعيسة ونكد الدهر.
اليوم، الشعب التونسي، بعد أن جرب
الثورة وعاش خيبة الأمل، يتساءل: هل نجرب مرة أخرى؟، المشكلة أنه لا يملك خيارا
آخر. المسألة كما أراها مسألة وقت. هذا النظام ينتظر فقط الشرارة، أو تحركا شعبيا
واسعا، لينتهي بسرعة إلى مزابل التاريخ.
لا أنكر أن له قوة، لكنها قوة مستمدة
من الخارج، خصوصا من النظام الجزائري، ومعه النظام المصري وبعض الأنظمة العربية
التي تخشى أن يؤدي سقوط هذا النظام إلى موجة ثانية من الربيع العربي؛ فهم سيحاولون
بكل الوسائل تأخير الانهيار، لكن في تقديري، انهياره مسألة وقت لا أكثر مهما
حاولوا أو فعلوا.
لكن هل تتوقع أن ينهار هذا
النظام خلال عام 2026 أم أنه قد يستمر لفترة أطول؟
والله أنا لا أقرأ في الفنجان، ولا
أدّعي القدرة على التنبؤ بالغيب. التجارب علمتني أن يكون الإنسان حذرا جدا في
مسألة التوقعات الزمنية. لكن مرة أخرى، القضية الأساسية ليست: هل سينهار هذا
النظام؟ وإنما: متى سينهار؟، لأن هذا النظام، في جوهره، نظام آيل بشكل حقيقي للانهيار؛
فهو لا يمتلك أي شرعية: لا شرعية انتخابية، ولا شرعية إنجازات، ولا شرعية أخلاقية،
ولا شرعية سياسية من أي نوع. هو نظام بلا أساس، وبالتالي سقوطه "مسألة وقت".
أما عن التوقيت، فأنا دائما أقول
للتونسيين: خير البر عاجله، وأتوجّه بنداء مباشر إلى الشباب التونسي كي يأخذ
العبرة مما حصل في دول أخرى: في بنغلادش، ونيبال، ومدغشقر وغيرها. في كل هذه
التجارب، كان الشباب هو مَن أخذ على عاتقه مهمة إسقاط الأنظمة الفاسدة، ونجح في
ذلك بالفعل.
المشكلة اليوم في تونس أن الشباب ما
زال يتأرجح بين وهم الحل الفردي، أي الهجرة، وبين خيار الفعل الجماعي. نحن نعيش
نزيفا حقيقيا: أطباء، مهندسون، ممرضون، مثقفون، كفاءات شابة، الجميع يهاجر؛ إما
إلى كندا، أو فرنسا، أو غيرها. هذه الهجرة الجماعية تعرقل الدور التاريخي الذي
يفترض أن يقوم به الشباب في تغيير الواقع.
لكن، عاجلا أم آجلا، سيكتشف الشباب أن
الهروب ليس حلا للجميع، خاصة الشباب العاطل عن العمل، أو غير الحاصل على شهادات
جامعية، أو المحاصر اجتماعيا واقتصاديا. هؤلاء لا خيار لهم سوى حل المشكلة على عين
المكان.
والحل على عين المكان هو إنهاء ونسف هذا
النظام واستبداله بنظام قادر، على الأقل، على توفير الحد الأدنى من الإنجازات
الاقتصادية.
هذا النظام صادر كل الحريات التي جاءت
بها الثورة، ولم يقدم أي شيء اقتصاديا. بل على العكس، هو دمّر الاقتصاد فالمنقلب
لا يفهم شيئا في الاقتصاد، ودمّره عندما عمّم خطاب التخوين، واعتبر كل رجال
الأعمال فاسدين، فشلّت عجلة الاستثمار، وتعطّل الاقتصاد، وتفاقمت البطالة، ودُفع
الشباب إلى اليأس والهجرة.
لذلك، لا أرى حلا أمام الشباب سوى
استعادة الفعل الثوري الهادر، على أن تتعلم الطبقة السياسية هذه المرة من أخطائها:
قوانين انتخابية جديدة، تنظيم سياسي مختلف، وضمانات حقيقية تمنع أعداء الديمقراطية
من استعمال أدوات الديمقراطية لتدميرها. هذا ما أدعو إليه ليلا ونهارا، وهذا ما
أعتقد أن الشعب التونسي سيصل إليه في نهاية المطاف.
ما طبيعة الدعم الذي يقدمه
النظام الجزائري إلى نظام قيس سعيّد؟
أنت تعلم قصة الوثائق المسرّبة التي
ظهرت مؤخرا. أنا كانت لدي بعض المعطيات سابقا، لكن هذه الوثائق جاءت واضحة وصادمة،
والسؤال السياسي الأهم ليس فقط ماذا ورد في الوثائق؟ بل مَن سرّبها ولماذا الآن؟
كرجل سياسي، أعرف أن تسريب وثائق بهذا
الحجم لا يمكن أن يأتي إلا من داخل السلطة نفسها، وهذا يعني بوضوح أن هناك صراعا
داخل منظومة الحكم.
هناك، على ما يبدو، جزء من السلطة لم
يعد راضيا عن هذا الشخص، وربما ضباط وطنيون لا يقبلون أن تتحول تونس، بموجب هذه
الوثيقة، إلى دولة تحت الوصاية؛ فالوثيقة تعطي الجيش الجزائري حق التدخل داخل
الأراضي التونسية لمسافة تصل إلى 50 كيلومترا، وهذا في حد ذاته أمر خطير للغاية وغير
مسبوق.
والأخطر من ذلك أن الوثيقة تنص صراحة
على أن أي تهديد للنظام القائم قد يبرر تدخل الطرف الآخر، ما يعني نظريا أنه إذا
خرج الشعب التونسي لإسقاط النظام، يمكن – وفق هذه الوثيقة – أن تتدخل الجزائر
عسكريا، وربما تطلق النار على التونسيين. هذا خطر وجودي.
من الواضح اليوم أن النظام الجزائري
ربط مصيره بمصير نظام قيس سعيّد. تونس تُمثل له آخر نافذة على العالم، خصوصا أن
النظام الجزائري مُحاصر: من الغرب، ومن الجنوب، ومن الشمال؛ فإذا سقطت تونس، فإن
ذلك قد يهدّد وجوده هو نفسه.
ومن هنا قناعتي الراسخة: الشعب
التونسي لن يتحرر بالكامل إلا بتحرر الشعب الجزائري؛ فحرية الشعبين اليوم مترابطة
ومتشابكة بشكل عميق.
هل يمكن تشبيه دور الجزائر
في تونس بدور الإمارات في مصر؟
أنا أراه أقرب إلى دور نظام حافظ
الأسد في لبنان. هناك تشابه واضح في منطق الوصاية وحق التدخل، بل وحتى التدخل
العسكري. الإمارات لا تدّعي حق التدخل العسكري المباشر في مصر، لكن الجزائر، وفق
هذه الوثائق، تدّعي حق التدخل العسكري في تونس، وهذا أمر بالغ الخطورة.
أعتقد أن جزءا من الجيش التونسي لا
يقبل بهذه الوثيقة، ولا بهذه التبعية، ولا بهذه العبودية السياسية. ومن هنا، لا
أستبعد وجود "صراع أجنحة" داخل النظام نفسه.
ونظريتي تقول إنه إذا لم تتحرك الثورة
في الوقت المناسب، وإذا واصل الشباب سياسة الفرار الفردي؛ فقد نشهد ترتيبات داخل
المنظومة السياسية نفسها للتخلص من هذا الشخص، لأنه بات واضحا للجميع أنه غير سوي،
وغير كفء، وأنه لا يمكن أن يحدث أي انفراج سياسي في وجوده.
ربما يجري البحث عن شخصية من داخل
المنظومة تُحدث نوعا من الانفراج السياسي، كما فعل "بن علي" في بداياته،
وأرى أن هناك استعدادات حثيثة من داخل المنظومة للإطاحة بقيس سعيّد خلال المرحلة
المقبلة. تسريب الوثائق قد يكون جزءا من إعداد الرأي العام لفكرة أن هذا الرجل خان
البلاد؛ فقد خان الشهداء عندما أنكر الاستعمار واعتبر تونس مجرد
"محمية"، وخان استقلال البلاد عندما رهنه باتفاقات الوصاية، وخان تاريخ
تونس وهويتها.
إنه يتهم الآخرين بالخيانة، بينما هو
– في تقديري – الخائن الأكبر والأخطر في تاريخ تونس الحديث، وأعتقد أن هناك مَن
يستعد من داخل النظام للإطاحة بقيس سعيّد والتسريبات تشير إلى ذلك.
هل ترى أن قيس سعيّد مجرد
أداة في "صراع الأجنحة" داخل السلطة أم أنه المسيطر على كل هذه
الصراعات؟
أنا أعتقد أنه لا يسيطر على شيء. حسب
تقديري، وبالنظر إلى وضعه الذهني والصحي وسلوكه السياسي، هو يعيش في أوهام. في
الواقع، هو مجرد دمية تتحرك خلفها أجنحة حقيقية داخل السلطة: جناح مرتبط بالجزائر،
وجناح تابع للمنظومة العربية التقليدية، وربما أطراف لها مصالح وملفات فساد.
في المقابل، هناك جناح آخر داخل
السلطة لا يريد هذا المسار. وبالتالي نحن أمام صراع حقيقي بين جناحين.
في الوقت الراهن، الجناح المتشدّد
والمتصلب، الخائف أيضا من تبعات إخراج هذا الرجل، هو المسيطر في الوقت الحاضر. لكن
في السياسة، موازين القوى ليست ثابتة، وهي قابلة للتغيير في أي لحظة، وهو ما
نتوقعه.
لماذا فشلت المعارضة في
التوحد حتى الآن؟ وهل يمكن اعتبار مظاهرة 6 كانون الأول/ ديسمبر الجاري بداية
حقيقية لتوحد المعارضة أم لا؟
عندما تُلام المعارضة يجب أولا أن
نكون صادقين مع الواقع: المعارضة اليوم إما في السجون أو في المنافي. معظم
القيادات السياسية، من مختلف التيارات، زُجّ بها في السجن أو أُجبرت على مغادرة
البلاد.
أنا شخصيا موجود في المنفى في باريس،
وأراقب من بعيد، وحرصت على ألا أتدخل مباشرة في هذه العملية، لكنني أتابعها بدقة.
ما أراه هو أن هناك بالفعل اتصالات جدية وحثيثة، وتفكيرا متقدما، ومحاولات لبناء
عمل مشترك بين أطياف المعارضة المختلفة، وأنا أشجّع هذا المسار وأباركه دائما،
لأنه في لحظة تاريخية كهذه لا بدّ من وحدة الصف.
ومن حسن الحظ أن المعارضة، على اختلاف
مشاربها، باتت اليوم ترفع راية واحدة تقريبا: راية دستور 2014، دستور الثورة،
والهدف المشترك المتمثل في إسقاط هذا النظام غير الشرعي، ثم العودة إلى بناء
المسار الديمقراطي.
اليوم، يمكن القول إن كل أطياف المعارضة
متفقة على هذه العناوين الكبرى، بل إن هذا الشخص نفسه هو من ساهم، من حيث لا يدري،
في توحيد المعارضة، لأنه لم يستثنِ أحدا: من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، الجميع
إما في السجن أو في المنفى.
بمعنى آخر، هو الذي صنع هذه المعارضة
الجديدة، وهذه المعارضة الآن بصدد إعادة بناء نفسها.
ومتى يمكن القول إن
المعارضة ستنتهي من بناء نفسها؟
كما قلت لك، المعارضة اليوم، وخاصة في
الخارج، تعمل على تنظيم نفسها، وبناء أطر ومؤسسات مشتركة، وأنا أدفع في هذا
الاتجاه بكل ما أملك من قناعة وتأثير.
لكن في الوقت نفسه، أؤمن إيمانا راسخا
بأن التغيير الحقيقي لا يجب أن يُختزل في تفاهمات زعماء وقيادات المعارضة في
الخارج، سواء اتفقوا أو اختلفوا. الأساس هو أن تخرج المبادرة من داخل المجتمع، من
داخل الشارع، ومن قلب الشباب.
أنا أُعوّل أساسا على شعب المواطنين،
وعلى هذا الجيل الجديد الذي أبهر العالم في أكثر من بلد (جيل زد). والتونسيون، في
تقديري، يمتلكون القدرة التاريخية على التحرك مجددا.
ولهذا أوجّه نداءً واضحا إلى الشباب
التونسي: نظّموا أنفسكم، استغلّوا كل أدوات العصر، وخصوصا وسائل التواصل
الاجتماعي، حدّدوا توقيتكم بأنفسكم، واخرجوا في كل القرى وكل المدن. عندها، سيسقط
هذا النظام، لأنه في الحقيقة لا يوجد نظام أكثر هشاشة من نظام قيس سعيّد.
تردّدت أنباء عن محاولات
لتشكيل جبهة سياسية معارضة برئاسة رئيس الحكومة التونسية السابق هشام المشيشي.. ما
مدى صحة ذلك؟
ليس لدي علم دقيق بهذه المسألة، وطرح الأسماء
في هذه المرحلة لا يزال غير واضح بالنسبة لي.
مرة أخرى، أؤكد أن الإجابة الحقيقية
لن تأتي من الخارج، بل من داخل الوطن، ومن داخل الشارع التونسي نفسه.
ما فرص ظهور معارضة جديدة
من قلب مسار 25 يوليو/ تموز 2021؟
هذا احتمال وارد. هناك بالفعل بعض الأصوات
التي بدأت ترتفع، سواء داخل البرلمان أو في مواقع أخرى، لتقول إن هذا الشخص لم يعد
قادرا على أداء الأمانة، وأنه بات عبئا خطيرا على البلاد.
وكما قلت سابقا، نحن أمام صراع أجنحة
داخل السلطة، وهذا الصراع من شأنه أن يعقّد وضع هذا المستبد أكثر فأكثر، لأنه قطع
على نفسه كل خيوط الرجعة، سياسيا ومجتمعيا وعلى جميع المستويات.
هل يتحمّل الوضع في تونس
استمرار قيس سعيّد في منصبه حتى نهاية فترته الرئاسية؟
قطعا لا. الوضع لا يحتمل ذلك على
الإطلاق. نحن أمام انسداد وانغلاق سياسي كامل، وانهيار اقتصادي متواصل، وانهيار
خطير في المعنويات.
اليوم في تونس، عادت نسب الانتحار إلى
الارتفاع، والهجرة والفرار الجماعي ينزفان البلاد بشكل مرعب جدا. لا يوجد أي أفق،
لا رؤية، لا فكر، لا سياسة اقتصادية، ولا حتى محاولة لفتح مسارات سياسية.
كل ما نراه هو هروب إلى الأمام، ومزيد
من القمع، ومزيد من الزجّ بالناس في السجون، وهذا المسار لا يمكن أن يقود إلا إلى
تعجيل النهاية الحتمية.
كيف ترى استقالة الأمين
العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي؟
الاتحاد العام التونسي للشغل يمرّ
بأزمة عميقة جدا، مثل كثير من المنظمات التي حاولت في مرحلة ما أن تلعب على الحبال
مع هذا النظام، ثم اكتشفت أن اللعب معه يعني فقدان الاستقلالية والشرعية.
هم يتحدثون اليوم عن إضراب عام في 21 كانون
الثاني/ يناير، ولا أدري إن كانوا سيمضون فيه أم لا، لكن الثابت أن هذا الاتحاد،
الذي لعب دورا كبيرا وخطيرا جدا في تخريب الثورة، يدفع اليوم ثمن أخطائه
الاستراتيجية.
هل يستطيع أن يستعيد موقعه ليكون جزءا
من انتفاضة ضد هذا النظام؟، في الوقت الحاضر، لا أعتقد ذلك.
هل يمكن القول إن الاتحاد
يعيش أزمة ثقافية ونقابية حادة؟ وهل نحن أمام نهايته؟
الاتحاد لعب دورا مزدوجا في آن واحد:
دور نقابة، ودور حزب سياسي مقنّع، أقرب إلى حزب قومي-يساري. كثير ممن فشلوا في
أحزابهم لجؤوا إلى الاتحاد وجعلوه أداة سياسية ومخلب القط.
في حين فشلوا سياسيا فشلا ذريعا، ثم
فشلوا نقابيا، لأن هذا النظام لا يؤمن أصلا بالعمل النقابي ولا بأي حريات من أي
نوع.
اليوم، الاتحاد في ورطة حقيقية: خسر
سياسيا، وخسر نقابيا. والسؤال الجوهري هو: ماذا سيبقى منه؟، لا أدري.
أين دور الجيش وبقية مؤسسات
الدولة مما يجري في تونس اليوم؟
هذا سؤال مطروح بقوة في المشهد
التونسي اليوم. أنا أعرف الجيش التونسي جيدا، وليس من قبيل الصدفة أنه لم يطلق
الرصاص على المتظاهرين، ولم ينقلب كما فعل الجيش المصري. تركيبته مختلفة تماما عن
الجيش المصري، هو جيش أبناء الشعب، ولم يكن منخرطا في الفساد أو الاستبداد.
لكن اليوم، يبدو أن على رأس هذه
المؤسسة العسكرية مجموعة انقلبت على تقاليد وقيم الجيش منذ تأسيسه.
السؤال: هل المجموعة التي تتحكّم
اليوم في قرار المؤسسة العسكرية هي مجموعة محدودة؟ وهل يستطيع الجيش، بوصفه مؤسسة
وطنية، أن يتخلّص من هذه المجموعة ويستعيد دوره الطبيعي والدستوري، أي حماية
الدستور وحماية الشعب؟، وهل سيتحمّل ضباط الصف الثاني في الجيش – على الأقل –
مسؤولياتهم الوطنية، فيُزيحون الضباط المتورطين في هذا الانقلاب، ويضعون حدّا
لسلطة هذا المنقلب، قيس سعيّد، الذي لا يمتلك أي شرعية من الأساس؟
فالجيش، وفق الدستور، غير مُلزم بطاعة
شخص منقلب على الدستور، وهو في واقع الأمر رئيس مزيّف وخائن انتخب نفسه بنسبة 90%،
ولا يجوز السماح له بإعطاء التعليمات لا للجيش ولا لأي مؤسسة من مؤسسات الدولة.
هذا ما ننتظره، وهذا ما ستُجيب عنه الأيام المقبلة.
وهل تتوقع أن يحدث ذلك فعليا؟
في السياسة، يجب أن تكون مستعدا لكل
السيناريوهات، لكنك لا تعرف أبدا أيها سيتحقق، لأن المعطيات لا تكون كاملة، ولأن
موازين القوى تتغير باستمرار.
كيف ترى صورة الجيش التونسي
في نظر الشارع اليوم؟
التونسيون يعرفون جيدا أن جيشهم لن
يطلق عليهم الرصاص كما فعل الجيش المصري، ولذلك ما زالوا – رغم كل شيء- يعتبرونه
جيشهم، ويرون فيه صمام أمان، وربما الجهة القادرة على حمايتهم من أي مغامرات
خارجية.
وهل يمكن أن يتصدى الجيش
لأي تدخل خارجي محتمل؟
بالتأكيد. لا أتصور أن جنديا تونسيا
يمكن أن يقبل بأن يأتي جنود أجانب، جزائريين أو غيرهم، للدفاع عن قيس سعيّد أو
لإطلاق الرصاص على التونسيين، هذا خط أحمر.
إلى أين تتجه الأوضاع في
تونس خلال المرحلة المقبلة؟
نحن ذاهبون إلى مزيد من التأزم:
اقتصاديا، اجتماعيا، وسياسيا.
قيس سعيّد قال بنفسه لرئيسة الحكومة
إن المرحلة المقبلة هي "السرعة القصوى"، وهو يقصد بذلك مزيدا من القمع
والانغلاق، وهذا سيشعل الأزمة.
وأنا دائما أشبّه الثورات العربية
بالبراكين: حين يتراكم الضغط داخل البركان، لا بدّ أن ينفجر. هذا الرجل، بسياسته
الرعناء، هو مَن يسرّع لحظة الانفجار.